بالغلط حكـايـات أسمـا ×4

الانفجار هز المخزن كله كأن الأرض نفسها اتفتحت تحت رجليهم، والزجاج اللي حوالين المكتب اتكسر في لحظة واحدة وتناثر في الهوا زي مطر حاد بيلمع في ضوء النار اللي دخل من آخر المكان، وليلى مالقتش نفسها غير وهي بتقع على الأرض وآدم واقع فوقها، جسمه حاوطها قبل ما عقلها يستوعب إن في حاجة ضخمة انفجرت بره المكتب، ريحة البارود والدخان دخلت صدرها وخنقتها، وصوت الصريخ والركض والحديد اللي بيقع على الأرض كان عالي لدرجة إنها حست إن ودانها اتقفلت، حاولت تتحرك بس آدم ضغط بإيده على كتفها وقال بصوت حاد قريب من ودنها: ما تتحركيش، خدي نفسك بس، خدي نفسك يا ليلى، لكن هي ماكانتش عارفة تاخد نفسها، كانت شايفة الضلمة والنار والدخان وكل حاجة بتلف حواليها، وقالت وهي بتسعل: أنا هموت؟ فبصلها في وسط الفوضى بنظرة غريبة، نظرة غضب وخوف مع بعض، وقال: لأ، طول ما أنا هنا مش هتموتي. الجملة المفروض تطمنها، لكنها خوفتها أكتر، لأن صوته ماكانش صوت راجل بيجامل، كان صوت راجل قرر يدخل حرب لوحده علشان يمنع الجملة دي تحصل. آدم رفع راسه بسرعة وبص من خلال بقايا الإزاز المكسور، رجالة كتير كانوا بيجروا في المخزن، وفيه نار ماسكة في صف صناديق معدنية، وصوت رصاص بدأ يتخلط مع صوت الإنذار الداخلي اللي اشتغل فجأة، وليلى حست إن قلبها هيقف لما شافت راجل ملثم بيجري ناحية السلم المعدني اللي طالع للمكتب، مسكت في قميص آدم من غير ما تحس وقالت: في حد جاي، آدم ما بصش وراها حتى، رفع مسدسه وضرب طلقة واحدة، الطلقة خبطت في ماسورة فوق راس الراجل فالشرر نزل عليه، والراجل وقع على السلم وهو بيصرخ، وليلى شهقت ورجعت وشها في صدر آدم وهي مش قادرة تصدق إن حياتها اللي كانت كلها أرقام وفواتير وقطة اسمها سمسم اتحولت في ليلة واحدة لمخزن بينفجر ورجالة ملثمين ورصاص. آدم قام بسرعة وشدها معاه من إيدها، كانت رجلها بتتخبط في قطع الزجاج، فخلع الجاكيت بتاعه ورماه على كتفها وقال: امشي ورايا، قالت بصوت مبحوح: فين؟ رد وهو بيفتح باب جانبي صغير في المكتب: نخرج من الممر الخلفي، قالت: والرجالة اللي تحت؟ قال: اللي يقدر يقوم هيقوم، واللي خان هيتحاسب بعدين. كلمة خان وقعت في ودنها كأنها مفتاح، بصتله بسرعة وقالت: أنت فاكر إن حد من رجالتك عملها؟ آدم نزل معاها في ممر حديد ضيق ووشه بقى حجر، قال: محدش يدخل المكان ده غير بإذن، والانفجار حصل من جوه، يعني آه، في حد باعنا. ليلى اتكعبلت وهو شدها قبل ما تقع، لكن وهي ماسكة دراعه لاحظت نقطة دم نازلة من جنبه على القميص الأسود، شهقت وقالت: أنت بتنزل دم، آدم ماوقفش، قال: خدش، قالت بعصبية وسط الرعب: خدش؟ ده قميصك كله بقى دم! قال: ليلى، لو وقفنا نموت. سكتت غصب عنها وكملت وراه في ممر طويل ريحته رطوبة وحديد سخن، كل خطوة كانت بتبعدها عن المخزن وبتدخلها أعمق في عالم آدم، عالم فيه أبواب سرية وكاميرات مخفية ورجالة ممكن تموت بكلمة، لكنها في نفس الوقت كانت حاسة إن الخطر مش بس بره، الخطر بقى جواها كمان، لأن جزء غبي منها كان قلقان عليه بجد. في آخر الممر كان فيه باب حديد تقيل، آدم دخّل كود بسرعة، الباب اتفتح على جراج صغير فيه عربيتين، واحدة قديمة شكلها عادي، والتانية دفع رباعي سودا من غير لوحات، وقبل ما يوصلوا للعربية سمعوا صوت خطوات وراهم، آدم زق ليلى ورا عمود خرساني ورفع سلاحه، لكن الصوت اللي جه كان صوت مراد وهو بيجري وهو ماسك دراعه المصاب، قال: آدم بيه، اتأكدنا، حد فصل كاميرات الجهة الشرقية قبل الانفجار بدقيقتين. آدم سأله من غير مقدمات: مين آخر واحد كان في غرفة التحكم؟ مراد سكت لحظة، واللحظة دي كانت كفاية تخلي ليلى تفهم إن الإجابة وحشة. آدم قرب منه وقال بصوت أوطى من اللازم: مين يا مراد؟ مراد بلع ريقه وقال: حسام. آدم اتجمد ثانية واحدة. ليلى ماكانتش تعرف حسام، بس من وش آدم فهمت إن الاسم مش عادي. قالت بحذر: مين حسام؟ مراد بص لها وبعدين بص لآدم، لكن آدم هو اللي رد: ابن خالي. ليلى حسّت ببرودة تعدي في ضهرها. الخيانة لما تيجي من عدو بتبقى مفهومة، لكن لما تيجي من قريب بتبقى خنجر مش طلقة. آدم فتح باب العربية وقال لها: اركبي، لكنها فضلت واقفة وقالت: استنى، لو ابن خالك خانك يبقى هما عارفين كل مخابيك، صح؟ آدم بصلها، لأول مرة كأنه مش مستعجل. قالت وهي بتحاول تلملم أفكارها وسط الدخان والخوف: أنت جبتني هنا على أساس إنه مكان آمن، واتضرب. يبقى أي مكان أنت هتاخدني له ممكن يبقى مكشوف، صح؟ مراد بص لها بإعجاب غصب عنه. آدم قال: عندك اقتراح؟ ليلى كانت لسه بترتعش، بس عقلها اشتغل، نفس العقل اللي بيشم الفاتورة المزورة من رقم ناقص، قالت: آه. خدني مكان أنت عمرك ما استخدمته قبل كده، مكان مالوش علاقة باسم الحديدي، ولا رجالتك، ولا قرايبك، ولا فلوسك. آدم ابتسم بسخرية خفيفة: زي فين؟ ليلى قالت فورًا: شقة صاحبتي رنا في شبرا. آدم رفع حاجبه. مراد قال بذهول: شبرا؟ ليلى بصتله بحدة: آه شبرا، عندك مانع؟ محدش من أعداء آدم الحديدي هيصدق إنه هيستخبى في عمارة قديمة فوق محل كشري وورشة مفاتيح. آدم فضل باصصلها ثواني، وبعدين قال لمراد: هات عربية عادية فعلًا، مش من عندنا، تاكسي، ميكروباص، أي حاجة. مراد قال: آدم بيه، ده خطر. آدم رد وهو عينه على ليلى: الخطر إننا نفضل نفكر زي ما هما متوقعين. بعد عشر دقايق كانوا خارجين من بوابة خلفية للمخزن وسط الدخان، مش في عربية فخمة ولا وسط موكب حراسة، لكن في عربية ربع نقل قديمة ريحتها بنزين، السواق راجل من رجال مراد لابس جلابية وكاب، وآدم الحديدي، اللي كان من ساعة واقف وسط قصر كل الناس بتخاف تبصله، قاعد جنب ليلى في صندوق عربية مغطى بمشمع قديم، قميصه بينزف، ووشه هادي كأن ده عادي. ليلى بصتله في العتمة وقالت: أنت لازم تتخيط، رد: بعدين. قالت: مافيش بعدين لو النزيف زاد. قال: بقيتي دكتورة كمان؟ قالت: لأ، بس عندي عينين، ودمك واضح حتى في الضلمة. آدم بصلها لحظة، وقال: في شنطة إسعاف تحت رجلك. ليلى لقت الشنطة فعلًا، فتحتها بإيدين بتترعش، طلعت شاش ومطهر، وقالت: افتح القميص. آدم رفع حاجبه، فقالت بعصبية: ما تبصليش كده، مش وقت غموض رجال أعمال، أنت بتنزل دم. لأول مرة مراد كتم ضحكة من قدام، وآدم بصله نظرة خلته يركز في الطريق. آدم فتح أزرار القميص بصمت، وليلى حاولت ما تبصش أكتر من اللازم، لكن الجرح كان في جنبه، مش عميق جدًا بس طويل ونازف، غالبًا من زجاج الانفجار. حطت المطهر، وهو ما اتحركش، لكن عضلة فكه اتشدت. قالت وهي بتضغط بالشاش: بيوجع؟ قال: لا. ضغطت أكتر، فطلع منه نفس مكتوم. قالت: كذاب. قال: شغلك محاسبة ولا تحقيق؟ قالت: الاتنين، الفرق إن الأرقام بتعترف أسرع من الرجالة. آدم بصلها، ورغم الدم والدخان والخطر، ضحك ضحكة قصيرة حقيقية. الضحكة دي أربكتها أكتر من الرصاص، لأنها خلت وشه يتغير، خلتها تشوف راجل تاني تحت القسوة، راجل يمكن لو الدنيا سابته يعيش كان هيعرف يضحك عادي. ربطت الشاش وقالت: هيمسك شوية، بس لازم دكتور. قال: حاضر يا دكتورة. قالت: ما تستظرفش. قال: حاضر يا أستاذة ليلى. سكتوا بعدها، والعربية دخلت شوارع جانبية، المطر خف، والفجر بدأ يفتح بخيط رمادي فوق القاهرة، وليلى حست بتعب رهيب بينزل على جسمها، لكنها ماقدرتش تنام. كل ما تغمض عينيها تشوف ياسمين وهي بتاخد الظرف من سيف، تسمع صوت طارق وهو بيقول لازم تختفي من الصورة، تشوف أمها وهي بتعيط، وتشوف صورة سمسم جوه شقتها. فجأة قالت بصوت واطي: ياسمين كانت بتغير مني من وإحنا صغيرين. آدم ما ردش، لكنها عرفت إنه بيسمع. كملت وهي باصة للمشمع اللي فوق راسها: هي كانت دايمًا الأجمل، الأغنى، الأشطر في الكلام، الكل بيحبها، ومع ذلك كانت تتضايق لما حد يقول عني شاطرة. لما دخلت كلية تجارة، قالتلي قدام العيلة: يعني هتفضلي طول عمرك ماسكة آلة حاسبة؟ ضحكت وقتها. كلهم ضحكوا. وأنا ضحكت معاهم علشان ما أبينش إن الكلمة وجعتني. آدم قال بهدوء: والنهارده آلتك الحاسبة وقعت إمبراطورية كاملة في مشكلة. ليلى بصتله، ماكانتش عارفة يواسيها ولا بيقول حقيقة. قالت: أنا مش عايزة أوقع حد، أنا عايزة أرجع عادية. قال: بعد اللي شفتيه، العادي مش هيرجع زي الأول. الكلمة كانت قاسية، لكنها حقيقية. ليلى سكتت، وفضلت تفكر فيها لحد ما العربية وصلت عند شارع ضيق في شبرا، محلات لسه بتفتح، ريحة عيش سخن وطعمية، صوت ناس عادية بتبدأ يومها كأن العالم ما انفجرش في مخزن من ساعة. المشهد وجعها، لأنها أدركت إن الحياة العادية موجودة، بس هي بقت واقفة براها. رنا صاحبتها فتحت الباب وهي لابسة بيجامة وشعرها منكوش، أول ما شافت ليلى، شهقت وقالت: إنتي كنتي في فرح ولا حرب؟ وبعدين شافت آدم ومراد وراها، فوشها اتغير وقالت: وده مين؟ ليلى قالت بسرعة: هفهمك بس دخلينا. رنا بصت لآدم من فوق لتحت وقالت: لا، استني، ده شبه الناس اللي بنشوفهم في المسلسلات ونعرف إن وراهم مصيبة. آدم قال بأدب: صباح الخير. رنا ردت: صباح القلق، اتفضلوا. الشقة كانت صغيرة ودافية، ريحتها قهوة ونعناع، وفيه كنب قديم وكتب مرصوصة على الأرض، وملاية منشورة على كرسي. آدم وقف في النص كأنه لأول مرة يدخل مكان عادي فعلًا. ليلى لاحظت ده وسألته بسخرية مرهقة: أول مرة تشوف شقة فيها شراب منشور؟ قال بجدية: تقريبًا. رنا بصت لليلى وقالت: هو بيتريق ولا ده حقيقي؟ ليلى قالت: للأسف حقيقي. رنا جابت فوطة ومطهر من الحمام، ولما شافت الدم على قميص آدم قالت: يا نهار أبيض، إنتوا جايبين جثة ناقصة نفس. آدم قال: الجرح بسيط. رنا قالت: كل الرجالة الجرح عندهم بسيط لحد ما يقعوا زي البط. ليلى ضحكت رغم نفسها، وآدم بص لها كأن الضحكة دي أهدته ثانية راحة. قعد على كرسي في المطبخ ورنا راحت تعمل قهوة وهي بتتمتم: أنا كنت فاكرة صحابي هيصحوني علشان عريس هرب من الفرح، مش علشان مافيا مصر كلها قاعدة في مطبخي. ليلى دخلت وراها المطبخ بسرعة وقالت: رنا، أنا آسفة، بس ماكانش عندي غيرك. رنا وقفت قدامها، ووشها اللطيف بقى جاد فجأة. قالت: إنتي في خطر؟ ليلى سكتت. رنا حطت إيدها على كتفها وقالت: خلاص، يبقى مافيش آسفة. بس لو الراجل ده خطر عليكي، قوليلي وأنا أطلعلك سكينة المطبخ الكبيرة. ليلى حضنتها فجأة، حضن قوي ومكسور. رنا شددت عليها وقالت: بس فهميني، آدم الحديدي ده بتاع الأخبار ولا شبهه؟ ليلى همست: هو. رنا بعدتها وبصت لها بذهول: إنتي جايبة آدم الحديدي شقتي؟ أنا حتى ما نضفتش الصالة. ليلى ضحكت وسط دموعها، لكن الضحك اتحول لسكات لما سمعت آدم بره بيكلم مراد بصوت منخفض: حسام لازم يتجاب قبل ما يوصل لسيف، ولو عرفوا إننا هنا يبقى في حد تاني معاه. رنا همست: في حد خانهم؟ ليلى قالت: ابن خاله. رنا فتحت بقها: يا ساتر، ده المسلسل دخل على موسم تاني. بعد شوية، قعدوا كلهم في الصالة، آدم شرب القهوة من غير سكر، وليلى مسكت كوباية شاي بإيدها الاتنين كأنها بتدفّي روحها مش صوابعها. مراد فتح اللابتوب على ترابيزة صغيرة، وقال: الميموري كارت اللي مع القط فيه ملفات أكتر من اللي توقعناه. التحويلات مش بس بين الدمنهوري والكيلاني، فيه أسماء من شركة الحديدي نفسها. آدم رفع عينيه. مراد كمل بحذر: ومن ضمن الأسماء… حسام الحديدي. آدم ما اتفاجئش، أو يمكن اتفاجئ بس وشه ما سمحش لده يظهر. ليلى قالت: يعني ابن خالك مش بس خانك في المخزن، ده متورط من الأول. آدم قال: حسام طول عمره شايف إن مكانه اتاخد منه. رنا، اللي ماكانتش فاهمة كل التفاصيل، قالت: يعني عنده عقدة ابن خالة كلاسيكية. مراد بص لها باستغراب، وليلى كادت تضحك، لكن آدم قال بهدوء: تقريبًا. مراد شغل ملف صوتي جديد. صوت حسام طلع واضح، ساخر، قريب من صوت آدم لكن أخف وأكثر مرارة: آدم بقى ضعيف من يوم ما بدأ يعمل نفسه رجل أعمال محترم، نوقعه ببنت، نفتح عليه الحرب، والناس اللي وراه هتسيبه لما الدم يوصل لبيته. بعد الصوت ده جاء صوت ياسمين، متوتر: وليلى؟ أنا قلت تخوفوها بس. حسام ضحك: يا بنتي إنتي لسه بتتكلمي كأنك في حفلة. اللي يدخل اللعبة مابيطلعش منها نضيف. التسجيل خلص، والسكوت بقى تقيل. ليلى حست بمعدتها بتتقلب، ياسمين كانت تعرف إن في تخويف، لكنها ماكنتش تعرف إن الموضوع ممكن يوصل لقتل. هل ده يخفف ذنبها؟ لا. لكنه يخلي الوجع أعقد. قالت بصوت واطي: هي كانت عارفة إني هتأذي. آدم قال: آه. ليلى رفعت عينها له: بس يمكن ماكانتش عارفة إنهم هيقتلوني. آدم سألها بهدوء: ده يفرق عندك؟ سكتت طويلًا. قالت: مش عارفة. يمكن علشان جزء مني لسه عايز يصدق إنها مش وحش. آدم قال: أحيانًا الناس مش وحوش كاملة، بس ده ما يمنعش إنهم يفتحوا الباب للوحوش الحقيقية. الجملة دخلت قلبها بوجع. رنا حطت إيدها على إيد ليلى وقالت: اللي يبيعك للخوف ما يستحقش تبريرك. ليلى بصت لصاحبتها، وحست إنها كانت محتاجة الجملة دي من زمان. فجأة موبايل آدم رن، رقم خاص. آدم بص للشاشة، ووشه اتغير بشكل خفيف. رد وفتح مكبر الصوت. صوت حسام جاء من الناحية التانية، هادي ومستفز: صباح الخير يا ابن خالي. آدم قال: كنت مستنيك تهرب أبعد من كده. حسام ضحك: أهرب؟ أنا طول عمري واقف في ضلك، النهارده بس خرجت للنور. آدم قال: النور اللي وراك نار. حسام رد: النار بتنضف يا آدم. وبعدين صوته بقى أخطر: البنت عندك؟ ليلى اتجمدت. آدم بص لها، ثم قال: مالكش دعوة بيها. حسام ضحك: دي مش إجابة. تعرف؟ أنا مش فاهم إيه اللي عجبك فيها. عادية، فقيرة، لسانها طويل، وبتلبس فساتين مستلفة. ليلى عضت على شفايفها، ورنا همست بغضب: الواطي. آدم قال بصوت بارد: ومع ذلك خوفتكم كلكم. حسام سكت لحظة. آدم كمل: بنت عادية بفلاشة صغيرة خلتك تحرق مخزن وتطارد قط. مراد كتم ابتسامة، ورنا همست: القط بطل قومي. لكن حسام صوته بقى حاد: سلمها يا آدم، والملفات تختفي، ونرجع نتكلم كعيلة. آدم قال: العيلة ما بتفجرش عيلتها. حسام رد: أنت بدأت لما أخدت كل حاجة. الشركة، الاسم، احترام جدي، حتى الخوف، كله بقى ليك. آدم قال بهدوء: الخوف مش ميراث يا حسام. ده عفن. حسام ضحك ضحكة قصيرة وقال: جميل، بقيت شاعر كمان؟ اسمعني كويس، لو البنت فضلت معاك، كل اللي حواليها هيدفع التمن. أمها، صاحبتها، شغلها، أي حد ابتسم في وشها. ليلى وقفت فجأة وقالت بصوت عالي: أنا هنا. آدم مد إيده يمنعها، لكنها قربت من الموبايل وقالت: سامعني يا حسام؟ أنا ليلى الشاذلي، البنت العادية الفقيرة اللي بتلبس فساتين مستلفة. عايزة أقولك حاجة. حسام سكت. ليلى كانت بترتعش لكن صوتها ثبت: أنتوا أغبية. لو كنتوا سيبتوني في حالي كنت هراجع الملف، أخاف، وأسكت يمكن. لكنكم دخلتوا بيتي، خوفتوا أمي، هددتوا قطتي، وخليتوني أقعد جنب آدم الحديدي في ربع نقل الساعة سبعة الصبح، فمعلش بقى، أنا مزاجي اتعكر. رنا حطت إيدها على بقها عشان ما تضحكش. مراد بص لآدم، وآدم كان باصص لليلى بنظرة ما بين الذهول والفخر. حسام قال بسخرية: إنتي فاكرة نفسك مين؟ ليلى ردت: محاسبة. ودي أسوأ حاجة ممكن تحصل لواحد حرامي، لأن الحرامي لما بيخاف بيضرب نار، لكن المحاسبة لما بتغضب بتطلع إيصالات. سكت الخط لحظة، ثم حسام قال: هتندمي. ليلى ردت: خليك فاكر الجملة دي وإنت بتشرح للتحقيق ليه حولت سبعة عشر مليون جنيه على شركة وهمية اسمها النورس للتوريدات، مع إن الشركة دي عنوانها شقة مقفولة في فيصل وصاحبها مات من سنتين. مراد فتح عينه بدهشة وبص في اللابتوب بسرعة. آدم كمان بص لها. حسام صوته اتغير: إنتي عرفتي ده منين؟ ليلى ابتسمت، ولأول مرة ابتسامتها ماكانتش خائفة. قالت: قلتلك. محاسبة. آدم أخذ الموبايل بهدوء وقال لحسام: انتهى الكلام. وقفل. الغرفة كلها فضلت ساكتة لثانيتين. بعدين رنا صفقت بصوت عالي وقالت: أنا عايزة أقول إني فخورة إني ما نضفتش الصالة قبل ما التاريخ يحصل فيها. مراد قال لليلى: معلومة النورس دي مش موجودة في الملفات اللي فتحناها لسه. ليلى شربت رشفة شاي وقالت: لأنها في دماغي. أنا شوفت الاسم قبل كده في ملف تاني في شغلي. التحويلات كانت متقسمة على أكتر من شركة، بس النورس كانت غريبة لأنها بتاخد مبالغ صغيرة متكررة. آدم قال: صغيرة قد إيه؟ قالت: من خمسمية ألف لمليون كل مرة. رنا كادت تختنق بالقهوة: صغيرة؟ ليلى بصت لها: بالنسبة لهم. آدم قرب منها وقال: تقدري ترسمي الخريطة؟ ليلى رفعت حاجبها: خريطة الفلوس؟ قال: آه. قالت: هات ورق. رنا جريت تجيب كشكول قديم وقلم، وليلى قعدت على الأرض قدام الترابيزة وبدأت تكتب أسماء الشركات من ذاكرتها، خطوط وأسهم وتواريخ ومبالغ تقريبية. كل ما تكتب اسم، مراد يبحث عنه، وكل ما يلاقيه، وشه يتغير أكتر. بعد نص ساعة، الصالة الصغيرة في شقة رنا بقت غرفة عمليات، لكن بدل الشاشات الفخمة، كان فيه كشكول عليه بقع شاي وقلم أزرق، وبدل البدلات الرسمية، ليلى قاعدة ببلوفر رمادي ووش شاحب، لكنها لأول مرة كانت في مكانها الحقيقي. آدم وقف وراها ساكت، يشوفها تفك شبكة فلوس كان رجاله بيطاردوا أطرافها بقالهم شهور. مراد قال بدهشة: آدم بيه، هي ربطت الدمنهوري بحسام بالكيلاني بثلاث شركات وسيطة. آدم لم يبعد عينيه عنها وقال: شايف. ليلى قالت وهي بتكتب: لسه. في شركة رابعة. اسمها كان حاجة عن البحر… موجة؟ مرسى؟ لا… ميناء. ميناء الشرق للخدمات اللوجستية. آدم اتجمد. مراد قال: دي شركة تابعة لينا. ليلى رفعت وشها. آدم كان ساكت، وملامحه اتقفلت. قالت: تابعة ليك؟ مراد قال: تابعة لمجموعة الحديدي، بس إدارتها مع حسام. آدم مشى خطوتين ناحية الشباك، كأنه محتاج مسافة من الحقيقة. ليلى فهمت إن الخيانة أكبر من ابن خاله، دي خيانة استخدمت اسمه وشركته وسمعته. قالت بهدوء: آدم. لم يلتفت. قالت: أنت مش مسؤول عن خيانته. رد بصوت منخفض: لما اسمك يبقى على الباب، كل اللي جوه مسؤوليتك. ليلى سكتت، لأنها فهمت الجملة أكتر مما توقعت. هي كمان طول عمرها شايلة مسؤولية حاجات ماعملتهاش: إحراج العيلة، مقارنة ياسمين، قلق أمها، صمتها في الشغل. قربت منه وقالت: المسؤولية مش إنك تمنع كل خيانة. المسؤولية إنك لما تكتشفها ما تداريهاش. آدم نظر لها. كانت تقف قدامه، أصغر منه حجمًا، أضعف منه قوة، لكن في اللحظة دي كانت ثابتة بشكل غريب. قال: إنتِ بقيتي بتديني دروس؟ قالت: باين كده. قال: خطير. قالت: اتعلم من أحسن ناس في الخطر. قبل ما يرد، الباب خبط ثلاث خبطات سريعة. كلهم اتجمدوا. رنا همست: أنا ماستناش حد. آدم جذب ليلى خلفه تلقائيًا، ومراد أخرج سلاحه. الباب خبط تاني. صوت امرأة من الخارج قال: رنا؟ افتحي، أنا أمك. رنا شهقت: ماما؟ ليلى همست: هي تعرف إنك هنا؟ رنا قالت: ساكنة الدور اللي فوق. آدم أشار لمراد يفتح بحذر. الباب اتفتح، ودخلت أم رنا، ست خمسينية لابسة عباية وطرحة، ماسكة طبق بطاطس محمرة، أول ما شافت آدم ومراد والأسلحة، وقفت مكانها، وبعدين بصت لرنا وقالت: هو ده الاجتماع اللي قولتيلي عليه بتاع الشغل الحر؟ رنا غمضت عينيها: يا ماما مش وقته. الست بصت لليلى وقالت: إنتي تعبانة يا بنتي؟ ليلى كانت على وشك ترد، لكن آدم قال بأدب غريب: آسفين على الإزعاج يا حاجة. الست بصتله من فوق لتحت وقالت: أنت اللي عامل الإزعاج؟ شكلك كده. مراد كتم ضحكة. آدم قال: غالبًا. الست دخلت وحطت الطبق وقالت: أيًا كان اللي بيحصل، ماحدش يفكر كويس وهو جعان. وبعدين بصت للسلاح في إيد مراد وقالت: وإنت يا ابني نزل اللعبة دي لتضرب نفسك. ليلى ضحكت لأول مرة من قلبها تقريبًا، وآدم بص للمشهد كأنه داخل عالم موازي، عالم فيه أم رنا بتوبخ رجل مسلح وطبق بطاطس أهم من حرب المافيا. لكن اللحظة الدافئة اتقطعت بصوت رسالة وصلت على موبايل مراد. قرأها، ووشه اتشد. قال: آدم بيه، حسام اتحرك. آدم: على فين؟ مراد: قصر المنياوي. ليلى وقفت فورًا: ياسمين. مراد كمل: وفيه خبر تاني. طارق الدمنهوري بلغ الشرطة إن آدم الحديدي خطف ليلى الشاذلي من حفلة الخطوبة تحت تهديد السلاح. رنا قالت: يا ابن… أمها قالت: عيب يا رنا. رنا بلعت الشتيمة. ليلى حست إن الأرض بتسحبها. قالت: يعني دلوقتي أنا مخطوفة رسمي؟ آدم قال: بالنسبة للإعلام والشرطة، آه. ليلى بصت له بحدة: ولازم أثبت العكس. آدم قال: لا، لازم نخرجك من القاهرة. ليلى ردت فورًا: لأ. آدم اقترب: ليلى، الموضوع خرج من لعبة ملفات. هما هيستخدموا القانون ضدنا. قالت: يبقى نستخدم الحقيقة ضدهم. قال: الحقيقة بتاخد وقت. قالت: وأنا معايا وقت؟ لو هربت، هأكد إني مخطوفة أو شريكة أو مجنونة زي ما ياسمين عايزة. آدم، أنا لازم أظهر. لازم أتكلم بصوتي قبل ما هما يدفنوه. آدم بدا غاضبًا: تظهرى فين؟ قالت: في قصر المنياوي. الفطور العائلي. قدام كل الناس. مراد قال: بعد بلاغ خطف، المكان هيبقى مليان حراسة وشرطة ويمكن كمائن. ليلى قالت: ممتاز. شهود أكتر. آدم قال بحدة: لا. ليلى اتفاجئت من حدته، لكنه كمل: مش هوديكي برجلي للمكان اللي عايزينك فيه. قالت: أنت مش هتوديني، أنا هروح. آدم عينه اسودت: مش لو أنا منعتك. الغرفة كلها سكتت. ليلى قربت منه خطوة وقالت بصوت واطي لكنه قاطع: اوعى تعمل كده. أوعى تتحول من الراجل اللي بيحميني للراجل اللي بيقرر بدالي. آدم تجمد. الكلمة ضربته في مكان واضح. ليلى كملت: أنا عارفة إنك أقوى مني، وأغنى مني، وعندك رجالة وسلاح وأبواب سرية، بس دي حياتي أنا. لو هتساعدني، ساعدني وأنا واقفة. مش وأنا محبوسة في أمانك. آدم فضل باصصلها طويلًا. ثم سحب نفسًا بطيئًا وقال: لو رحنا، نمشي بخطتي. قالت: نمشي بخطتنا. لمحة ابتسامة ظهرت على طرف فمه رغم الغضب. قال: عنيدة. قالت: محاسبة. رنا قالت من جنبهم: أنا شايفة إن محاسبة بقت تهديد رسمي. أمها قالت: طب كلوا البطاطس قبل ما تبرد. وسط الجنون، أخذت ليلى قطعة بطاطس فعلًا، لأنها فجأة أدركت إنها لم تأكل منذ الأمس، وآدم نظر لها كأنه يريد الاعتراض على العبث، ثم أخذ قطعة هو الآخر. رنا فتحت فمها بصدمة: آدم الحديدي بياكل بطاطس أمي. أم رنا قالت بفخر: وهيعجبه. آدم مضغ بصمت، ثم قال بجدية: ممتازة. أم رنا ابتسمت: أهو ده الكلام. وبعد دقائق، بدأت الخطة تتشكل فوق ترابيزة صغيرة في شقة بشبرا. ليلى سترجع إلى قصر المنياوي، ليس كضحية تهرب، بل كأنها جاءت لتواجه. آدم لن يظهر في البداية، لأن ظهوره سيؤكد قصة الخطف. مراد سيوصل التسجيلات لصحفية موثوقة قبل دخولها بعشر دقائق. رنا ستبث لايف من حسابها إذا حاولوا أخذ ليلى بالقوة. أم نادية، والدة ليلى، سيتم إحضارها للقصر لتؤكد أن بنتها لم تُخطف. وأهم شيء، الميموري كارت الأصلي لن يكون مع ليلى ولا آدم. رنا سألت: هيبقى مع مين؟ كل العيون راحت على سمسم اللي كان قاعد فوق الكنبة يغسل وشه ببرود ملكي. ليلى قالت: لا، المرة دي بلاش القط. آدم قال: مع أم رنا. الست رفعت حاجبها: معايا أنا؟ آدم أخرج قطعة تخزين صغيرة وحطها في علبة دواء فارغة. قال: محدش هيفتش حضرتك. أم رنا أخذتها وقالت: لو حد فتشني هزعقله. مراد تمتم: غالبًا هيندم. ليلى بصت لآدم، وكان فيه بينهما فهم جديد. هما مش أصحاب، مش أحباب، مش حتى حلفاء كاملين. لكن في خيط اتربط. خيط خطر. خيط اتشد من لحظة العصير لحد الدم والبطاطس والخطة المجنونة. وقبل ما يتحركوا، آدم وقف معها عند باب البلكونة الصغير. الشارع تحت كان مليان حياة عادية، بائع فول، أطفال رايحين المدرسة، ست بتنادي على ابنها. قال آدم بصوت منخفض: لسه تقدري تقولي لأ. ليلى بصت لتحت وقالت: وأنا صغيرة، كنت بخاف أطلع أتكلم في الإذاعة المدرسية. ياسمين كانت تطلع تغني وتضحك والكل يسقف. أنا كنت أستخبى في آخر الصف. كنت فاكرة إن الحياة هتسيبني في آخر الصف لو فضلت هادية. بس واضح إن حتى آخر الصف مش آمن. آدم قال: مش لازم تثبتي حاجة لحد. ليلى نظرت له: لأ. لازم أثبت لنفسي. ثم ابتسمت بخفة متعبة: وبعدين، حد لازم يشرح لياسمين إن الفساتين المستلفة مش معناها إن صاحبتها رخيصة. آدم أطرق برأسه كأنه قبل القرار. وقال: تمام. نرجع القصر. ليلى سألته: ولو حصلت حرب؟ آدم نظر لها بنظرة ثابتة وقال: ساعتها تقفي ورايا. قالت فورًا: جنبك. صحح بصوت منخفض: ورايا وقت الرصاص. جنبك وقت الحقيقة. ليلى سكتت. ثم أومأت. بعد ساعة، كانت سيارة عادية تقف على بعد شارعين من قصر المنياوي. الشمس طلعت أخيرًا، والقصر الذي كان بالأمس مضاءً بالنجف والموسيقى، بدا الآن أكثر قسوة في ضوء النهار. سيارات فخمة مصطفة، حراس عند البوابة، وضباط شرطة بملابس مدنية يتحركون قرب المدخل. ليلى كانت ترتدي بنطلون أسود وبلوزة بيضاء استعارتها من رنا، شعرها مربوط، وجهها شاحب لكنه ثابت. آدم جلس في المقعد الأمامي، يراقب المكان من المرآة. قال لها: آخر فرصة. ليلى فتحت الباب. قالت: اتأخرت قوي على الهروب. نزلت. خطت أول خطوة ناحية القصر، وكل نبضة في قلبها تقول ارجعي. لكنها لم ترجع. عند البوابة، أول حارس شافها تجمد كأنه رأى شبح. ثم تكلم في سماعته بسرعة. خلال ثواني، انتشر الهمس. ليلى الشاذلي رجعت. الفتاة التي قالوا إن آدم الحديدي خطفها، الفتاة التي حاولوا تحويلها لفضيحة، كانت ماشية بنفسها نحو الباب الرئيسي. قبل ما تدخل، وصلتها رسالة من رقم مجهول. فتحتها. كانت من ياسمين. “آخر فرصة. امشي، وأنا أخليهم يسيبوكي.” ليلى قرأت الرسالة، ثم رفعت عينها للقصر. كتبت ردًا واحدًا: “اتأخرتي.” ودخلت. في الداخل، كل الأحاديث ماتت زي الليلة السابقة تمامًا. نفس العيون الغنية. نفس الوجوه المتفاجئة. نفس الرخام. لكن ليلى لم تكن نفس البنت. ياسمين كانت واقفة قرب السلم، فستانها أبيض ناعم، وجهها متوتر خلف ابتسامة مصطنعة. بجانبها طارق، بوجه صارم وكأنه يمثل دور الرجل الذي تعرضت عائلته للإهانة. أول ما شافوا ليلى، ابتسامة ياسمين اتكسرت لثانية. طارق تقدم بخطوات محسوبة وقال بصوت عالٍ: ليلى! الحمد لله إنك بخير. كنا مرعوبين. آدم الحديدي أجبرك ترجعي؟ ليلى نظرت إليه بهدوء وقالت: لا. أنا رجعت لوحدي. الهمس انتشر. طارق قال: ماتخافيش، الشرطة هنا. تقدري تقولي الحقيقة. ليلى ابتسمت ابتسامة صغيرة. قالت: ممتاز. علشان أنا فعلًا جاية أقول الحقيقة. ياسمين تقدمت بسرعة، مسكت يدها بقوة مصطنعة وقالت: ليلى، حبيبتي، واضح إنك مرهقة، تعالي نرتاح جوه. ليلى نظرت إلى يدها على ذراعها. نفس اليد التي أخذت الظرف من سيف. نفس اليد التي ربما فتحت الباب للوحوش. قالت بصوت واضح: شيلي إيدك من عليا يا ياسمين. الصالة كلها سكتت. ياسمين شهقت وكأنها مجروحة: إنتِ بتكلميني كده ليه؟ أنا كنت خايفة عليكِ. ليلى قالت: كنتِ خايفة عليا ولا خايفة مني؟ طارق تدخل بحدة: واضح إن البنت تحت ضغط. ليلى رفعت صوتها: لا. البنت مش تحت ضغط. البنت تحت تهديد من امبارح، وبيتقال عليها مخطوفة، ومجنونة، ومهووسة، وكل ده علشان شافت أرقام ماكانش المفروض تشوفها. وش واحد من الضيوف قال: أرقام إيه؟ طارق صرخ: كفاية! لكن قبل ما يكمل، صوت جديد جاء من مدخل القاعة: سيبها تكمل. الكل التفت. آدم الحديدي دخل. لا موكب. لا استعراض. فقط هو، بقميص أسود تحت جاكيت غامق، وشاش مخفي بصعوبة عند جنبه، ونظرة تجعل أجرأ رجل في المكان يعيد حساب أنفاسه. طارق شحب. ياسمين تراجعت نصف خطوة. ليلى لم تلتفت له في البداية، لكنها شعرت بوجوده خلفها مثل جدار. آدم وقف بعيدًا قليلًا، كما وعدها. وقت الحقيقة، جنبها لا مكانها. طارق قال بعصبية: وجودك هنا يثبت كل شيء. آدم قال بهدوء: وجودي هنا يمنعك من إسكاتها. ليلى أخذت نفسًا، ثم نظرت إلى الناس حولها وقالت: اسمي ليلى الشاذلي. امبارح دخلت الحفلة دي مجرد بنت خالة العروسة. النهارده رجعت كشاهد على محاولة توريطي في جريمة، وكمحاسبة عندها مستندات تثبت شبكة غسيل أموال بين شركات الدمنهوري والكيلاني وشخص من داخل مجموعة الحديدي. ضجة عالية انفجرت. طارق صرخ: كذب! ياسمين قالت باكية: ليلى، إنتِ مش واعية. ليلى بصت لها بوجع أخير وقالت: لا يا ياسمين. أنا واعية لأول مرة. ثم أخرجت هاتف رنا الذي كان يبث صوتيًا إلى الصحفية، وضغطت تشغيل. صوت طارق ملأ القاعة: ليلى الشاذلي لازم تختفي من الصورة. البنت دي شافت حسابات مش المفروض تشوفها. ثم صوت ياسمين: بس من غير أذى حقيقي. خوّفوها بس. ياسمين انهارت ملامحها. الناس ابتعدوا عنها كأنها أصبحت وباء. طارق حاول يخطف الهاتف من يد ليلى، لكن آدم تحرك خطوة واحدة فقط. خطوة واحدة كانت كافية ليقف طارق مكانه. ليلى قالت له: قرب. خلّيهم يشوفوا الجزء العملي من أخلاقك. طارق تجمد. في نفس اللحظة، دخلت نادية أم ليلى من الباب الجانبي، ومعها رنا وأم رنا. نادية كانت تبكي، لكنها وقفت بجانب ابنتها. قالت بصوت مرتجف للناس: بنتي ما اتخطفتش. بنتي كانت بتهرب من اللي انتوا عملتوه فيها. ياسمين بدأت تبكي بجد هذه المرة، وقالت: ليلى، أنا ماكنتش أعرف إنهم هيعملوا كده. أقسم بالله. ليلى نظرت إليها، وكانت أصعب لحظة في كل ما حدث. لأن جزءًا صغيرًا من قلبها أراد أن يركض لها، أن يسألها لماذا، أن يتذكر طفولتهما، الأعياد، الصور القديمة، الضحكات التي لم تكن كلها مزيفة. لكنها تذكرت الرسالة. تذكرت أمها. تذكرت سمسم على الشباك. تذكرت صوت حسام وهو يقول إنها عادية وفقيرة. فقالت بهدوء موجع: يمكن ماكنتيش تعرفي هما هيعملوا إيه بالضبط. بس كنتي عارفة إنهم هيخوفوني. وده كان كفاية عندك. ياسمين غطت وشها وبكت. طارق حاول يتحرك ناحية الباب، لكن اتنين من رجال آدم ظهروا وسدوا الطريق. آدم قال: مستعجل على فين يا طارق بيه؟ الشرطة اللي طلبتها بنفسك لسه بره. وشكلك محتاج تقابلهم. قبل أن يرد، انفتحت أبواب القاعة مرة أخرى، ودخل ضابط بملابس رسمية ومعه قوة صغيرة. لكن نظراته لم تكن على ليلى ولا آدم. كانت على طارق. قال: طارق الدمنهوري، معانا إذن ضبط وإحضار. الصالة انفجرت همسًا وصراخًا. طارق صرخ: ده تزوير! آدم الحديدي ورا ده! الضابط قال: الملفات وصلتنا من مصدر صحفي ومن بلاغ رسمي موثق. ولو عندك رد، تقوله في النيابة. ليلى التفتت لآدم. لم يبتسم. فقط نظر إليها كأنه يقول: كملتيها. لكن في نفس اللحظة، موبايل آدم اهتز. نظر للشاشة، وملامحه اتغيرت. تغير سريع لكنه مخيف. مراد اقترب وهمس له بشيء. ليلى لاحظت. سألت: إيه؟ آدم لم يرد فورًا. خارج القصر، بين أصوات الشرطة وضجة الضيوف، وصل صوت انفجار بعيد. ليس قريبًا مثل المخزن، لكنه كافٍ ليهز الزجاج. الناس صرخت. آدم أمسك يد ليلى تلقائيًا. مراد قال بصوت عاجل: حسام ضرب ميناء الشرق. وطلع بث مباشر. بيقول لو آدم ما سلّمش البنت والملفات خلال ساعة، هيطلع أسماء كل الناس اللي كانت بتحميه زمان. ليلى شعرت أن الانتصار الذي لم يكتمل سُحب من تحت قدميها. طارق اتقبض عليه، ياسمين اتكشفت، لكن الحرب لم تنته. بالعكس، بدأت على العلن. آدم نظر إليها، وعيناه فيهما اعتذار لم ينطقه. قالت ليلى بصوت منخفض: ما تقوليش أهرب. قال: كنت هقول ابقي قريبة مني. نظرت إلى يده التي تمسك يدها. هذه المرة لم تسحبها. في وسط القصر، وسط الشرطة، وسط العائلات الثرية التي كانت أمس تضحك عليها، وقفت ليلى الشاذلي بجانب آدم الحديدي، لا خلفه ولا بعيدة عنه. وفهمت أن العصير الذي وقع بالخطأ لم يكن بداية فضيحة. كان بداية حرب. وحرب آدم الحديدي، من هذه اللحظة، بقت تحمل اسمها أيضًا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *