بعد الرحيل حكايات اسما ×4
الفصل الخامس: الأخ الذي عاد من الظل
تجمد الدم في عروقي.
انتفضت نادية واقفة وهي تضغط الهاتف على أذنها.
ـ إنت مين؟
جاء الصوت متقطعًا ومضطربًا:
ـ مفيش وقت… اسمي الحقيقي سامح.
نظرت إليها بسرعة.
كان هذا هو الاسم المكتوب في شهادة الميلاد.
الاسم الذي وجدناه داخل الصندوق.
تابع الرجل بصوت لاهث:
ـ لو عايزين تعرفوا الحقيقة كلها… لازم تمشوا من البيت حالًا.
ـ ليه؟
ـ لأنهم بيراقبوكم.
قفزت من مكاني.
واتجهت ناحية النافذة.
أبعدت الستارة قليلًا.
وفي الشارع المقابل كانت تقف سيارة سوداء.
بداخلها رجلان.
لا ينظران إلى أي شيء.
لكن وجودهما وحده كان مريبًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
قال سامح عبر الهاتف:
ـ أنا بقالي سنين بجمع أدلة ضد فؤاد.
ـ ليه ما ظهرتش؟
ـ حاولت.
أكتر من مرة.
وفي كل مرة كنت بتعرض للتهديد.
ثم ساد صمت قصير.
وأضاف:
ـ ياسمين هي اللي لقتني.
نظرت أنا ونادية إلى بعضنا.
ـ يعني كنتوا على تواصل؟
ـ أيوه.
ـ من إمتى؟
ـ من سبع سنين.
أغمضت عيني.
سبع سنوات كاملة.
وياسمين كانت تحمل كل هذه الأسرار وحدها.
قال سامح:
ـ هي اللي أقنعتني أواجه الماضي.
هي اللي كانت بتبعتلي كل المستندات.
وهي اللي اكتشفت إن موت أبوكم مش حادث.
سألت بسرعة:
ـ طيب ليه ما بلغتش الشرطة؟
ضحك بمرارة.
ـ بعد أربعين سنة؟
وبدون أدلة كفاية؟
مين هيصدق؟
ثم أضاف:
ـ لكن دلوقتي عندنا الدليل.
الفلاشة.
والوثائق.
والشاهد اللي سجل الاعتراف.
ثم انخفض صوته فجأة.
ـ اسمعوني كويس.
في ملف ناقص.
أهم ملف في القض*ية كلها.
ـ فين؟
ـ عند فؤاد نفسه.
ـ إزاي عرفت؟
ـ لأن ياسمين قالتلي.
ـ قالتلك إيه؟
ـ إنها شافته بعينيها.
توقفت أنفاسي.
ـ شافته؟
ـ قبل موتها بسنة.
كانت رايحة تواجهه.
ودخلت مكتبه.
وشافت ملف أحمر جوه خزنة.
عليه اسم أبوكم.
اسم كامل.
وتاريخ وفاة أبوكم.
سادت لحظة صمت ثقيلة.
ثم قال سامح:
ـ الملف ده لو طلع للنور… كل حاجة هتتغير.
فجأة انقطع الاتصال.
نظرت نادية إلى الهاتف.
ـ الخط فصل.
حاولت الاتصال به مجددًا.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
في تلك اللحظة شعرت أنني لم أعد الرجل المتقاعد الذي جاء إلى جنازة قديمة بدافع الفضول.
كنت داخل قصة أكبر بكثير.
قصة بدأت قبل أربعين عامًا.
وما زالت مستمرة.
في المساء عدت إلى منزلي.
لكن النوم كان مستحيلًا.
وضعت الصور والرسائل أمامي.
وبدأت أتأمل صورة أبي.
لأول مرة في حياتي.
ليس كأب.
بل كرجل.
رجل أخطأ.
وأخفى أسرارًا.
ودفع ثمنها.
وربما قُت-ل بسببها.
في الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريبًا…
رن جرس الباب.
انتفضت من مكاني.
من يأتي في هذا الوقت؟
اقتربت بحذر.
ونظرت من العين السحرية.
لكنني لم أر أحدًا.
فتحت الباب ببطء.
ولم يكن هناك أي شخص.
فقط…
مظروف بني كبير على الأرض.
التقطته.
وأغلقـت الباب فورًا.
كان المظروف بلا اسم.
ولا عنوان.
ولا أي علامة.
فتحته.
فتساقطت منه عدة صور.
وملف واحد.
ورسالة قصيرة.
بدأت بالرسالة.
وكان مكتوبًا فيها:
“لو وصلتك هذه الأوراق، فهذا يعني أن الوقت انتهى.”
“لا تثق بأحد.”
“ولا حتى بعائلتك.”
“الحقيقة أسوأ مما تتخيل.”
“ـ سامح”
شعرت ببرودة في أطرافي.
ثم فتحت الملف.
كانت صورًا قديمة.
إحداها لأبي.
وأخرى لفؤاد.
وثالثة لرجل لم أعرفه.
لكن الصورة الأخيرة جعلتني أسقط جالسًا على الكرسي.
لأنها كانت صورة لياسمين.
ليست صورة حديثة.
بل صورة عمرها سنوات.
كانت تقف أمام مقبرة أبي.
وفي يدها باقة ورد.
وبجانبها…
رجل.
تجمدت عيناي على وجهه.
ثم شعرت أن قلبي يكاد يتوقف.
لأن الرجل لم يكن سامح.
ولم يكن فؤاد.
ولم يكن شخصًا غريبًا.
كان ابني.
ابني الأكبر كريم.
حدقت في الصورة كالمجنون.
مستحيل.
كيف؟
ولماذا؟
وما علاقة كريم بكل هذا؟
قلبت الصورة.
وكانت هناك عبارة مكتوبة بخط ياسمين:
“إذا حدث لي شيء… اسأل كريم عن الليلة التي التقاني فيها عند قبر أبيك.”
سقطت الصورة من يدي.
وفي اللحظة نفسها رن هاتفي.
كان كريم.
بعد منتصف الليل.
لأول مرة منذ أسابيع.
رددت بسرعة.
لكن قبل أن أتكلم…
سمعته يقول بصوت مرتجف:
“بابا… لازم أسألك حاجة.”
“هو صحيح عندك أخت اسمها ياسمين؟”
شعرت بأن العالم يتوقف مرة أخرى.
ثم أكمل:
“لأن الست دي قبل ما تموت سلمتني مفتاح خزنة…”
“وقالت إنك هتحتاجه يوم ما تعرف الحقيقة.”
يتبع في الفصل السادس… (حيث يبدأ كشف سر كريم والخزنة التي أخفتها ياسمين قبل وفاتها).
الفصل الأخير: الرسالة التي انتظرت أربعين عامًا
لم أستطع الكلام لثوانٍ.
كنت أحدق في الهاتف وكأنني أخشى سماع المزيد.
ثم قلت بصوت مرتجف:
ـ كريم… إنت تعرف ياسمين؟
ساد الصمت لحظة.
ثم قال:
ـ أعرفها من سنتين.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
ـ سنتين؟
ـ أيوه.
ـ وليه ما قلتليش؟
تنهد كريم طويلًا.
ثم قال:
ـ لأنها هي اللي طلبت.
في صباح اليوم التالي وصل كريم إلى منزلي.
كان يحمل ظرفًا صغيرًا ومفتاحًا نحاسيًا قديمًا.
جلس أمامي.
وبدأ يحكي.
قبل عامين كان يعمل متطوعًا في جمعية خيرية لمساعدة كبار السن.
هناك تعرف على سيدة هادئة اسمها ياسمين.
كانت مريضة.
وتزور الجمعية أحيانًا.
ومع الوقت نشأت بينهما صداقة.
ذات يوم رأت صورتي في محفظته.
فسألته:
ـ ده والدك؟
وعندما أجاب بنعم…
بكت.
بكت طويلًا.
حتى أقلقته.
قال كريم:
ـ وقتها ما فهمتش حاجة.
بس بعد كده بدأت تسأل عنك كتير.
عن حياتك.
عن أمي.
عن إخواتي.
عن كل حاجة.
لكنها كانت تمنعني أقولك إنها موجودة.
ـ ليه؟
ابتسم كريم بحزن.
ـ قالت إن الوقت فات.
وقالت إن ظهورها هيقلب حياتك كلها.
ثم أخرج المفتاح.
ووضعه أمامي.
ـ قبل ما تموت بأسبوعين استدعتني.
وقالتلي:
“لو والدك عرف الحقيقة يومًا ما… اديله المفتاح ده.”
“وقوله يسامحني.”
شعرت بدموعي تقترب.
حتى وهي تموت…
كانت تفكر في الآخرين.
كان عنوان الخزنة موجودًا داخل الظرف.
في أحد البنوك القديمة بوسط القاهرة.
وفي اليوم نفسه ذهبنا أنا وكريم ونادية.
وبعد إجراءات طويلة…
أحضر الموظف صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
وضعه أمامنا.
وقال:
ـ اتفضلوا.
أدخلت المفتاح.
ودرت به ببطء.
ثم رفعت الغطاء.
وفي الداخل…
وجدنا آخر أسرار ياسمين.
لم تكن أموالًا.
ولا مجوهرات.
ولا أوراق ملكية.
بل ثلاث رسائل.
رسالة لي.
ورسالة لكريم.
ورسالة لعمي فؤاد.
أمسكت رسالتي أولًا.
وكان خطها كما أتذكره.
هادئًا.
مرتبًا.
جميلاً.
بدأت أقرأ.
“عزيزي محمود…”
“إذا وصلت إلى هنا، فمعنى ذلك أنك عرفت معظم الحقيقة.”
“لكن هناك شيئًا أخيرًا يجب أن تعرفه.”
شعرت بأنفاسي تتباطأ.
وأكملت.
“أنا لم أبحث عن الماضي لأنتقم.”
“ولا لأفضح أحدًا.”
“كنت فقط أريد أن أفهم لماذا حدث كل شيء.”
“ولماذا ضاعت حياة أمي.”
“ولماذا ضاعت حياتي.”
ثم جاءت الكلمات التي غيرت كل شيء.
“بعد سنوات من البحث…”
“اكتشفت أن والدك لم يكن يعرف أنني وُلدت أصلًا.”
تجمدت.
عدت إلى السطر.
قرأته مرة أخرى.
ثم ثالثة.
نعم.
هذا ما كتبته.
“فؤاد أخبر أمي أن والدك رفضها.”
“وأخبر والدك أن أمي سافرت وتزوجت.”
“وكان يكذب على الطرفين.”
“لأنه كان يريد إنهاء العلاقة بينهما.”
“ولأن شراكته مع والدك كانت أهم من أي شيء.”
أغمضت عيني.
كل تلك السنوات.
كل ذلك الغضب.
كل تلك الكراهية.
بُنيت على كذبة.
ثم أكملت القراءة.
“أما حادث السيارة…”
“فأنا لا أملك دليلاً قاطعًا أنه ج/ريمة قت/ل.”
“لكنني متأكدة أن فؤاد أخفى الحقيقة.”
“وربما حمل هذا السر معه طوال حياته.”
رفعت رأسي نحو نادية.
كانت تبكي بصمت.
أما كريم فكان يقرأ رسالته الخاصة.
ثم فجأة ابتسم.
لأول مرة منذ أيام.
سألته:
ـ فيها إيه؟
ناولني الرسالة.
وكان مكتوبًا فيها:
“يا كريم…”
“شكرًا لأنك منحتني فرصة أتعرف على جزء من عائلتي دون أن يعرفوا.”
“كنت أشوف فيك طيبة محمود وهو صغير.”
“ولو كنت محظوظة بما يكفي لأعيش حياة مختلفة…”
“كنت أتمنى أكون عمتك الحقيقية.”
شعرت بدمعة تسقط على يدي.
بقيت رسالة واحدة.
رسالة فؤاد.
نظرنا إلى بعضنا.
ثم فتحناها.
كانت قصيرة جدًا.
لكنها كانت كافية.
“يا فؤاد…”
“أنا عرفت كل شيء.”
“وعرفت أنك كذبت.”
“وعرفت أنك سرقت.”
“وعرفت أنك فرقت بين ناس كان ممكن يكونوا عائلة.”
“لكنني لن أبلغ عنك.”
“ولن ألاحقك.”
“لأن العقاب الحقيقي ليس السجن.”
“العقاب الحقيقي أن تعيش عمرك كله هاربًا من نفسك.”
“وأعتقد أنك عوقبت بما يكفي.”
“ـ ياسمين”
بعد أسبوعين فقط…
وصلنا خبر وفاة فؤاد.
كان في التاسعة والثمانين.
ومات وحيدًا.
في دار رعاية.
دون أصدقاء.
ودون عائلة.
ودون أن يزوره أحد.
أما سامح…
الأخ الثالث…
فالتقيته بعد شهر.
في مقهى صغير يطل على البحر في الإسكندرية.
جلس أمامي طويلًا.
يشبه أبي أكثر مما أشبهه أنا.
ضحكنا.
وبكينا.
وتحدثنا لساعات.
عن عمر كامل ضاع.
وعن سنوات لن تعود.
لكننا اتفقنا على شيء واحد.
أن ما بقي من العمر أفضل من لا شيء.
وفي مساء هادئ بعد عدة أشهر…
عدت إلى منزلي.
وأخرجت رسالة ياسمين الأولى.
رسالة الحب.
الرسالة التي لم أفتحها إلا بعد أربعين عامًا.
قرأتها من جديد.
ببطء.
سطرًا سطرًا.
ثم وضعتها داخل إطار زجاجي صغير.
ووضعتها فوق مكتبي.
ليس لأنها كانت تحبني.
ولا لأننا كنا إخوة.
بل لأنها ذكّرتني بحقيقة مؤلمة تعلمتها متأخرًا جدًا.
أن بعض الرسائل لا يجب أن تبقى مغلقة.
وبعض الكلمات يجب أن تُقال في وقتها.
وبعض الأشخاص…
إذا أحبونا بصمت طويلًا…
فقد لا نحصل على فرصة ثانية لسماع ما كانوا يريدون قوله.
نظرت إلى صورة ياسمين للمرة الأخيرة.
وابتسمت.
ثم همست:
“سامحيني لأنني تأخرت أربعين سنة.”
وكأنها سمعتني…
شعرت لأول مرة منذ جنازتها أن السلام عاد أخيرًا.
تمت النهاية.