بعد الفراق حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الثامن

ظل سيف ينظر إلى تقرير البصمات كأنه لا يفهم الكلمات المكتوبة أمامه.

أعاد قراءة الاسم مرة…

واتنين…

وثلاثة.

كريم الحديدي.

أخوه الأكبر.

الراجل اللي وقف بنفسه قدام قبره من خمس سنين.

الراجل اللي نزل جثمانه بإيده.

قال بهدوء مخيف:

“مين اللي عمل التحليل؟”

رد خبير الأدلة:

“اتكرر مرتين يا فندم… والنتيجة واحدة.”

“مفيش نسبة خطأ؟”

“أقل من واحد في المليون.”

سيف لف ناحية قائد الحراسة.

“افتحوا قبر كريم.”

الجميع اتجمد.

“يا باشا…”

“دلوقتي.”

“بس لازم تصريح من النيابة.”

رد سيف:

“التصريح هيطلع خلال ساعة.”

…

في نفس الوقت…

داخل المزرعة.

فتح آدم عينيه ببطء.

بدأ يبكي.

دخلت سيدة كبيرة في السن بسرعة.

شالت الطفل.

وضمته لصدرها.

وقالت بحنان:

“اهدى يا حبيبي… مفيش حد هيأذيك.”

الرجل العجوز وقف عند الباب يراقبها.

وسأل:

“لسه بتحبيه بالشكل ده؟”

ردت وهي تبص للطفل:

“ذنبه إيه؟”

“ذنبه إنه اتولد.”

بصت له بغضب.

“كفاية دم بقى.”

ابتسم ابتسامة باردة.

“لسه الحساب ما خلصش.”

…

في المستشفى…

كانت ليلى قاعدة لوحدها.

حاسّة بالذنب بيقتلها.

دخل سيف بهدوء.

حط قدامها كوب شاي.

أول مرة يعمل حاجة بسيطة بالشكل ده.

قال:

“اشربي.”

هزت رأسها.

“مش قادرة.”

قعد جنبها.

وسكت.

دقايق طويلة.

لحد ما قالت:

“بتكرهني؟”

بصلها.

“لو كنت بكرهك… ما كنتش واقف هنا.”

“أنا حرمتك من ابنك.”

تنهد.

“إنتِ حرمتِ نفسك أكتر.”

نزلت دموعها.

“كنت فاكرة إني بحميه.”

قال وهو يبص لقدامه:

“واضح إن اللي كنا بنهرب منه… كان شايفنا طول الوقت.”

…

بعد ساعتين…

وصل تصريح النيابة.

وفي وجود وكيل النيابة والطب الشرعي…

اتفتح قبر كريم الحديدي.

الكل كان واقف في صمت.

حتى سيف…

رغم قوته…

كانت إيده بترتعش.

بدأ العمال يرفعوا الغطاء.

ثم فتحوا التابوت.

وساد صمت مرعب.

وكيل النيابة قرب بالمصباح.

ثم اتراجع خطوة.

“إيه ده؟”

سيف جرى ناحيته.

بص جوه التابوت.

واتجمد.

ماكانش فيه جث..ة.

كان فيه…

أكياس رمل.

وقطعة خشب.

بس.

شهق قائد الحراسة.

“يعني…”

رد وكيل النيابة:

“اللي اتدفن هنا…

مش كريم الحديدي.”

…

في اللحظة نفسها…

داخل غرفة قديمة في المزرعة.

دخل الرجل العجوز.

وقف قدام شخص قاعد على كرسي متحرك، ضهره للباب.

قال بابتسامة:

“الخطة ماشية زي ما رسمنا.”

لف الكرسي ببطء.

وظهر وجه رجل في أوائل الأربعينيات.

بلحية خفيفة.

وعينين سوداوتين.

ابتسم ابتسامة هادئة.

وقال:

“سيف وصل للقبر؟”

رد العجوز:

“من عشر دقايق.”

هز الرجل رأسه.

“كنت عارف إنه هيعرف.”

ثم قام من على الكرسي…

رغم إنه كان ظاهر للجميع إنه عاجز.

مشى بخطوات ثابتة نحو النافذة.

ونظر إلى الطفل آدم النائم في الغرفة المجاورة.

وقال بصوت منخفض:

“كبرت يا ابني…”

تجمد الرجل العجوز.

“ابنك؟”

ابتسم الرجل.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“آدم مش ابن سيف الحديدي…”

“آدم ابني أنا.”

وفي اللحظة نفسها…

كان هاتف سيف يرن.

رقم مجهول.

رد بسرعة.

جاءه صوت رجل هادئ…

صوت عرفه فورًا رغم مرور خمس سنوات.

“وحشتني يا أخويا.”

اتسعت عينا سيف.

وسقط الهاتف من يده.

لأن الصوت…

كان صوت كريم الحديدي نفسه.
الفصل التاسع

ظل الهاتف على الأرض لثوانٍ.

سيف كان واقف مكانه، مش قادر يتحرك.

الصوت…

هو نفس الصوت.

