رجعت من السفر حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الخامس – ما بعد الحكم
رغم إن القض..ية انتهت والحكم صدر، إلا إن آثار اللي حصل ما اختفتش بسهولة.
كان الليل لسه أصعب وقت بالنسبة لسلمى.
كل ما تنام كانت تصحى مفزوعة.
تتخيل إنها لسه مربوطة جنب بيت الكلب.
وتحس بالسلسلة حوالين رقبتها.
وفي كل مرة كانت تفتح عينيها وتلاقي مريم نايمة جنبها، كانت تبكي في صمت وتحمد ربنا إنها نجت.
أما عبد الرحمن فكان يحمل ذنبًا لا يراه أحد.
كل يوم يسأل نفسه نفس السؤال:
“لو كنت رجعت بدري أسبوع واحد بس… هل كنت همنع كل ده؟”
لكن الإجابة كانت تق..تله.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كانوا يتناولون الإفطار، طرق أحدهم الباب.
فتح عبد الرحمن.
فوجد رجلًا في الخمسينات يرتدي بدلة رسمية.
قال باحترام:
ـ حضرتك الحاج عبد الرحمن البحيري؟
ـ أيوه.
ـ أنا محامي.
وأنا جاي بخصوص حاجة تخص حفيدتك مريم.
تجمدت ملامح الجميع.
سلمى أمسكت يد ابنتها فورًا.
قال المحامي:
ـ الموضوع مهم جدًا.
ولازم تسمعوه.
الفصل السادس – السر الذي لم يعرفه أحد
جلس المحامي داخل البيت.
ثم أخرج ملفًا سميكًا ووضعه على الطاولة.
قال:
ـ قبل سنة تقريبًا… كانت فيه سيدة كبيرة اسمها الحاجة زينب العشري.
الست دي كانت عايشة لوحدها.
ومكنش عندها أولاد.
لكن كانت بتيجي مركز التأهيل اللي مريم كانت بتتعالج فيه.
سلمى عقدت حاجبيها.
ـ وأعرفها منين؟
ـ كانت بتشوف مريم هناك كل أسبوع.
وبدأت تتعلق بيها جدًا.
ثم فتح الملف.
وقال:
ـ قبل وفاتها بشهرين كتبت وصية.
وتركت معظم ثروتها لطفلة اسمها مريم حسن عبد الجواد.
ساد الصمت.
عبد الرحمن ظن أنه سمع خطأ.
ـ ثروة إيه؟
ابتسم المحامي.
ـ حوالي سبعة ملايين جنيه… وأرض زراعية كبيرة.
سلمى شهقت.
ومريم كانت تنظر للجميع دون أن تفهم ما يحدث.
لكن المحامي أكمل:
ـ الحاجة زينب كتبت في الوصية إن مريم كانت الطفلة الوحيدة اللي كانت تبتسم لها لما تزورها.
وقالت إنها شافت فيها قلبًا نقيًا يستحق فرصة للحياة.
انهارت سلمى بالبكاء.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أن الدنيا تعوض ابنتها عن شيء من الألم.
لكنهم لم يكونوا يعرفون أن الخبر سيصل إلى شخص آخر.
شخص ما زال في السجن.
حسن.
الفصل السابع – الطمع يعود
داخل السجن…
وصل الخبر إلى حسن.
وفي اللحظة التي عرف فيها بأمر الميراث، تغير كل شيء.
بدأ يرسل رسائل.
ويطلب مقابلة محاميه.
ويصرخ أن مريم ابنته وله حق في أموالها.
وعندما علم عبد الرحمن بالأمر، عاد القلق إلى قلبه.
لكن المحامي طمأنه.
ـ بعد الحكم الصادر ضده وإثبات تعذيبه لطفلته، فرصته القانونية ضعيفة جدًا.
إلا أن حسن لم يستسلم.
بدأ يدعي أنه نادم.
وأنه يريد رؤية ابنته.
وأنه تغير.
لكن سلمى كانت تعرف الحقيقة.
قالت لأبيها:
ـ اللي يربط بنته بسلسلة سبع أيام… عمره ما يتغير.
هز عبد الرحمن رأسه.
وكان موافقًا.
الفصل الثامن – كلمة مريم
مرت الشهور.
ومريم بدأت تتحسن أكثر.
وفي إحدى جلسات العلاج، طلبت منها الأخصائية أن تكتب أمنية واحدة.
جلست مريم دقائق طويلة.
ثم كتبت بخط صغير ومتردد:
“نفسي أبقى طبيبة.”
ابتسمت الأخصائية.
