طلقت زوجتي حكايات اسما ×2

الفصل الثالث: الملف الأسود

في نفس اللحظة التي أغلق فيها كريم الهاتف في وجه عمه فؤاد، كان شيء ثقيل يتحرك داخل صدره.

شعور لم يعرفه منذ سنوات.

الغضب.

ليس غضب رجل أعمال خسر صفقة.

ولا غضب زوج اكتشف خيانة.

بل غضب أب عرف أن ست سنوات كاملة سُرقت من عمره.

ركب سيارته.

لكن بدلاً من العودة إلى القاهرة مباشرة، ظل جالسًا أمام البحر.

ينظر إلى الأمواج.

ويفكر في آدم.

في ليلى.

في الرسمة الصغيرة التي رآها قبل دقائق.

“ده بابا لما يرجع.”

الجملة كانت تلاحقه.

كيف لطفل لم يره قط أن يترك له مكانًا في رسمته؟

وكيف لرجل مثله أن يضيع ست سنوات من تلك البراءة؟

في القاهرة…

كان فؤاد الشاذلي يقف أمام النافذة داخل مكتبه الخاص.

بينما جلست ياسمين مقابله.

شاحبة.

مرهقة.

خائفة.

قالت:

“إنت قلت إن الموضوع انتهى من سنين.”

أجاب ببرود:

“وكان انتهى.”

“لا… ما انتهيش.”

أغلق الملف الأسود.

وقال:

“انتهى لو كريم استخدم عقله.”

نظرت إليه.

“وأنت لسه فاكر إنه هيسمع كلامك بعد اللي عرفه؟”

ابتسم فؤاد.

لكن ابتسامته لم تصل لعينيه.

وقال:

“هو لسه ما عرفش الحقيقة كلها.”

ارتجفت ياسمين.

لأنها كانت تعرف أن فؤاد لا يخاف إلا من شيء واحد.

الحقيقة الكاملة.

في اليوم التالي…

وصل كريم إلى مقر شركة العائلة.

لأول مرة منذ سنوات يدخل المبنى وهو يشعر أن كل شيء حوله مزيف.

المكاتب.

السكرتارية.

اللوحات.

حتى صور والده الراحل على الجدران.

صعد إلى الطابق الأخير.

ودخل مكتب فؤاد دون استئذان.

رفع فؤاد رأسه بهدوء.

كأنه كان ينتظره.

قال:

“صباح الخير.”

أغلق كريم الباب خلفه بعنف.

وقال:

“إنت عارف أنا جاي ليه.”

تنهد فؤاد.

وأشار إلى المقعد.

“اقعد.”

لكن كريم لم يجلس.

قال:

“كنت تعرف إن سلمى حامل.”

لم ينكر.

لم يتفاجأ.

لم يمثل.

بل قال ببساطة:

“أيوه.”

تجمد كريم.

رغم أنه كان يعرف الإجابة.

إلا أن سماعها بصوت مرتفع كان مختلفًا.

أقسى.

أبشع.

قال:

“وطردتها.”

رد فؤاد:

“حميتك.”

ضحك كريم.

ضحكة خالية من أي مرح.

وقال:

“حميتني؟”

“أيوه.”

اقترب كريم خطوة.

“حرمتني من ولادي.”

رد فؤاد:

“أنقذتك.”

هنا انفجر كريم.

وضرب المكتب بقبضته.

حتى اهتزت الأوراق فوقه.

“من إيه؟”

رفع فؤاد عينيه إليه.

ثم دفع الملف الأسود نحوه.

ببطء.

وقال:

“من الحقيقة.”

نظر كريم إلى الملف.

ثم فتحه.

وبدأ يقرأ.

وفي كل سطر…

كان وجهه يزداد شحوبًا.

نتائج تحاليل.

تقارير خصوبة.

توقيعات أطباء.

وتاريخ يعود إلى ما قبل طلاقه من سلمى بأشهر.

قرأ السطر الأخير.

ثم رفع رأسه.

ببطء شديد.

وقال:

“مستحيل.”

أجاب فؤاد:

“للأسف لا.”

شعر كريم أن الهواء اختفى من الغرفة.

لأن التقرير يقول شيئًا واحدًا.

أن مشكلة الإنجاب لم تكن عند سلمى.

بل عنده هو.

وأن احتمال الإنجابه كان ضعيفًا للغاية.

جلس أخيرًا على الكرسي.

كأن قدميه فقدتا القدرة على حمله.

وقال:

“وأنت خبيت ده عني؟”

أجاب فؤاد:

“حفاظًا على اسم العائلة.”

رفع كريم رأسه.

وعيناه امتلأتا بالصدمة.

فأكمل فؤاد:

“لو الناس عرفت إن وريث الشاذلي الوحيد عنده مشكلة خصوبة، المنافسين كانوا هياكلونا.”

قال كريم:

“أنا مش شركة.”

رد فؤاد:

“لكن اسمك شركة.”

شعر كريم بالغثيان.

لأنه لأول مرة يرى الحقيقة.

طوال حياته…

لم يكن ابنًا.

ولا رجلًا.

ولا إنسانًا.

كان مشروعًا استثماريًا يحمل اسم الشاذلي.

فقط.

عاد كريم إلى منزله بعد ساعات.

دون أن يتذكر الطريق.

دخل الفيلا.

فوجد ياسمين تنتظره.

وقفت فور رؤيته.

وقالت:

“كريم…”

لكنه لم يرد.

ظل ينظر إليها.

ثم قال:

“إنت كنتِ تعرفي التقرير؟”

سكتت.

وكان سكوتها كافيًا.

أغلق عينيه.

وشعر بشيء ينكسر داخله.

قال:

“كلكم كنتوا عارفين.”

بكت.

لكن دموعها لم تعد تحركه.

قالت:

“أنا كنت خايفة.”

“من إيه؟”

“أخسرك.”

ضحك.

ثم قال:

“وخسرتيني فعلًا.”

جلس على الأريكة.

وأصبح الصمت بينهما أثقل من الكلام.

حتى قالت أخيرًا:

“في حاجة تانية لازم تعرفها.”

رفع رأسه.

وتمنى للحظة ألا يكون هناك المزيد.

لكن الحياة لم تنتهِ من عقابه بعد.

قال:

“إيه؟”

أخفضت عينيها.

وقالت:

“سلمى ما خدتش الفلوس.”

تجمد.

“إيه؟”

“التحويل اللي اتبعت لها رجع تاني.”

ارتفع نبضه.

“يعني رفضته؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

شعر بشيء يخنقه.

لأن هذا يعني شيئًا واحدًا.

أن سلمى لم تساوم.

لم تبتز.

لم تطلب مالًا.

لم تساوم على الأطفال.

بل اختارت أن تربيهم وحدها.

بينما كان الجميع يتهمها بعكس ذلك.

في نفس الوقت…

كانت سلمى في الإسكندرية تجلس بين آدم وليلى.

تقرأ لهما قصة قبل النوم.

وكان الطفلان يضحكان.

بينما تنظر إليهما بحب.

لكن قلبها لم يكن مطمئنًا.

لأن كريم عاد.

والعودة أحيانًا أصعب من الغياب.

قال آدم فجأة:

“ماما؟”

ابتسمت.

“نعم يا حبيبي؟”

قال:

“الأستاذ كريم لطيف.”

توقفت للحظة.

ثم سألت:

“ليه؟”

قال:

“حسيت إنه كان عايز يفضل معانا.”

تبادلت هي وليلى النظرات.

ثم قالت ليلى:

“وأظن إنه كان بيحبنا.”

هنا شعرت سلمى بوخزة مؤلمة.

لأن الأطفال أحيانًا يرون ما يحاول الكبار إخفاءه.

ربتت على شعرهما.

وقالت:

“ناموا دلوقتي.”

لكن بعد أن أغمضا أعينهما…

ظلت هي مستيقظة.

تنظر إلى السقف.

وتفكر في الرجل الذي أحبته يومًا.

والرجل الذي كسر قلبها.

والرجل الذي عاد الآن يبحث عن أبنائه.

هل تغير حقًا؟

أم أن الزمن فقط جعله يندم؟

في القاهرة…

كان كريم يجلس وحده داخل مكتبه.

والملف الأسود مفتوح أمامه.

لكنه توقف عند صفحة أخيرة لم ينتبه لها من قبل.

ورقة مطوية.

مرفقة بالتقرير.

فتحها ببطء.

فوجد رسالة قصيرة بخط يد طبيب قديم.

قرأ السطر الأول.

فتجمد.

ثم قرأه مرة أخرى.

وثالثة.

لأن ما كُتب هناك…

كان كفيلًا بقلب القض..ية كلها رأسًا على عقب.

فوق التقرير مباشرة كان مكتوب:

“النتائج الأولية غير مؤكدة… ويوصى بإعادة التحاليل بعد ستة أشهر، إذ توجد احتمالية كبيرة لحدوث حمل طبيعي.”

رفع كريم رأسه ببطء.

وشعر أن الدم يغلي في عروقه.

لأن هذا يعني أن فؤاد لم يخفِ الحقيقة فقط.

بل أخفى بقية التقرير أيضًا.

التقرير الذي يثبت أن الأطباء لم يجزموا بشيء.

التقرير الذي كان سيمنعه من تطليق سلمى.

التقرير الذي كان سيبقي أسرته معًا.

قبض على الورقة بقوة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا…

اتخذ قراره.

لن يكتفي بمعرفة الحقيقة.

بل سيكشف كل شيء.

حتى لو سقطت إمبراطورية الشاذلي نفسها.

يتبع في الفصل الرابع…

الفصل الرابع: أول لقاء حقيقي

في صباح اليوم التالي، وصل كريم إلى الإسكندرية قبل موعد فتح الورشة بساعة كاملة.

لم يدخل.

لم يضغط على الجرس.

لم يتصل بسلمى.

ظل واقفًا في سيارته على الجانب الآخر من الشارع، ينظر إلى اللافتة الخشبية الصغيرة المكتوب عليها: بيت الخشب.

كان المكان بسيطًا جدًا مقارنة بعالمه.

لا رخام.

لا زجاج عازل.

لا موظفو استقبال ببدلات رسمية.

لكن خلف ذلك الباب كانت حياته الحقيقية.

الحياة التي أضاعها.

بعد دقائق، وصلت سلمى وهي تمسك يدي آدم وليلى.

كان آدم يحمل شنطة مدرسية زرقاء أكبر قليلًا من جسده.

وليلى تحمل دميتها القماشية تحت ذراعها.

نزل كريم من سيارته دون أن يشعر.

رآه آدم أولًا.

فابتسم فورًا ولوّح له بيده.

“أستاذ كريم!”

تجمد قلب كريم من الدفء.

كلمة أستاذ كانت موجعة.

لكن الابتسامة كانت نعمة.

اقترب ببطء.

نظر إلى سلمى أولًا، يستأذن بعينيه.

فهمت.

وترددت لحظة.

ثم قالت للأطفال:

“سلموا على أستاذ كريم.”

مد آدم يده بثقة.

“إزيك؟”

انحنى كريم قليلًا وصافحه.

كانت يد ابنه صغيرة ودافئة.

شعر كريم أن مصافحة واحدة عوضت شيئًا…

ثم ذكر نفسه أنها لا تعوض شيئًا.

فقط تفتح بابًا.

قال:

“أنا كويس لما شوفتك.”

ضحك آدم.

أما ليلى فظلت خلف أمها.

نظر إليها كريم بلطف.

“صباح الخير يا ليلى.”

قالت بصوت خافت:

“صباح الخير.”

ثم نظرت إلى يده.

“إنت جبت الرسمة؟”

لم يفهم فورًا.

فقال آدم بسرعة:

“هي فاكرة إنك خدت رسمة الفندق.”

أخرج كريم الرسمة من ملف كان يحمله.

كان قد وضعها في غلاف شفاف حتى لا تتلف.

قال:

“محفوظة معايا. بس لازم ترجع لصاحبها.”

اتسعت عينا آدم.

“إنت حطيتها في كيس مخصوص؟”

قال كريم:

“طبعًا. دي رسمة مهمة.”

ابتسم آدم بفخر.

أما سلمى فبقيت صامتة.

كانت ترى ما يحاول فعله.

كان يحاول الدخول برفق.

ليس بالمال.

ولا بالسلطة.

بل بالتفاصيل الصغيرة.

وهذا جعلها تخاف أكثر.

لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تكسر القلب عندما تختفي.

قال كريم:

“أنا كنت عايز أسأل مامتكم لو ينفع أزور الورشة النهارده وأشوف شغلكم.”

نظر الطفلان إلى سلمى بحماس.

قال آدم:

“ينفع يا ماما؟”

قالت ليلى:

“هو ممكن يشوف الكرسي اللي لوناه؟”

تنفست سلمى ببطء.

ثم قالت:

“نص ساعة بس. وبعدها عندكم مدرسة.”

ابتسم كريم.

“نص ساعة كفاية.”

لكن الحقيقة أن نصف ساعة معهما كانت أغلى من كل ما امتلكه.

داخل الورشة، تحولت الدقائق إلى عالم كامل.

كان آدم يتكلم كثيرًا.

عن المدرسة.

عن الرسم.

عن أنه يريد أن يبني فندقًا فيه غرفة ألعاب في كل دور.

أما ليلى فكانت هادئة، لكنها تراقب كريم بعينين ذكيتين.

كلما قال شيئًا لطيفًا، اقتربت خطوة.

وكلما سكت طويلًا، ابتعدت قليلًا.

لاحظ كريم ذلك.

فلم يضغط عليها.

لم يمد يده.

لم يحاول حملها.

لم يقل لها “تعالي”.

فقط ترك لها المسافة التي تطمئنها.

وقفت سلمى عند المكتب، تراقب المشهد بعين أم لا تنام.

كان كريم مختلفًا.

أو يحاول أن يكون.

لكنها لم تنسَ أن كل شخص يمكنه أن يبدو طيبًا لمدة نصف ساعة.

المهم…

ما الذي يحدث عندما يصبح الحضور مسؤولية يومية؟

اقترب آدم من كريم وهو يحمل قطعة خشب صغيرة.

“إنت تعرف تصلح دي؟”

أخذ كريم القطعة.

نظر إليها بجدية مبالغ فيها.

“مممم… دي محتاجة خبير.”

قال آدم بفخر:

“ماما خبيرة.”

نظر كريم إلى سلمى.

وقال بهدوء:

“عارف.”

تلاقت عيناهما لحظة.

كانت كلمة بسيطة.

لكنها حملت اعترافًا لم يقله من قبل.

أنه يعرف الآن قيمتها.

وأنها لم تكن يومًا المرأة الضعيفة التي صورتها له عائلته.

قالت سلمى بسرعة:

“يلا يا أولاد، المدرسة.”

اعترض آدم:

“بس لسه بدري.”

قالت:

“لأ، مش بدري.”

اقترب كريم من الباب.

“ممكن أوصلكم؟”

جاء الرد سريعًا من سلمى:

“لأ.”

سكت.

هز رأسه.

“تمام.”

شعر آدم بخيبة صغيرة.

“إنت مش جاي؟”

ابتسم كريم بصعوبة.

“هشوفك قريب.”

قال آدم:

“وعد؟”

تجمد كريم.

كلمة وعد أصبحت خطيرة.

كان قد أعطاها كثيرًا في الماضي وكسرها.

لذلك قال بهدوء:

“هحاول أكون قد الكلمة.”

لم يفهم آدم الفرق.

لكن سلمى فهمت.

ونظرت إليه نظرة مختلفة للحظة.

بعد خروج الأطفال، عادت سلمى إلى الورشة.

كان كريم ما زال واقفًا في الداخل.

قالت:

“قلت نص ساعة.”

قال:

“عارف. كنت مستني أتكلم معاكي.”

أغلقت الباب خلفها.

“اتكلم.”

أخرج كريم ملفًا من حقيبته.

ووضعه على مكتبها.

نظرت إليه بحذر.

“إيه ده؟”

قال:

“الحقيقة اللي اتخبت عني.”

لم تمد يدها.

فقال:

“تقرير طبي قديم. عمي استخدمه علشان يقنعني إن المشكلة منك. بس الحقيقة إن التقرير كان بيقول إن المشكلة عندي أنا… وإنها مش مؤكدة.”

تغير وجه سلمى.

ليس شماتة.

ولا انتصار.

بل ألم.

ألم لأنها تذكرت سنوات اتهامها.

همسات العائلة.

نظرات الشفقة.

كلمات فؤاد الباردة.

“واحدة مش قادرة تخلف.”

جلست ببطء.

وفتحت الملف.

قرأت.

كانت عيناها تتحركان فوق السطور.

ثم توقفت عند الجملة الأخيرة.

النتائج الأولية غير مؤكدة.

أغلقت عينيها.

ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة.

“يعني كل ده…”

لم تكمل.

قال كريم:

“كان ظلم.”

فتحت عينيها.

“كان قتل يا كريم. مش ظلم.”

خفض رأسه.

قالت:

“إنت عارف يعني إيه ست سنين وأنا شايلة تهمة مش بتاعتي؟ حتى بعد ما خلفت، فضلت خايفة حد يقول إني كذبت أو نسبت لك أطفال مش ولادك.”

قال بسرعة:

“أنا هثبت نسبهم رسميًا.”

نظرت إليه بحدة.

“هما مش محتاجين إثبات منك علشان يبقوا ولادك.”

قال:

“عارف. قصدي أحميهم قانونيًا.”

قالت:

“تحميهم من مين؟”

سكت.

فقالت هي:

“من عيلتك؟”

قال بصدق:

“أيوه.”

مالت للخلف في كرسيها.

“إنت متخيل إنك تقدر توقف فؤاد؟”

قال كريم:

“لازم.”

قالت:

“فؤاد مش هيحاربك بس. هيحاربني أنا كمان. وهيستخدم الأطفال.”

اشتد وجه كريم.

“مش هسمح.”

ابتسمت بحزن.

“الجملة دي سمعتها منك زمان.”

تألم.

“عارف.”

قالت:

“ما تقولش مش هسمح. قول هتعمل إيه.”

كان هذا أول اختبار حقيقي.

لم تكن تريد وعودًا.

كانت تريد أفعالًا.

فتح كريم حقيبته وأخرج أوراقًا أخرى.

“أولًا، هعزل فؤاد من إدارة حساباتي الشخصية وشركاتي الخاصة. ثانيًا، هكلف محامي مستقل بعيد عن العائلة بمراجعة كل المستندات القديمة. ثالثًا، هعمل صندوق ائتماني باسم آدم وليلى، تحت إشراف قانوني ما يقدرش حد من عيلتي يلمسه. رابعًا، أي خطوة تخص الأطفال مش هتتم غير بموافقتك.”

نظرت إليه طويلًا.

كان الكلام مختلفًا عن الندم العاطفي.

كان محددًا.

عمليًا.

ومع ذلك، لم يكن كافيًا لتسليم قلبها.

قالت:

“والأهم؟”

سأل:

“إيه؟”

قالت:

“هتقول لهم الحقيقة إمتى؟”

صمت.

هذه النقطة كانت تؤلمه أكثر من أي معركة قانونية.

قال:

“لما تقولي إنهم مستعدين.”

قالت:

“مش أنا بس اللي أقرر. لازم مختص أطفال يساعدنا.”

هز رأسه فورًا.

“موافق.”

قالت:

“من غير ضغط. من غير هدايا غالية. من غير محاولة شراء حبهم.”

قال:

“موافق.”

قالت:

“ولو في يوم قالوا إنهم مش عايزين يشوفوك؟”

توقف.

ظهر الألم في عينيه.

لكنه قال:

“هستنى.”

لأول مرة، شعرت سلمى أن إجابته لم تكن مجرد كلام.

في المساء، عاد كريم إلى القاهرة.

لكن هذه المرة لم يذهب إلى الفيلا.

ذهب إلى مكتب المحامي حسام، محامي العائلة القديم.

استقبله حسام بارتباك واضح.

“أستاذ كريم، كنت أتمنى تبلغني إنك جاي.”

قال كريم:

“علشان تلحق تخبي الملفات؟”

شحب وجه الرجل.

“حضرتك تقصد إيه؟”

جلس كريم أمامه.

ووضع الملف الأسود على المكتب.

“أقصد إنك كنت عارف إن سلمى حامل.”

ابتلع حسام ريقه.

“أنا… أنا كنت مجرد منفذ تعليمات.”

قال كريم:

“تعليمات مين؟”

سكت.

قال كريم ببرود:

“فؤاد؟”

لم يرد.

قال كريم:

“كويس. سكوتك إجابة.”

حاول حسام التماسك.

“أستاذ كريم، الموضوع قديم. وفتحه دلوقتي ممكن يضر الكل.”

اقترب كريم بجسده للأمام.

“الكل مين؟ اللي كذبوا؟ ولا الطفلين اللي اتسرق منهم أبوهم؟”

قال حسام:

“أنا عندي أسرة.”

قال كريم:

“وسلمى كان عندها أسرة واتكسرت بسببكوا.”

ارتجف صوت حسام:

“أنا ما كنتش أعرف إن الأطفال طلعوا فعلًا…”

قاطعه كريم:

“كفاية.”

ثم أخرج ورقة.

“من النهارده، أنت موقوف عن أي تعامل يخصني. وكل توكيلاتي معاك ملغية. ولو خلال أربع وعشرين ساعة ما سلمتش كل ملف يخص سلمى والطلاق والحمل، هقدم بلاغ رسمي.”

نهض حسام مذعورًا.

“بلاغ؟”

قال كريم:

“تزوير، إخفاء مستندات، تواطؤ، تهديد. اختار العنوان اللي يعجبك.”

لم ينتظر ردًا.

خرج.

وكان يعرف أن أول حجر في بيت الأكاذيب بدأ يتحرك.

في الفيلا، كانت ياسمين تنتظره.

هذه المرة لم تكن تبكي.

كانت جالسة في الصالون بملابس رسمية، كأنها تستعد لمعركة.

قالت عندما دخل:

“كنت عندها؟”

نظر إليها ببرود.

“أيوه.”

اهتز فمها.

“وشفت الأولاد؟”

“أيوه.”

ضحكت بمرارة.

“وبسهولة كده خلاص؟ رجعت العيلة القديمة؟”

قال بهدوء:

“مافيش حاجة سهلة.”

وقفت.

“وأنا؟”

نظر إليها.

لأول مرة لم يجد في السؤال أي ألم يخصه.

قال:

“إنتِ اختارتي مكانك يوم ما عرفتي الحقيقة وسكتي.”

قالت بعصبية:

“أنا مراتك.”

قال:

“على الورق.”

تجمدت.

قالت:

“يعني هتطلقني؟”

لم يجب فورًا.

ثم قال:

“هندخل في إجراءات هادئة. من غير فضايح لو تعاونتي.”

ضحكت بصوت مرتفع.

“فضايح؟ إنت خايف على سمعتها؟”

اقترب منها خطوة.

“أنا خايف على ولادي.”

قالت بحدة:

“ولادك؟ إنت متأكد؟”

ساد صمت قاتل.

لم تكن قد قصدت فقط الشك.

كانت تحاول جرحه من المكان الذي عرفته جيدًا.

لكن كريم لم ينفجر.

بل نظر إليها باحتقار هادئ.

وقال:

“حتى لو محتاجين تحليل، مش لأنك قلتي. لأن ده حقهم القانوني. لكن في قلبي، هم ولادي من أول لحظة شفتهم فيها.”

تراجعت ياسمين خطوة.

لأنها فهمت.

لم تعد تملك سلا..حًا يؤلمه كما كانت تظن.

قالت بصوت منخفض:

“فؤاد مش هيسيبك.”

قال:

“عارف.”

قالت:

“وإنت متعرفش هو مخبي إيه.”

اقتربت منه.

وكان في عينيها شيء غريب.

خوف حقيقي.

قالت:

“كريم… فؤاد مش بس كان عايز يبعد سلمى. هو كان عايز يبعد أي وريث حقيقي ليك.”

ضاقت عيناه.

“يعني إيه؟”

سكتت.

ثم قالت:

“اسأل نفسك… لو كان عندك أولاد، مين كان هيخسر؟”

ظل ينظر إليها.

وفجأة بدأت قطع كثيرة تتجمع.

فؤاد يدير الحسابات.

فؤاد يتحكم في الاستثمارات.

فؤاد يرفض وجود وريث.

فؤاد يخفي التقارير.

فؤاد يطرد سلمى.

لم يكن الأمر عن سمعة العائلة فقط.

كان عن السيطرة.

سأل كريم ببطء:

“هو سرقني؟”

لم تجب.

لكن وجهها قال نعم.

قالت:

“أنا هتكلم… بس عايزة حماية.”

ضحك كريم بمرارة.

“بعد كل اللي عملتيه، جاية تطلبي مني أحميكي؟”

قالت:

“أنا معايا مستندات.”

توقف.

قالت بسرعة:

“تحويلات. حسابات خارجية. عقود باسم شركات وهمية. فؤاد كان بياخد من كل مشروع نسبة من وراك. وأنا سكت، لأني كنت مستفيدة. بس دلوقتي هو هيخلص مني زي ما هيخلص منك.”

نظر إليها طويلًا.

قال:

“هاتِ المستندات.”

قالت:

“أضمن إيه؟”

قال:

“تضمني إن الحقيقة لما تطلع، كل واحد هيتحاسب على قد جريمته.”

قالت بخوف:

“حتى أنا؟”

قال ببرود:

“خصوصًا أنتِ.”

في اليوم التالي، كان فؤاد في مكتبه حين دخل عليه أحد رجاله بسرعة.

“يا فندم، أستاذ كريم لغى توكيلات الأستاذ حسام، وطلب مراجعة حسابات مستقلة.”

لم يتغير وجه فؤاد.

لكن يده توقفت فوق القلم.

قال:

“وياسمين؟”

“لسه في الفيلا.”

قال فؤاد:

“راقبوها.”

ثم أضاف:

“وسلمى؟”

“في الإسكندرية.”

ابتسم فؤاد.

“الأم هي نقطة ضعفه الجديدة.”

قال الرجل:

“نعمل إيه؟”

نظر فؤاد من النافذة.

وقال بهدوء:

“ما حدش يلمس الأطفال. ده هيقلب كريم لوحش.”

ثم استدار.

“لكن الورشة… ممكن تحصل فيها مشكلة بسيطة.”

في الإسكندرية، كانت سلمى تغلق الورشة متأخرة.

الأطفال مع جارتها في الشقة أعلاه.

كانت تجمع بعض الأدوات حين سمعت صوت زجاج يتحطم.

تجمدت.

ثم جاء صوت اشتعال سريع من الخلف.

رائحة دخان.

ركضت نحو المخزن.

فرأت نارًا صغيرة تلتهم ستائر قماش وقطع خشب جافة.

صرخت:

“يا نهار أبيض!”

حاولت إطفاءها بطفاية الحريق، لكن النار انتشرت أسرع مما توقعت.

الدخان ملأ المكان.

سعلت بقوة.

حاولت الخروج، لكنها سمعت صوتًا من الداخل.

قطة صغيرة كانت عالقة قرب النافذة الخلفية، تصرخ.

ترددت لحظة.

ثم ركضت نحوها.

أمسكتها.

لكن السقف الخشبي القديم أطلق صوتًا مخيفًا.

وفي الخارج، كان الناس يصرخون.

“في حريقة!”

“حد يتصل بالمطافي!”

وصل كريم إلى الشارع في تلك اللحظة.

كان قد جاء دون موعد، يحمل كتب تلوين للأطفال، مترددًا في الصعود أو الرحيل.

فرأى الدخان.

ورأى اللافتة.

بيت الخشب يحترق.

تجمد لثانية.

ثم ركض.

صرخ أحدهم:

“ما تدخلش! في نار!”

لكنه لم يسمع.

كان كل ما في عقله:

سلمى.

الأطفال.

حياته التي كادت تُسرق مرة أخرى.

دخل وسط الدخان وهو يصرخ:

“سلمى!”

جاءه صوتها ضعيفًا من الخلف.

“كريم!”

ركض نحو الصوت.

وجدها قرب المخزن، تحمل القطة الصغيرة، وتسعل بعنف.

خلع سترته ووضعها حولها.

“إنتِ مجنونة؟”

قالت بصعوبة:

“الباب… الدخان…”

أمسك يدها.

“تعالي.”

لكن قبل أن يتحركا، سقط رف خشبي مشتعل أمام الممر.

تراجعت سلمى وهي تصرخ.

شدها كريم إلى صدره، ودار بجسده ليحميها من الشرر.

احترق طرف قميصه، لكنه لم يهتم.

قال:

“بصي لي.”

كانت تسعل ودموعها تنزل من الدخان.

قال بقوة:

“بصي لي يا سلمى. هنخرج.”

هزت رأسها.

قادها من ممر جانبي قديم كان يتذكره من زياراته الأولى للورشة قبل سنوات.

لم تصدق أنه ما زال يتذكر.

دفع الباب الخلفي بكتفه.

مرة.

مرتين.

حتى انفتح.

خرجا إلى الزقاق الخلفي.

وقعت سلمى على ركبتيها تسعل.

واندفع كريم بجوارها.

بعد ثوانٍ، وصلت سيارات الإطفاء.

وصوت الناس ملأ الشارع.

لكن كريم لم يرَ سوى وجهها الشاحب.

أمسك كتفيها.

“إنتِ كويسة؟”

قالت وهي تحاول التنفس:

“الأولاد…”

قال بسرعة:

“فوق؟”

هزت رأسها.

ركض إلى مدخل العمارة.

صعد الدرج كأنه يطير.

طرق باب الجارة بعنف.

فتحت امرأة مسنة مذعورة.

“الأولاد فين؟”

ظهر آدم خلفها يبكي.

“ماما!”

وركضت ليلى خلفه.

انحنى كريم واحتضنهما دون تفكير.

لأول مرة.

لم يطلب إذنًا.

لم يستطع.

كان الخوف أقوى من كل اتفاق.

التصق الطفلان به وهما يرتجفان.

قال آدم:

“ماما فين؟”

قال كريم بصوت مكسور:

“ماما كويسة. أنا جايبكم لها.”

حمل ليلى بيده، وأمسك آدم بالأخرى.

ونزل بهما.

عندما رأت سلمى الطفلين، مدت ذراعيها فورًا.

ركضا إليها.

احتضنتهم بقوة.

وبكى الثلاثة معًا.

وقف كريم على بعد خطوة.

يحترم المسافة.

لكن ليلى التفتت فجأة ومدت يدها الصغيرة نحوه.

“تعالى.”

تجمد.

نظر إلى سلمى.

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.

لم تقل نعم.

ولم تقل لا.

فقط تركت يد ليلى معلقة.

اقترب كريم ببطء.

جلس على الأرض أمامهم.

فمد آدم ذراعه أيضًا.

وفي لحظة واحدة، وجد كريم نفسه داخل حضن صغير مرتبك.

حضن لم يكن كاملًا.

ولا مفهومًا.

ولا معلنًا.

لكنه كان أول حضن من طفليه.

أغمض عينيه.

ولأول مرة منذ ست سنوات…

بكى كريم الشاذلي دون أن يحاول إخفاء دموعه.

وفي الناحية الأخرى من الشارع، وسط الزحام، كان رجل يرتدي قبعة سوداء يراقب المشهد.

أخرج هاتفه.

واتصل برقم واحد.

قال بهدوء:

“الحريقة ما جابتش نتيجة. بالعكس… قربتهم من بعض.”

جاء صوت فؤاد من الطرف الآخر باردًا:

“إذن نغيّر الخطة.”

وسأل الرجل:

“للأطفال؟”

سكت فؤاد لحظة.

ثم قال:

“لا. للأطفال لا.”

ثم أضاف بصوت أخفض:

“هاتوا لي ياسمين قبل ما تتكلم.”

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *