زوجتي الهاربه حكايات اسما×5
الفصل التاسع: الشقة الفاضية
جرى سيف ناحية العمارة بأقصى سرعة.
طلع السلم درجتين درجتين.
قلبه كان بيدق بعنف.
لأول مرة من سنين…
ما كانش خايف على نفسه.
كان خايف يوصل متأخر.
وصل للدور التاني.
باب الشقة كان مفتوح فعلًا.
دخل وهو بينادي:
“سارة!”
مفيش رد.
كررها بصوت أعلى:
“سارة!”
الهدوء كان مرعب.
لف بعينيه في الأوضة.
السرير مرتب.
شنطة صغيرة مفتوحة.
كوباية شاي لسه دافية.
يعني اللي كان هنا… خرج من دقايق.
فجأة سمع صوت حركة جاية من المطبخ.
لف بسرعة.
ورفع أول حاجة وقعت في إيده يدافع بيها عن نفسه.
لكن اللي خرج كان عم راضي.
العجوز كان وشه شاحب، وإيده بترتعش.
أول ما شاف سيف قال:
“أخيرًا وصلت.”
قرب منه سيف بسرعة.
“هي فين؟”
تنهد الراجل.
“خدّوها.”
اتسمرت ملامح سيف.
“مين؟”
“تلاتة رجال ملثمين.”
“دخلوا بعد ما سمعنا صوت الضرب تحت.”
“كان واضح إنهم مستنيين اللحظة دي.”
قبض سيف على حافة الترابيزة بقوة.
“قاومت؟”
ابتسم عم راضي بحزن.
“البنت دي أشجع مما تتخيل.”
…
قبل عشر دقائق…
لما دوّت الطلقة في الشارع…
سارة فتحت الباب تنادي على عم راضي.
في نفس اللحظة…
اندفع تلاتة رجال من آخر السلم.
واحد منهم حط منديل على وشها.
لكنها عضت إيده بكل قوتها.
التاني حاول يمسكها.
ضربته بفازة ورد على دماغه.
وقع على الأرض وهو بيشتم.
صرخت بكل صوتها:
“سيبوني!”
لكن التالت كان أقوى.
شدها ناحية السلم.
وفجأة…
قالت وهي بتحاول تفلت منهم:
“أنا حامل!”
الرجال بصوا لبعض.
أكبرهم قال بغضب:
“إوعوا تقربوا من بطنها.”
الجملة دي خلت سارة تعرف…
إنهم مش جايين يق*تلوها.
هم جايين علشان الطفل.
…
رجع سيف للحاضر.
بص لعم راضي.
“شافوا وشهم؟”
هز راسه.
“لأ… لكن العربية كانت من غير نمر.”
“سابوا حاجة؟”
سكت العجوز ثواني.
ثم مد إيده تحت الكنبة.
طلع ظرف أبيض.
“واحد منهم وقع منه وهو بيجري.”
فتح سيف الظرف بسرعة.
كان جواه صورة قديمة.
صورة لسيف وهو طفل عنده حوالي عشر سنين.
واقف جنب أبوه.
وخلفهم راجل تالت.
وشه متعلم بعلامة حمرا على شكل ×.
اتغير لون وش سيف.
همس:
“مستحيل…”
رفع عم راضي عينه.
“تعرفه؟”
رد بصوت منخفض:
“ده شريك أبويا القديم.”
“الكل قال إنه مات من عشرين سنة.”
وفي ظهر الصورة…
كان مكتوب بخط اليد:
“الديون القديمة… بيدفعها الأحفاد.”
…
في نفس الوقت…
كانت سارة بتفتح عينيها ببطء.
راسها كانت بتوجعها.
حاولت تتحرك.
اكتشفت إن إيديها مش متربطة.
لكن باب الأوضة الحديد مقفول.
قامت بالعافية.
بصت حواليها.
مخزن قديم.
ريحة تراب.
وشباك صغير جدًا.
وفجأة…
سمعت صوت باب بيتفتح.
دخل راجل كبير في السن.
شعره كله أبيض.
لكن نظرته كانت حادة.
قعد قدامها على كرسي.
وقال بهدوء غريب:
“متخافيش يا بنتي.”
ردت بعصبية:
“إنتوا عايزين مني إيه؟”
ابتسم ابتسامة باردة.
“إحنا مش عايزين منك.”
وسكت لحظة وهو يبص على بطنها.
“إحنا عايزين الوريث.”
حطت إيديها على بطنها بغريزة.
وتراجعت لورا.
قال بصوت هادئ:
“ابنك… هو آخر قطعة ناقصة في اللعبة.”
وفي اللحظة نفسها…
كان سيف الحديدي خارج من الشقة، ماسك الصورة القديمة بقبضة قوية.
ونطق باسم ما قالوش من سنين:
“فؤاد المنشاوي…”
“يبقى أنت عايش…”
“وأخيرًا ظهرت.”
الفصل العاشر: الرجل الذي عاد من الموت
خرج سيف الحديدي من العمارة وعينه ما فارقتش الصورة القديمة.
اسم واحد كان بيلف في دماغه.
فؤاد المنشاوي.
الراجل اللي كل الناس كانت فاكرة إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
لكن سيف كان عارف الحقيقة.
أبوه عمره ما شاف ج*ثته.
كل اللي حصل وقتها إن فؤاد اختفى بعد انفجار مخزن تابع للشركة القديمة، واتقفل الملف على إنه مات.
همس سيف لنفسه:
“كنت عارف إنك لو عايش… هترجع في يوم.”
رفع تليفونه واتصل بمدير الأمن.
“اقفلوا كل مخارج المدينة.”
“يا فندم، حصل إيه؟”
“لقيت الشخص اللي بيلعب معانا.”
“مين؟”
سكت سيف لحظة.
ثم قال:
“فؤاد المنشاوي.”
ساد صمت طويل على الطرف التاني.
“مستحيل…”
“أنا كمان كنت فاكر كده.”
…
في نفس الوقت…
كانت سارة قاعدة على الأرض داخل المخزن.
الخوف كان مالي قلبها.
لكن خوفها على الطفل كان أكبر من خوفها على نفسها.
دخل فؤاد مرة تانية.
شايل صينية عليها أكل وكوباية لبن.
حطهم قدامها.
“كلي.”
بصتله بغضب.
“مش هاكل.”
ابتسم بهدوء.
“لازم تاكلي.”
“البيبي ملوش ذنب.”
شهقت.
“إنت عرفت؟”
رد بثقة:
“أنا عرفت إنك حامل قبل سيف نفسه.”
اتسعت عينيها.
“إزاي؟”
قعد قدامها وقال:
“لأن الفندق اللي كان فيه الحفل… فيه ناس شغالة معايا.”
“ومن أول ما دخلتي الصيدلية وأنا بتابعك.”
حست بقشعريرة سرت في جسمها.
يعني…
كل خطوة عملتها بعد الاختبار كانت تحت المراقبة.
…
قالت بصوت مرتعش:
“إنت عايز ابني ليه؟”
ابتسم ابتسامة غريبة.
“علشان هو مفتاح كل حاجة.”
“مش فاهمة.”
“هتفهمي قريب.”
قام ومشى ناحية الباب.
وقبل ما يخرج قال:
“بس صدقيني…”
“أنا مش أخطر واحد في الحكاية.”
وقف لحظة.
“الأخطر… لسه ما ظهرش.”
وأغلق الباب.
…
في القاهرة…
كان مدير الأمن قد جمع كل الملفات القديمة الخاصة بشركة الحديدي.
ملفات اتقفلت من سنين.
عقود.
شراكات.
قضايا.
وفجأة…
لفت نظره ملف أصفر مكتوب عليه:
سري للغاية.
فتحه.
وفي أول صفحة كانت صورة لفؤاد المنشاوي.
لكن اللي جمّد الدم في عروقه…
إن الصورة ما كانتش لوحده.
كان واقف جنب والد سيف…
وجنب راجل ثالث.
وش الراجل الثالث كان متغطّي بالحبر الأسود، كأن حد تعمد يخفي هويته.
تحت الصورة كان مكتوب بخط قديم:
“اتفاق الشركاء الثلاثة.”
رفع مدير الأمن سماعة الهاتف بسرعة.
“يا فندم… لازم ترجع القاهرة حالًا.”
“ليه؟”
“لأن واضح إن فؤاد ما كانش لوحده.”
“كان فيه شريك تالت.”
…
أما سيف…
فكان واقف عند مدخل مخزن مهجور خارج المدينة.
أحد رجاله لقى آثار إطارات سيارات حديثة.
وآثار حذاء نسائي صغير.
نزل على ركبته.
ولمس الأرض.
ثم لقى شيئًا لامعًا بين التراب.
التقطه ببطء.
كان خاتمًا فضيًا بسيطًا.
هو نفسه الخاتم اللي سيف اشتراه لسارة في عيد ميلادها، وكانت بترفض تلبس أي مجوهرات غالية غيره.
قبض عليه بقوة.
وابتسم لأول مرة منذ اختفائها.
وقال بثقة:
“إنتِ كنتِ هنا.”
ثم رفع رأسه ناحية المخزن المظلم.
لكن قبل ما يخطو خطوة واحدة…
انفجر المكان من الداخل بصوت هائل، واندفعت ألسنة اللهب إلى السماء، بينما قذفت قوة الانفجار سيف عدة أمتار إلى الخلف.
وفي وسط الدخان…
ظهر ظل رجل يقف بعيدًا، يراقب المشهد دون أن يتحرك.
ثم استدار واختفى في الظلام، وكأنه كان يريد أن يبعث برسالة واحدة فقط:
اللعبة بدأت فعلًا.
الفصل الحادي عشر: الرسالة تحت الرماد
صوت الانفجار دوّى في المنطقة كلها.
اتحول الليل إلى لون برتقالي من شدة اللهب.
رجال الأمن جَروا ناحية سيف.
“سيف باشا!”
كان واقع على الأرض، ووشه مليان تراب، وجبهته بتنزل منها نقطة دم.
فتح عينه بالعافية.
أول كلمة قالها كانت:
“ادخلوا… فتشوا.”
حاولوا يمنعوه يقف.
لكنه زق إيديهم.
“قلت فتشوا!”
دخلت فرق الإنقاذ المخزن بعد ما النار بدأت تهدى.
كل حاجة تقريبًا اتحولت لرماد.
صناديق خشب محروقة.
حديد متني.
وجدران متشققة.
لكن أحد الضباط نادى من جوه:
“يا فندم… لقينا حاجة.”
دخل سيف بنفسه.
كان الضابط ماسك علبة معدنية صغيرة.
واضح إنها كانت مقاومة للحريق.
فتحها بحذر.
ما كانش جواها فلوس.
ولا مستندات.
كان فيها ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط واضح:
“أنت دايمًا متأخر خطوة.”
وتحتها…
صورة حديثة لسارة.
لابسة نفس الفستان اللي كانت شغالة بيه في محل الورد.
الصورة متصورة من بعيد.
يعني…
حد كان بيراقبها حتى بعد ما هربت.
قلب سيف الصورة.
كان مكتوب على الضهر:
“لو عايز تشوفها تاني… افتكر اللي عمله أبوك.”
اتجمد مكانه.
همس:
“أبويا؟”
…
في نفس الوقت…
كانت سارة قاعدة في الغرفة المقفولة.
حاولت تفتح الشباك.
لكن كان ضيق جدًا.
وفجأة سمعت صوت مفتاح.
الباب اتفتح.
لكن اللي دخل ما كانش فؤاد.
كانت ست كبيرة في السن.
لابسة جلابية بسيطة.
وشها هادي.
وشايلة صينية أكل.
ابتسمت وقالت:
“كلي يا بنتي.”
بصتلها سارة بحذر.
“إنتِ مين؟”
“اسمي أمينة.”
حطت الأكل قدامها.
“أنا شغالة هنا من سنين.”
سألتها سارة بسرعة:
“فين أنا؟”
هزت الست رأسها.
“الأفضل ما تعرفيش.”
“ليه؟”
“علشان لو عرفتي… هتحاولي تهربي.”
سكتت لحظة.
ثم قربت منها وهمست:
“بس اعرفي حاجة واحدة…”
“في ناس هنا مش موافقة على اللي بيحصل.”
رفعت سارة عينيها.
“يعني إيه؟”
قبل ما ترد…
اتسمع صوت خطوات في الممر.
رجعت أمينة لطبيعتها بسرعة.
وأخدت الصينية الفاضية وخرجت.
لكن قبل ما تقفل الباب…
وقعت ورقة صغيرة على الأرض كأنها بالغلط.
…
استنت سارة دقيقة كاملة.
لما اتأكدت إن محدش موجود…
التقطت الورقة.
فتحتها.
كان مكتوب فيها سطر واحد:
“ما تثقيش في فؤاد… لكنه مش اللي أصدر الأمر.”
حست بقلبها يدق بقوة.
يبقى في حد تاني.
حد أكبر.
حد هو اللي بيحرك كل الناس.
…
في القاهرة…
رجع مدير الأمن يراجع ملفات الشركة القديمة.
وفجأة لقى تسجيل اجتماع من خمسة وعشرين سنة.
الصوت كان مشوش.
لكن بعد تنقيته…
ظهر صوت والد سيف بوضوح وهو بيقول:
“الاتفاق انتهى… وكل واحد ياخد طريقه.”
وبعدين…
صوت راجل تاني قال:
“اللي يخرج من الاتفاق… يخسر كل حاجة.”
ثم انقطع التسجيل فجأة.
رفع مدير الأمن سماعة التليفون واتصل بسيف.
“يا فندم…”
“وصلنا لأول دليل إن كان فيه شريك ثالث فعلًا.”
رد سيف بسرعة:
“عرفتوا مين؟”
“لسه.”
“بس في حد كان بيمولهم كلهم.”
…
في مكان مجهول…
دخل فؤاد غرفة كبيرة.
كان فيها كرسي واحد.
ورجل قاعد وظهره للباب.
ما بانش غير شعره الأبيض وعصاية خشب فاخرة في إيده.
وقف فؤاد باحترام.
“نفذنا أول مرحلة.”
الرجل رد من غير ما يلف:
“وسيف؟”
“قرب.”
“والبنت؟”
“في أمان.”
سكت الرجل لحظة.
ثم قال بهدوء:
“خليه يقرب أكتر.”
“كل ما افتكر الماضي…”
“هيبقى أسهل أكسره.”
وفجأة…
رن هاتف فؤاد.
بص للشاشة.
اتغيرت ملامحه لأول مرة.
رفع عينه للرجل وقال بقلق:
“في مشكلة…”
“سارة اختفت من الأوضة.”
ساد صمت ثقيل.
ثم وقف الرجل ببطء…
ولأول مرة ظهر جزء من وجهه في انعكاس زجاج النافذة.
ندبة طويلة كانت ممتدة من صدغه حتى رقبته.
وابتسم ابتسامة باردة وهو يقول:
“إذن… اللعبة دخلت مرحلتها الأخطر.”