وسألتها:
ـ ليه؟
فكتبت:
“عشان أعالج الناس اللي بتوجع.”
عندما قرأت سلمى الجملة، بكت.
أما عبد الرحمن فخرج من الغرفة حتى لا يراه أحد وهو يمسح دموعه.
في تلك اللحظة أدرك شيئًا مهمًا.
أن حسن وأمه حاولوا كسر هذه الطفلة.
لكنهم فشلوا.
لأن قلبها ظل نقيًا رغم كل شيء.
الفصل الأخير – بعد سنوات
مرت ثماني سنوات.
أصبح عبد الرحمن عجوزًا أكثر.
وشعره الأبيض غطى رأسه بالكامل.
لكن ابتسامته صارت أوسع.
كان يجلس في الصف الأول داخل قاعة كبيرة.
وبجواره سلمى.
ينتظران بدء الحفل.
ثم سمع المذيع يقول:
“الأولى على دفعتها في الثانوية العامة… مريم عبد الجواد.”
وقف الجميع يصفق.
وصعدت مريم إلى المسرح.
لم تعد تلك الطفلة الخائفة.
أصبحت شابة قوية.
هادئة.
واثقة.
أخذت الجائزة.
ثم نظرت وسط الحضور.
وبحثت بعينيها حتى وجدت جدها.
فابتسمت.
وبعد انتهاء الحفل اقتربت منه.
وأعطته صندوقًا صغيرًا.
فتح الصندوق.
فوجد بداخله سلسلة حديدية صغيرة مكسورة ومطلية بالفضة.
نظر إليها باستغراب.
فقالت:
ـ فاكرها؟
هز رأسه ببطء.
كانت قطعة من السلسلة التي قيدت بها يومًا.
قالت وهي تبتسم:
ـ احتفظت بيها عشان أفضل فاكرة.
ـ فاكرة الوجع؟
هزت رأسها.
ـ لا… فاكرة إن جدو جه وأنقذني.
احتضنها عبد الرحمن بقوة.
وفي تلك اللحظة شعر أن كل سنوات الندم اختفت.
لأنه هذه المرة…
لم يتأخر. ❤️
الفصل التاسع – الرسالة التي وصلت بعد ثماني سنوات
بعد حفل التكريم بثلاثة أيام، كان عبد الرحمن جالسًا في شرفة البيت وقت الغروب.
الجو كان هادئًا.
وصوت العصافير يملأ المكان.
وفجأة سمع صوت بوابة البيت.
خرج ليرى من الطارق.
فوجد شابًا يرتدي بدلة سوداء ويحمل ظرفًا رسميًا.
سأل:
ـ الحاج عبد الرحمن البحيري؟
ـ أيوه.
ناول الشاب الظرف وقال:
ـ مطلوب تسليمه لحضرتك شخصيًا.
ثم انصرف.
فتح عبد الرحمن الظرف ببطء.
وأول ما قرأ الاسم الموقّع أسفله، تغير لون وجهه.
الاسم كان:
حسن عبد الجواد.
في الداخل كانت رسالة طويلة.
مكتوبة بخط مرتب.
لكن الكلمات بدت ثقيلة.
“عبد الرحمن…
عارف إنك يمكن ترمي الرسالة قبل ما تكملها.
وعارف إنك عندك كل الحق تكرهني.
بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما أموت.”
تجمد عبد الرحمن.
وأكمل القراءة.
“أنا عندي سرطان متقدم.
والدكاترة قالوا إن أيامي معدودة.
مش بكتب عشان تسامحني.
ولا عشان أخرج من السجن.
أنا بكتب عشان الحقيقة.”
ازدادت دقات قلبه.
ثم قرأ السطر التالي.
“أنا عمري ما كنت بكره مريم.”
رفع عبد الرحمن رأسه بغضب.
وكاد يمزق الرسالة.
لكن شيئًا ما جعله يكمل.
“أنا كنت بكره نفسي.”
كل كلمة بعدها كانت أشد صدمة.
اعترف حسن أنه كان مدمنًا للكحول والمهدئات لسنوات.
واعترف أن أمه كانت تسيطر عليه بالكامل.
لكن أخطر اعتراف كان في آخر الرسالة.
“في يوم حاولت أوقف اللي بيحصل.
وأمي هددتني بحاجة كنت خايف منها طول عمري.
الحقيقة اللي محدش يعرفها.”
عقد عبد الرحمن حاجبيه.
وأكمل.
“أنا مش ابنها الحقيقي.”
سقطت الرسالة من يده.
وظل ينظر أمامه في صمت.
الفصل العاشر – الحقيقة المدفونة
في اليوم التالي ذهب عبد الرحمن إلى السجن.
رغم رفض سلمى.
ورغم غضبه.
لكنه أراد أن يعرف الحقيقة كاملة.
عندما دخل غرفة الزيارة، لم يتعرف على حسن من أول نظرة.
كان نحيفًا جدًا.
وشاحبًا.
وأضعف بعشرات المرات مما كان عليه.
جلس حسن خلف الزجاج.
ونظر إليه طويلًا.
ثم قال:
ـ كنت عارف إنك هتيجي.
رد عبد الرحمن ببرود:
ـ عندك عشر دقايق.
قول اللي عندك.
تنهد حسن.
وقال:
ـ أمي خطفتني وأنا طفل.
تجمد عبد الرحمن.
ـ إيه؟
ـ مش ابنها.
ولا ابن الراجل اللي كنت فاكره أبويا.
أنا اتسرقت وأنا عندي أربع سنين.
ساد الصمت.
ثم أكمل حسن:
ـ واكتشفت ده بالصدفة قبل جوازي من سلمى بسنة.
ـ وليه ما بلغتوش؟
ضحك حسن بمرارة.
ـ لأن الست دي هددتني.
قالتلي لو فتحت بقي هت..ق..تل الناس اللي ربتوني.
وهتخليني أضيع للأبد.
ثم أطرق رأسه.
ـ ومن يومها وأنا بقيت عبد ليها.
عبد الرحمن كان يسمع بصمت.
لكن قلبه لم يلن.
قال:
ـ وكل ده يبرر اللي عملته في بنتي؟
بدأ حسن يبكي.
لأول مرة.
ـ لا.
مافيش حاجة تبرره.
عشان كده أنا مستاهل أموت هنا.
الفصل الحادي عشر – قرار مريم
عندما عرفت مريم بالقصة كاملة، كانت في السادسة عشرة.
جلست صامتة ساعات طويلة.
ثم سألت سؤالًا واحدًا:
ـ هو طلب يشوفني؟
أجابت سلمى:
ـ أيوه.
ـ وإنتي موافقة؟
سكتت سلمى.
ثم قالت:
ـ القرار قرارك.
في تلك الليلة لم تنم مريم.
ظلت تفكر.
في السلسلة.
في بيت الكلب.
في الليالي الباردة.
وفي نفس الوقت…
في الرجل المريض الذي ينتظر موته وحده.
وفي النهاية اتخذت قرارها.
الفصل الثاني عشر – اللقاء الأخير
دخلت مريم غرفة الزيارة.
وكان حسن ينتظر.
أول ما رآها…
بكى.
بكى كطفل.
أما هي فظلت واقفة.
هادئة.
قوية.
كما لم تكن يومًا من قبل.
قال حسن بصوت مرتجف:
ـ كبرتي.
لم ترد.
ـ كنت بحلم أشوفك مرة واحدة قبل ما أموت.
سألته بهدوء:
ـ ليه عملت كده؟
أغلق عينيه.
وقال:
ـ لأني كنت جبان.
كنت أقدر أوقف كل حاجة.
لكن خوفي كان أكبر مني.
صمتت طويلًا.
ثم قالت:
ـ أنا مش جاية أسامحك.
انكسر وجهه.
لكنها أكملت:
ـ ومش جاية أكرهك كمان.
رفع رأسه ببطء.
وقالت:
ـ أنا جاية أقولك إنك مش هتفضل عايش جوايا.
لا بخوف.
ولا بكراهية.
أنا هكمل حياتي.
وأسيبك ورايا.
لأنك ما تستحقش أي مكان في قلبي.
ثم استدارت وغادرت.
ولم تنظر خلفها.
أبدًا.
النهاية الجديدة
بعد عام واحد…
رحل حسن داخل السجن.
في هدوء.
وبلا زوار.
أما مريم…
فحصلت على منحة لدراسة الطب.
وفي أول يوم لها في كلية الطب، وقفت أمام بوابة الجامعة.
ورفعت وجهها للسماء.
ثم ابتسمت.
كانت تعرف أن طريقها ما زال طويلًا.
لكنها أيضًا كانت تعرف شيئًا آخر.
أن الإنسان لا يختار ما يحدث له.
لكنه يختار ماذا يفعل بعده.
والطفلة التي نامت يومًا على التراب بجوار بيت كلب…
أصبحت شابة تستعد لإنقاذ حياة الآخرين.
وهذا كان أعظم انتصار من كل الأحكام والانتقامات. ❤️
تمت