نفس النبرة.

نفس الطريقة اللي كان كريم بينطق بيها اسمه وهو صغير.

انحنى بسرعة، والتقط الهاتف.

قال بصوت مخنوق:

“كريم؟”

جاءه ضحك خفيف من الطرف الآخر.

“لسه فاكر صوت أخوك.”

قبض سيف على الهاتف بقوة.

“إنت عايش؟”

“أيوه.”

“إزاي؟”

“السؤال الصح… مين اللي خلاك تصدق إني مت؟”

ساد صمت طويل.

ثم قال كريم:

“قدامك ساعة واحدة.”

“ساعة لإيه؟”

“لو حاولت تبلغ الشرطة أو تدخل الجيش أو تستخدم نفوذك… هتستلم ج..ثة الطفل.”

صرخ سيف:

“لو قربت من آدم…”

قاطعه كريم بهدوء:

“أنا عمري ما أذيت طفل.”

“أمال خطفته ليه؟”

رد بصوت بارد:

“علشان أنقذه.”

وأغلق الخط.

—

في غرفة التحقيق المؤقتة داخل المستشفى…

كان الجميع ينظر إلى سيف.

سأله قائد الحراسة:

“مين كان على الخط؟”

رفع رأسه ببطء.

“كريم.”

ساد الصمت.

أحد الضباط همس:

“مستحيل…”

لكن سيف رفع يده.

“من النهارده… محدش ينطق كلمة مستحيل.”

ثم نظر إلى الجميع.

“أي معلومة عن حادث موت كريم من خمس سنين… عايزها خلال نص ساعة.”

—

بعد خمسة وعشرين دقيقة…

وصلت ثلاثة صناديق مليانة ملفات قديمة.

تقارير الشرطة.

تقارير الطب الشرعي.

صور الحادث.

جلس سيف يقلبها بنفسه.

وفجأة…

لاحظ حاجة غريبة.

في تقرير الإسعاف…

وقت وصول سيارة الإسعاف كان الساعة 8:40 مساءً.

لكن تقرير الشرطة كتب أن الوفاة حدثت 8:18 مساءً.

رفع رأسه.

“إزاي؟”

مدير الأمن اقترب.

“في إيه يا باشا؟”

أشار إلى التاريخ.

“إزاي حد يتأكد من الوفاة قبل ما الإسعاف توصل؟”

ساد الصمت.

ثم بدأ الجميع يراجع الأوراق.

كل التقارير…

كانت متناقضة.

وكأن حد كتبها على عجل.

—

في المزرعة…

دخل كريم إلى الغرفة التي ينام فيها آدم.

كان الطفل قد استيقظ.

يبكي بهدوء.

اقترب منه.

وحمله بين ذراعيه.

وبمجرد أن شعر آدم بالدفء…

سكت.

ابتسم كريم.

“أبوك كان بيعمل كده وهو صغير.”

دخلت السيدة العجوز.

وقالت بقلق:

“الولد لازم يرجع لأمه.”

هز كريم رأسه.

“هيرجع.”

“إمتى؟”

نظر من النافذة.

“لما أعرف مين اللي بيحاول يقتله.”

سألته:

“مش إنت اللي خطفته؟”

تنهد.

“لو كنت سبته في المستشفى…

كان زمانه مات.”

—

في نفس اللحظة…

دخل خبير السموم إلى مكتب سيف.

وفي يده تقرير جديد.

قال:

“لقينا حاجة مهمة.”

“إيه؟”

“المادة اللي كانت في الحقنة…”

“أيوه؟”

“مش مخصصة للأطفال.”

“يعني؟”

“دي مادة نادرة جدًا… لا تستخدم إلا في المعامل العسكرية وبعض مراكز الأبحاث.”

اتسعت عينا سيف.

“ومين يقدر يجيبها؟”

فتح الخبير صفحة أخيرة في التقرير.

“للأسف… عندنا جهة واحدة اشترتها في آخر سنة.”

“مين؟”

ابتلع الرجل ريقه.

ثم قال:

“شركة أبحاث طبية…”

وسكت.

صرخ سيف:

“اسمها!”

رد الخبير بصوت خافت:

“…الشركة مملوكة باسم رجل الأعمال فؤاد الحديدي.”

في اللحظة نفسها…

وصلت رسالة إلى هاتف سيف.

كانت صورة حديثة لآدم.

يضحك…

وبجانبه لعبة قماشية جديدة.

وتحت الصورة سطر واحد فقط:

“ابنك لسه بخير… لكن الخائن الحقيقي لسه واقف جنبك.”

رفع سيف رأسه ببطء…

ونظر إلى جميع الحراس الواقفين حوله.

ولأول مرة…

بدأ يشك أن العدو ليس خارج الدائرة…

بل داخلها….
الفصل العاشر

رفع سيف عينه عن الرسالة…

وبص في وشوش رجال الحراسة واحدًا واحدًا.

عشرين راجل.

بعضهم معاه من أكتر من عشر سنين.

ناس دخلت بيته.

وأكلت على سفرته.

وشالت سلا..حها علشان تحميه.

وفجأة…

كل واحد فيهم بقى محل شك.

قال بهدوء:

“من اللحظة دي… محدش يخرج من المستشفى.”

قائد الحراسة استغرب.

“حتى إحنا يا باشا؟”

“خصوصًا إنتوا.”

…

في خلال دقائق…

تم جمع كل أفراد الأمن في قاعة الاجتماعات.

دخل سيف لوحده.

حط هاتفه على الترابيزة.

وشغل الرسالة الصوتية اللي بعتها كريم قبل شوية.

بعد ما انتهت…

بص للجميع.

وقال:

“الخائن اللي وسطكم…

قدامه فرصة يتكلم.”

ولا صوت.

ولا نفس.

مرت دقيقة كاملة.

ثم اتفتح الباب.

دخل شاب صغير من الأمن الداخلي.

“يا باشا… في حاجة لازم تشوفها.”

…

أخده لغرفة المراقبة.

وقال:

“دي تسجيلات الكاميرات قبل اختفاء آدم.”

شغل الفيديو.

ظهر أحد الحراس وهو بيعدي قدام أوضة آدم.

وقف للحظة.

ثم…

حرك إيده بحركة صغيرة جدًا ناحية الكاميرا.

بعد ثانيتين…

الصورة فصلت.

قال خبير المراقبة:

“دي كانت إشارة.”

سيف قرب من الشاشة.

“إشارة لمين؟”

رجع التسجيل عشر ثواني.

وفي نهاية الممر…

ظهر عامل نظافة بيدفع عربية قمامة.

لما شاف الإشارة…

لف بسرعة واختفى.

وبعد ثلاثين ثانية…

اختفى آدم.

قبض سيف على المكتب.

“هاتولي الحارس.”

…

لكن…

الحارس ماكانش موجود.

اختفى.

رغم إن كل الأبواب كانت مقفولة.

بحثوا في المستشفى كلها.

ولا ليه أثر.

بس لقوا بدلته العسكرية مرمية فوق سطح المبنى.

وفوقها بطاقة هويته.

وكأن حد كان عايز يقول…

“متدورش عليه.”

…

في نفس الوقت…

داخل المزرعة.

كان كريم قاعد قدام شاشة كبيرة.

بيتابع كل اللي بيحصل في المستشفى.

دخلت أم حسن.

وقالت:

“مش هتقول الحقيقة؟”

رد بهدوء:

“لسه بدري.”

“سيف هيجن.”

“لازم.”

“ليه؟”

تنهد كريم.

“لأن الحقيقة من غير دليل…

هتخليه يقتل الشخص الغلط.”

…

فتحت أم حسن الباب.

ودخلت على آدم.

كان الطفل صحي.

وأول ما شافها…

ابتسم.

شالته وهي بتضحك.

“الحمد لله إنك بخير.”

لكن وهي بتحضنه…

لاحظت حاجة غريبة.

في ظهر آدم…

علامة صغيرة.

على شكل هلال.

شهقت.

“يا ساتر…”

دخل كريم بسرعة.

“في إيه؟”

لفت الطفل ناحيته.

“بص.”

أول ما شاف العلامة…

اتغير لون وشه.

وقال لنفسه:

“إزاي ظهرت دلوقتي؟”

سألته أم حسن:

“إنت كنت تعرف عنها؟”

هز رأسه.

“دي علامة عيلة…”

وسكت.

…

في نفس اللحظة…

وصل لسيف ظرف بني بدون اسم.

الحراس فتشوه.

ماكانش فيه أي متفجرات.

فتح الظرف.

وقع منه فلاشة.

شغلها على اللابتوب.

ظهر فيديو قديم…

مصور من كاميرا مراقبة داخل فيلا الحديدي.

تاريخ الفيديو…

قبل خمس سنوات.

قبل وفاة كريم بيوم واحد.

ظهر فؤاد الحديدي داخل المكتب.

وبعد ثوانٍ…

دخل قائد حراسة سيف الحالي.

نفس الراجل اللي واقف برة المكتب دلوقتي.

سمع سيف الحوار كاملًا.

قال فؤاد في التسجيل:

“لو سيف عرف الحقيقة…

كل اللي بنيناه هيقع.”

رد قائد الحراسة:

“اطمن يا باشا… عمره ما هيعرف.”

ثم سلّمه حقيبة سوداء.

فتحها فؤاد.

كانت مليانة ملايين الجنيهات.

انتهى الفيديو.

ساد صمت ثقيل.

رفع سيف رأسه ببطء.

ثم ضغط زر استدعاء الحراس.

دخل قائد الحراسة وهو مبتسم، ولا يعرف شيئًا.

رفع سيف اللابتوب أمامه.

وقال بهدوء مرعب:

“تحب تشرحلي…

قبضت الفلوس دي تمن إيه؟”

اختفت الابتسامة من وجه الرجل…

ولأول مرة منذ سنوات…

بدأ الخوف الحقيقي يظهر في عينيه.
يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *