غادر زوجي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل التاسع: الرجل الذي كان يحرك الخيوط

في السابعة مساءً…

كان الهدوء يملأ الطابق الأخير من مبنى مجموعة الشاذلي.

وقف محمود العزازي أمام مكتب سارة وهو يحمل ملفًا أحمر اللون.

قال بصوت جاد:

– لقينا الشخص اللي سرّب الأخبار.

رفعت سارة رأسها.

– مين؟

فتح الملف ووضع عدة صور أمامها.

في الصورة الأولى…

كان يظهر شريف منصور، المدير المالي السابق لشركة كريم.

وفي الثانية…

كان يجلس داخل أحد المقاهي مع رجل خمسيني أنيق يرتدي نظارة سوداء.

توقفت سارة عند الصورة.

تعرفت عليه فورًا.

همست:

– فريد السيوفي…

أومأ محمود.

– رئيس مجلس إدارة شركة السيوفي للتطوير.

تنهدت سارة ببطء.

كانت تعرف الاسم جيدًا.

قبل ثلاث سنوات…

دخلت مجموعة الشاذلي في منافسة شرسة مع شركة السيوفي على مشروع قومي ضخم.

وفازت مجموعة الشاذلي بالمناقصة.

ومنذ ذلك اليوم…

لم يُخفِ فريد كراهيته لعائلتها.

قال محمود:

– إحنا راقبناه أسبوع كامل.

واكتشفنا إنه هو اللي موّل الشركات الوهمية اللي استخدمها شريف.

سألت سارة:

– يعني كريم كان مجرد واجهة؟

– للأسف… أيوه.

سادت لحظة صمت.

لم تشعر سارة بالشماتة.

بل بالحزن.

لأن الرجل الذي أحبته…

لم يكن فقط مغرورًا.

بل كان أيضًا ساذجًا إلى درجة سمحت لغيره باستخدامه.

—

في الوقت نفسه…

كان كريم يجلس وحده داخل شقته.

رن جرس الباب.

فتح.

وجد شريف منصور يقف أمامه.

كان وجهه مرهقًا.

وعيناه غارقتين في السهر.

قال بصوت منخفض:

– ممكن أدخل؟

دخل وجلس في صمت.

ثم قال:

– أنا كذبت.

نظر إليه كريم بغضب.

– لسه فاضل كدب تاني؟

هز شريف رأسه.

– أنا فعلاً سرقت فلوس…

لكن مش لوحدي.

– يعني إيه؟

أخرج من جيبه فلاشة صغيرة.

ووضعها على الطاولة.

– عليها تسجيلات.

واجتماعات.

وحسابات.

كلها تثبت إن فريد السيوفي هو اللي خطط لكل حاجة.

قطب كريم حاجبيه.

– وليه تعمل كده دلوقتي؟

خفض شريف رأسه.

– لأن ابني سألني امبارح…

“إنت حرامي يا بابا؟”

وساعتها…

عرفت إن مفيش فلوس في الدنيا تستحق إني أخسر نظرة ابني ليا.

أخذ كريم الفلاشة ببطء.

وسأله:

– ليه اخترتني؟

ابتسم شريف بمرارة.

– لأنك كنت أسهل واحد يتضحك عليه.

كنت واثق في كل الناس…

إلا في الإنسانة الوحيدة اللي كانت بتحذرك.

أغمض كريم عينيه.

مرة أخرى…

كانت كلمات سارة تتردد في أذنه.

“راجع الحسابات بنفسك.”

لكنه لم يسمعها.

—

في صباح اليوم التالي…

دخل كريم مقر النيابة بنفسه.

وطلب مقابلة وكيل النيابة.

وضع الفلاشة أمامه.

وقال:

– عندي أدلة جديدة.

بعد ساعتين…

كان رجال الشرطة ينفذون إذن تفتيش في عدة شركات مرتبطة بفريد السيوفي.

وفي الوقت نفسه…

وصل اتصال إلى مكتب سارة.

ردت بهدوء.

جاءها صوت وكيل النيابة:

– يا فندم…

واضح إن الق*ضية أكبر مما كنا متوقعين.

ثم أضاف:

– والأدلة اللي وصلت النهارده…

هتغيّر مجرى التحقيق بالكامل.

أغلقت سارة الهاتف.

ونظرت من النافذة.

لم تكن تشعر بالانتصار.

بل كانت تدرك أن المعركة الحقيقية…

لم تكن بينها وبين كريم أبدًا.

بل مع من استغل غروره…

وحاول تدمير اسم عائلتها.

وفي تلك اللحظة…

كان فريد السيوفي يقف داخل مكتبه، يشاهد سيارات الشرطة تدخل مقر إحدى شركاته.

ابتسم ابتسامة باردة.

وقال لمساعده:

– المرحلة الأولى انتهت…

دلوقتي نخليهم يحاربوا على حياة سارة نفسها.

وفي اللحظة نفسها…

دوّى انفجار عنيف في موقف السيارات أسفل مبنى مجموعة الشاذلي…
الفصل العاشر: الانفجار الذي غيّر كل شيء

دوّى صوت الانفجار…

واهتزت النوافذ الزجاجية في مبنى مجموعة الشاذلي.

سقطت بعض الملفات من فوق المكاتب.

وانطلقت أجهزة إنذار الحريق في كل الطوابق.

وقف الموظفون مذعورين.

صرخت إحدى الموظفات:

– في انفجار تحت!

خرج الجميع بسرعة وفق إجراءات الإخلاء.

أما سارة…

فوقفت مكانها لثوانٍ، ثم أمسكت هاتفها.

– محمود… أطمن على الناس الأول.

جاءه صوته وهو يلهث:

– الحمد لله يا فندم… الانفجار كان في سيارة فاضية داخل الجراج، ومفيش إصابات بين الموظفين.

أغمضت عينيها للحظة.

– أهم حاجة الأرواح.

—

بعد دقائق…

وصلت سيارات الإسعاف والدفاع المدني والشرطة.

طُوِّق المكان بالكامل.

وقف الصحفيون خلف الحواجز يحاولون معرفة ما حدث.

أحد الضباط اقترب من سارة.

– يا فندم… من الواضح إن الانفجار استهدف إثارة الذعر، والتحقيقات لسه في بدايتها.

هزت رأسها.

– أي كاميرا موجودة في محيط المبنى تتراجع فورًا.

– بدأنا بالفعل.

—

في الجهة الأخرى…

كان كريم يشاهد البث المباشر على شاشة التلفزيون داخل مكتب محاميه.

وقف فجأة.

– سارة!

التقط هاتفه واتصل بها.

مرة…

اثنتين…

ثلاث مرات.

لم ترد.

نظر إليه المحامي.

– اقعد… الشرطة موجودة.

لكن كريم لم يسمعه.

خرج مسرعًا.

—

بعد نصف ساعة…

وصل أمام الحاجز الأمني.

منعه أحد الضباط.

– ممنوع الدخول.

قال كريم بلهفة:

– أنا لازم أطمن عليها.

في تلك اللحظة…

خرجت سارة من المبنى.

كانت ملابسها مغطاة ببعض الغبار، لكنها بدت ثابتة كعادتها.

وقعت عيناها عليه.

اقترب خطوة.

– إنتِ كويسة؟

نظرت إليه بهدوء.

– الحمد لله.

تنفس لأول مرة منذ شاهد الخبر.

قال بصوت منخفض:

– كنت فاكر…

سكت.

لم يكمل الجملة.

فهمت ما كان يريد قوله.

لكنه لم يعد يملك الحق في أن يخاف عليها كما كان يفعل زوجها.

—

في المساء…

اجتمع فريق التحقيق.

كانت تسجيلات كاميرات المراقبة تُعرض واحدة تلو الأخرى.

ثم توقف أحد الضباط عند لقطة معينة.

– رجّع هنا.

ظهرت سيارة نقل بيضاء تدخل الجراج قبل الانفجار بدقائق.

لكن المثير…

أن لوحتها المعدنية كانت مزيفة.

قال الضابط:

– كبّر الصورة.

ظهر السائق لثوانٍ فقط قبل أن يغطي وجهه بقبعة.

ورغم قصر اللقطة…

تعرّف محمود العزازي على شيء واحد.

– الخاتم…

نظر الجميع إليه.

قال بثقة:

– الراجل ده كان شغال عند فريد السيوفي.

كنت شوفته أكتر من مرة في اجتماعاته.

سجل الضابط الملاحظة فورًا.

وقال:

– هنراجع كل الأدلة قبل توجيه أي اتهام.

—

في الوقت نفسه…

كان فريد السيوفي يجلس داخل مكتبه يتابع الأخبار.

دخل مساعده مرتبكًا.

– يا فندم… الشرطة بتراجع كل الكاميرات.

ابتسم فريد ابتسامة باردة.

– خليهم يراجعوا.

ثم فتح درج مكتبه.

وأخرج ملفًا قديمًا كُتب عليه:

“عائلة الشاذلي – سري للغاية.”

تأمل صورة قديمة داخل الملف.

صورة لرجلين شابين يقفان بجوار بعضهما ويبتسمان.

أحدهما كان والد سارة…

والآخر كان هو.

همس لنفسه:

– محدش يعرف إن الحرب بينا بدأت من عشرين سنة…

ولا إن اللي بيحصل النهارده…

مجرد حساب قديم جه وقت سداده.

وفي الخارج…

كانت سارة تنظر إلى أضواء المدينة من نافذة مكتبها.

كان إحساس غريب يخبرها…

أن الق*ضية لم تعد مجرد مؤامرة مالية.

بل أصبحت مرتبطة بسر دفنه الماضي…

وسيكشفه المستقبل قريبًا.

الفصل الحادي عشر: السر المدفون منذ عشرين عامًا

في التاسعة صباحًا…

دخل الحاج عادل الشاذلي مقر المجموعة لأول مرة منذ أشهر.

لم يكن يأتي إلى الشركة إلا نادرًا بعدما سلّم الإدارة لابنته.

لكن هذه المرة…

كان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

طرق باب مكتب سارة.

رفعت رأسها.

ابتسمت عندما رأت والدها.

– اتفضل يا بابا.

جلس أمامها بصمت.

ووضع الصندوق فوق المكتب.

قال بهدوء:

– جه الوقت تعرفي الحقيقة.

نظرت إليه باستغراب.

– حقيقة إيه؟

فتح الصندوق ببطء.

كان بداخله صور قديمة…

وعقود…

ورسائل بخط اليد.

ثم أخرج صورة باهتة.

فيها شابان يقفان بجوار بعضهما ويضحكان.

أحدهما كان والدها.

والآخر…

فريد السيوفي.

قال الحاج عادل:

– زمان… كنا أكتر من أصحاب.

كنا شركا.

بدأنا من مكتب صغير…

وكل واحد فينا حلف إنه عمره ما يخون التاني.

أمسكت سارة الصورة.

– وإيه اللي حصل؟

تنهد والدها طويلًا.

– أول مشروع كبير دخلناه… اكتشفت إن فريد كان بيحوّل فلوس الشركة لحسابات خاصة.

واجهته.

وخيرته بين إنه يرجع الفلوس…

أو ننهي الشراكة.

سكت لحظة.

ثم أكمل:

– اختار إنه يمشي.

لكن قبل ما يمشي…

قال جملة عمري ما نسيتها.

خفض صوته وهو يرددها:

“هخليك تخسر أغلى حاجة عندك.”

شعرت سارة بقشعريرة.

– يعني كل اللي بيحصل…

قال والدها:

– غالبًا بداية انتقام كان مستنيه سنين.

—

في الوقت نفسه…

كان كريم يجلس في مكتب المحامي.

دخل شريف منصور وهو يحمل ملفًا جديدًا.

– لقيت حاجة مهمة.

فتح الملف.

كانت نسخة من عقود قديمة.

قال شريف:

– الشركات الوهمية اللي استخدمها فريد…

متسجلة بأسماء ناس ماتوا من سنين.

رفع كريم رأسه.

– يعني كان مخطط لكل حاجة من زمان؟

– بالضبط.

ثم أضاف:

– وإنت كنت الحلقة اللي استخدمها عشان يقرب من مجموعة الشاذلي.

ظل كريم صامتًا.

كلما اكتشف الحقيقة…

زاد شعوره بالذنب.

—

في الثالثة عصرًا…

تلقت سارة اتصالًا من الضابط المسؤول عن القض*ية.

– يا فندم… محتاجين حضرتك تيجي.

وصلت بعد أقل من نصف ساعة.

دخلت غرفة الاجتماعات.

كان الضابط يقف أمام شاشة كبيرة.

قال:

– راجعنا كاميرات الانفجار.

ظهرت اللقطات.

ثم توقفت عند لحظة نزول شخص من السيارة البيضاء.

قال الضابط:

– قدرنا نحدد هويته.

ظهرت صورة الرجل على الشاشة.

شهقت سارة.

وكريم الذي كان حاضرًا بصفته شاهدًا…

تجمد مكانه.

قال في صوت واحد معها:

– سامح!

كان سامح…

السائق الشخصي السابق لعائلة الشاذلي.

الرجل الذي عمل معهم خمسة عشر عامًا.

واختفى فجأة قبل أربع سنوات.

قال الضابط:

– اعترف إنه اشتغل مع شركة تابعة لفريد السيوفي بعد ما سابكم.

وأضاف:

– دلوقتي جاري البحث عنه.

—

خرجت سارة من النيابة وهي تشعر أن الماضي يفتح أبوابه واحدًا تلو الآخر.

وقف كريم بجوارها.

قال بهدوء:

– أنا عارف إن ماليش حق أتكلم.

نظرت إليه دون أن ترد.

أكمل:

– لكن أوعدك…

هساعد لآخر نفس عشان الحقيقة تظهر.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

– ساعد علشان ضميرك…

مش علشاني.

ثم ركبت سيارتها وغادرت.

وقف يتابعها حتى اختفت.

وأدرك أن استعادة ثقتها…

أصعب ألف مرة من استعادة ثروته.

—

وفي مكان آخر…

داخل مزرعة مهجورة على أطراف المدينة…

كان سامح يجلس أمام فريد السيوفي.

قال بقلق:

– الشرطة عرفت اسمي.

ابتسم فريد بهدوء.

ثم أغلق الملف الذي أمامه.

– يبقى خلاص…

هنبدأ المرحلة الأخيرة.

سأله سامح:

– وإيه هي؟

وقف فريد أمام النافذة.

ثم قال ببرود:

– هنخلي سارة بنفسها تشك في أقرب الناس ليها…

وساعتها…

مش هتحتاج أدمّرها.

هي اللي هتدمر نفسها بنفسها.

الفصل الثاني عشر: الخائن الذي لم يتوقعه أحد

في السادسة صباحًا…

لم تنم سارة سوى ساعتين.

كانت صورة سامح لا تفارق عقلها.

خمسة عشر عامًا…

كان يدخل بيتهم كل صباح.

يعرف مواعيدهم.

ويحمل مفاتيح سياراتهم.

وكان والدها يثق فيه أكثر من بعض أفراد العائلة.

فكيف انتهى به الأمر مع فريد السيوفي؟

—

وصلت إلى الشركة مبكرًا.

لكنها توقفت عند المدخل.

وجدت والدها يقف في الحديقة، يحمل فنجان قهوة وينظر إلى السماء.

اقتربت منه.

– ما نمتش؟

ابتسم بحزن.

– لما الماضي يرجع… النوم بيهرب.

جلست بجواره.

قال بعد صمت طويل:

– سامح ماكانش مجرد سواق.

نظرت إليه باستغراب.

– أومال كان إيه؟

تنهد.

– أنا اللي علمته.

أنا اللي صرفت عليه لحد ما خلص تعليمه.

ولما أبوه مات…

اعتبرته واحد من العيلة.

أخفضت سارة رأسها.

الخيانة أصبحت أثقل.

—

في الوقت نفسه…

كان كريم يجلس في مكتبه المؤقت.

أمامه صورة زفافه.

نظر إليها طويلًا.

ثم مزقها.

ليس غضبًا…

بل لأنه لم يعد يحتمل رؤية الرجل الذي كان عليه.

رن هاتفه.

رقم مجهول.

رد بحذر.

جاءه صوت خافت.

– لو عايز تعرف سامح مستخبي فين…

تعالى الساعة عشرة.

وأغلق الخط.

—

في العاشرة تمامًا…

وصل كريم إلى العنوان.

كان مخزنًا قديمًا على أطراف المنطقة الصناعية.

دخل بحذر.

وجد سامح يجلس وحده.

رفع سامح يديه فورًا.

– متخافش.

قال كريم بغضب:

– ليه عملت كل ده؟

خفض سامح رأسه.

– لأني اتضحك عليا.

– يعني؟

تنهد.

– فريد أقنعني إن الحاج عادل هو السبب في سجن أخويا زمان.

وإنه ظلم عيلتي.

اكتشفت بعد سنين إن كل اللي قاله كان كدب.

لكن وقتها…

كنت غرقت.

سأله كريم:

– والانفجار؟

قال بسرعة:

– والله ما كنت أعرف إن فيه انفجار.

أنا كنت فاكر العربية فيها أجهزة تنصت بس.

أول ما عرفت الحقيقة…

هربت.

وقبل أن يكمل…

دوّى صوت إطلاق نار في الخارج.

تجمد الاثنان.

قفز سامح خلف عمود خرساني.

صرخ:

– لحقنا!

لكن كريم أمسكه من ذراعه.

– اهدى!

اتصلا بالشرطة فورًا، بينما احتميا داخل المخزن.

بعد دقائق وصلت الدوريات، لكن مطلقي النار كانوا قد فروا.

لم يُصب أحد، وأُلقي القبض على سامح ليُستكمل التحقيق معه في ظروف آمنة.

—

بعد ساعات…

دخل كريم وسارة غرفة التحقيق.

كان سامح يجلس أمامهما.

نظر إلى سارة والدموع في عينيه.

– سامحيني…

أنا خنت أكتر ناس وقفوا جنبي.

قالت سارة بهدوء:

– لو عندك حاجة تنقذ الحقيقة… قولها.

أخرج سامح مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

وضعه على الطاولة.

قال:

– ده مفتاح خزنة.

– فين؟

– في مكتب قديم تابع لفريد.

فيها كل المستندات اللي كان مخبيها من سنين.

نظر الضابط إلى المفتاح.

ثم قال:

– لو الكلام ده صحيح… القض*ية كلها هتتغير.

—

في المساء…

تحركت قوة من الشرطة بعد الحصول على الأذونات القانونية اللازمة.

فُتحت الخزنة.

كانت مليئة بالعقود…

والحسابات…

وخطابات تثبت شبكة من الشركات الوهمية.

لكن أهم ما فيها…

كان ظرفًا مغلقًا مكتوبًا عليه بخط اليد:

“يفتح فقط إذا فشلت الخطة.”

نظر الضابط إلى الظرف.

ثم فتحه بحذر.

بدأ يقرأ.

وفجأة…

رفع رأسه نحو سارة.

وكانت ملامحه تحمل دهشة حقيقية.

قال بصوت منخفض:

– واضح إن فريد السيوفي…

ما كانش بيستهدف المجموعة بسبب الفلوس بس.

سألته سارة:

– أومال بسبب إيه؟

تردد لحظة.

ثم قال:

– لأنه كان مؤمن إن عائلة الشاذلي أخدت منه شخص كان يعتبره أغلى من حياته…

وللأسف…

الرسالة دي ممكن تغيّر نظرتكم لكل اللي حصل من عشرين سنة.

ساد الصمت.

وللمرة الأولى…

شعرت سارة أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا مما تخيلت.

وأن النهاية…

لم تعد قريبة كما كانت تظن.
الفصل الثالث عشر: الرسالة الأخيرة

ساد الصمت داخل غرفة الأدلة.

كان الجميع ينظر إلى الضابط وهو يقلب صفحات الرسالة ببطء.

قال الحاج عادل الشاذلي بصوت ثابت:

– اقرا… مهما كان المكتوب.

أخذ الضابط نفسًا عميقًا، ثم بدأ يقرأ:

“إذا وصلت هذه الرسالة إلى الشرطة، فاعرفوا أن كل ما فعلته لم يكن من أجل المال وحده.

أنا خسرت شريكي…

وخسرت مستقبلي…

وخسرت الشخص الوحيد الذي كنت أعتبره ابني.”

توقف الضابط لحظة.

ثم أكمل:

“لكنني أخطأت عندما قررت أن أنتقم من الأب عن طريق الابنة.”

رفعت سارة رأسها.

وتبادل الجميع نظرات الحيرة.

سأل محمود العزازي:

– يقصد مين بالابن؟

أغلق الضابط الرسالة مؤقتًا.

وقال:

– واضح إن فيه جزء من الحكاية محدش يعرفه.

—

في المساء…

جلس الحاج عادل مع سارة داخل مكتبه القديم.

فتح درجًا لم يفتحه منذ سنوات.

وأخرج ألبوم صور قديم.

بدأ يقلب صفحاته ببطء.

ثم توقف عند صورة لطفل لا يتجاوز العاشرة من عمره.

يقف بينه وبين فريد السيوفي.

ناول الصورة لسارة.

– تعرفي ده مين؟

هزت رأسها.

– لا.

تنهد والدها.

– اسمه عمر.

كان ابن فريد.

وكان بيعتبرني عمه.

اتسعت عينا سارة.

– عمر؟

– أيوه.

كان يقضي الصيف كله عندنا.

ويلعب في البيت هنا.

وأنا كنت بحبه زي ابني.

قلب الصفحة التالية.

لكن مكان الصورة التالية كان فارغًا.

بقي أثر الورق فقط.

همست سارة:

– الصورة دي راحت فين؟

أجاب والدها بحزن:

– اتحرقت يوم الحادث.

—

– حادث؟

خفض الحاج عادل رأسه.

– من عشرين سنة…

حصل حريق في المخزن القديم للشركة.

وعمر كان موجود هناك.

فضل مفقود أيام.

وبعدين لقوا ج*ثمانًا متفحمًا.

سكت لحظة.

– فريد صدق إني السبب.

مع إن التحقيق وقتها أثبت إن الحريق كان بسبب ماس كهربائي.

قالت سارة بهدوء:

– يعني هو عاش عشرين سنة شايل الكراهية دي؟

أجاب والدها:

– للأسف…

أيوه.

—

في التوقيت نفسه…

كان كريم يراجع الملفات التي خرجت من الخزنة.

لفت انتباهه إيصال قديم.

تاريخه…

قبل الحريق بيوم واحد.

واسم الشخص الذي استلمه…

لم يكن فريد.

ولا الحاج عادل.

بل شخص آخر.

قرأ الاسم مرة…

ثم أعاده ثانية.

وشحب وجهه.

همس لنفسه:

– مستحيل…

التقط هاتفه واتصل بسارة فورًا.

هذه المرة…

ردت.

قال بسرعة:

– سارة… الحريق اللي حصل من عشرين سنة…

أظن فيه حد تالت كان وراه.

سكتت.

ثم قالت:

– عندك دليل؟

– لسه لا…

لكن عندي اسم.

ولو طلع اللي بفكر فيه صح…

يبقى فريد نفسه كان ضحية كذبة كبيرة.

قبل أن تكمل الحديث…

دخل محمود العزازي مسرعًا إلى مكتب سارة.

كان يحمل تقريرًا جديدًا.

وقال بقلق:

– يا فندم…

الشرطة لقت حاجة غريبة جدًا.

نظرت إليه.

– إيه؟

وضع التقرير أمامها.

وفي أعلى الصفحة…

ظهرت نتيجة تحليل حديثة.

ثم قال:

– الجثمان اللي اتدفن من عشرين سنة…

فيه طلب رسمي بإعادة فحص ملفه.

وفيه احتمال…

إنه ما يكونش عمر أصلًا.

ساد الصمت.

شعرت سارة بأن قلبها يخفق بقوة.

إذا كان التقرير صحيحًا…

فهذا يعني أن الطفل الذي بُنيت عليه عشرون سنة من الكراهية…

قد لا يكون مات في ذلك اليوم أصلًا.

وأن الحقيقة…

بدأت أخيرًا تخرج إلى النور.

يتيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *