خطيبة ابني حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الرابع

 

شعرت بأن يدي ترتجف وأنا أمسك الظرف.

 

كان مختومًا بالشمع الأحمر، كما كانت أمي تختم رسائلها المهمة دائمًا.

 

حدقت فيه لثوانٍ.

 

لم أستطع فتحه.

 

قالت ليان بهدوء:

 

“افتحيه.”

 

ابتلعت ريقي.

 

ثم كسرت الختم بحذر.

 

كانت داخل الظرف ورقة واحدة فقط.

 

مطوية ثلاث مرات.

 

فتحتها ببطء.

 

وفي أول سطر…

 

عرفت خط أمي فورًا.

 

“يا هناء… إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أن الحقيقة خرجت من القبر.”

 

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

 

واصلت القراءة.

 

“سامحيني لأنني أخفيت عنك أشياء كثيرة.”

 

“كنت أخاف أن يطاردك الماضي كما طاردني.”

 

بدأت عيناي تدمعان.

 

تابعت.

 

“القلادة لم تكن مجرد إرث للعائلة.”

 

“كانت تخفي مفتاح خزنة قديمة أودع فيها جدك وثائق وأمانات قبل سنوات طويلة.”

 

نظرت إلى ليان.

 

كانت تتابع القراءة معي بصمت.

 

أكملت.

 

“بعد وفاة أبي، حاول أكثر من شخص الوصول إلى تلك الخزنة.”

 

“ولهذا السبب أوصيت بدفني بالقلادة.”

 

“كنت أظن أن الموت سيحمي السر.”

 

توقفت أنفاسي.

 

إذن…

 

أمي لم تدفن القلادة حبًا فيها فقط.

 

بل لحماية ما بداخلها.

 

لكن أحدًا…

 

نبش القبر.

 

وسرقها.

 

ووجد المفتاح.

 

قلبت الورقة.

 

وجدت سطرًا أخيرًا.

 

“إذا اختفى المفتاح… فابحثي عن الرجل الذي كان يحرس المقبرة ليلة دفني.”

 

رفعت رأسي بسرعة.

 

وسألت الرجل صاحب البيت:

 

“حضرتك تعرف مين كان حارس المقبرة من خمسة وعشرين سنة؟”

 

فكر قليلًا.

 

ثم قال:

 

“يمكن الحاج نعيم.”

 

“كان حارس المقبرة سنين طويلة.”

 

“بس اعتزل من زمان.”

 

خرجنا من البيت فورًا.

 

وبعد سؤال أهل الحي…

 

وصلنا إلى منزل صغير في أطراف المدينة.

 

طرقنا الباب.

 

فتح لنا رجل تجاوز الثمانين.

 

ظهره منحني.

 

وعيناه متعبتان.

 

قلت برفق:

 

“حضرتك الحاج نعيم؟”

 

هز رأسه.

 

“أيوه.”

 

ناولته صورة قديمة لأمي كنت أحتفظ بها في محفظتي.

 

أول ما رآها…

 

تغير وجهه.

 

وجلس على الكرسي دون أن ينطق.

 

بعد لحظات طويلة…

 

قال بصوت مبحوح:

 

“كنت مستني اليوم ده.”

 

تبادلنا أنا وليان نظرة سريعة.

 

قلت:

 

“يعني إيه؟”

 

تنهد.

 

وقال:

 

“بعد دفن والدتك بثلاث ليالٍ…”

 

“جالي أربعة رجال بعد منتصف الليل.”

 

“كانوا ملثمين.”

 

“هددوني بالسلاح.”

 

“وأجبروني أدلهم على مكان القبر.”

 

شعرت أن قلبي يكاد يتوقف.

 

سألته بسرعة:

 

“فتحوا القبر؟”

 

أغمض عينيه.

 

وقال بحزن:

 

“أيوه.”

 

“وأخذوا القلادة.”

 

“لكنهم كانوا غاضبين.”

 

استغربت.

 

“غاضبين ليه؟”

 

قال:

 

“لأنهم لما فتحوها…”

 

“ما لقوش المفتاح.”

 

أنا وليان نطقنا في وقت واحد:

 

“إزاي؟”

 

نظر إلينا الرجل.

 

ثم قال جملة قلبت كل ما كنا نعرفه:

 

“لأن والدتك…”

 

“كانت قد نزعت المفتاح من القلادة قبل وفاتها بيوم واحد.”

 

ساد الصمت.

 

تقدمت خطوة.

 

وقلت بصوت مرتجف:

 

“طيب… فين المفتاح؟”

 

ابتسم الحاج نعيم ابتسامة حزينة.

 

ومد يده المرتعشة إلى جيب جلبابه.

 

وأخرج كيسًا قماشيًا صغيرًا، اصفرّ لونه من الزمن.

 

ووضعه في يدي.

 

وقال:

 

“أمك سلمتهولي بنفسها.”

 

“وقالت لي…”

 

“لو بنتي هناء رجعت يومًا تدور على الحقيقة…”

 

“سلّمها الأمانة.”

 

فتحت الكيس ببطء…

 

وفي داخله…

 

كان مفتاح نحاسي صغير جدًا، منقوش عليه نفس أوراق الزيتون الموجودة على القلادة.

 

لكن قبل أن أستوعب ما أراه…

 

رن هاتف ليان.

 

ردت.

 

وفجأة شحب وجهها.

 

نظرت إليّ وهي تهمس:

 

“البيت القديم…”

 

“اتعرض للسرقة قبل ساعة.”

 

“وحد حاول يسرق الصندوق الحديدي.”

 

عندها فقط…

 

أدركت أن هناك من يراقب خطواتنا منذ البداية…

 

وأن البحث عن الحقيقة…

 

لم يعد مجرد رحلة إلى الماضي، بل أصبح سباقًا مع أشخاص ما زالوا مستعدين لارتكاب الجرائم من أجل السر الذي أخفته أمي…

الفصل الخامس

 

لم أنطق بكلمة.

 

أغلقت ليان الهاتف بيد مرتجفة.

 

وساد الصمت داخل بيت الحاج نعيم.

 

نظر إلينا الرجل العجوز، ثم إلى المفتاح الصغير الذي ما زال في يدي.

 

وقال بهدوء:

 

“واضح إنهم عرفوا إنكم رجعتوا تدوروا.”

 

قبضت على المفتاح بقوة.

 

وسألته:

 

“مين هما؟”

 

تنهد طويلًا.

 

ثم قال:

 

“أنا ما شفتش وشوشهم.”

 

“لكن سمعت اسم واحد منهم.”

 

“كانوا بينادوه… أبو سليم.”

 

حاولت أتذكر الاسم.

 

لم أعرفه.

 

لكن ليان رفعت رأسها فجأة.

 

وقالت:

 

“أنا سمعته قبل كده.”

 

التفتنا إليها.

 

قالت:

 

“جدتي… قبل ما تموت.”

 

“كانت بتقول: لو جه يوم وحد سأل عن أبو سليم… اقفلي الباب وما تفتحيش.”

 

ازداد الغموض.

 

خرجنا من بيت الحاج نعيم بسرعة.

 

وأول مكان رحنا له كان البيت القديم.

 

وصلنا بعد أقل من نصف ساعة.

 

وجدنا الباب مكسورًا.

 

والشرطة موجودة.

 

الرجل الذي اشترى البيت كان يقف في الخارج مصدومًا.

 

أول ما شافنا قال:

 

“الحمد لله إن الصندوق كان معاكم.”

 

دخلنا المخزن.

 

كل شيء كان مقلوبًا.

 

الأرفف مكسورة.

 

والأدراج مفتوحة.

 

واضح إن اللي دخل…

 

كان بيدور على شيء محدد.

 

مش فلوس.

 

ولا ذهب.

 

بس الصندوق.

 

وقفت وسط الفوضى.

 

وأخرجت المفتاح من جيبي.

 

قلت لليان:

 

“يبقى لازم نفتح الصندوق قبل ما يوصلوا له.”

 

رجعنا إلى الفندق.

 

وأغلقنا الباب.

 

وضعنا الصندوق على الطاولة.

 

أدخلت المفتاح.

 

في البداية…

 

لم يتحرك.

 

ثم أدرته ببطء.

 

صدر صوت خفيف.

 

“تك…”

 

ثم انفتح القفل.

 

أنا وليان تبادلنا نظرة.

 

ورفعنا الغطاء ببطء.

 

لم نجد ذهبًا.

 

ولا مجوهرات.

 

ولا أكوامًا من المال.

 

كان في الداخل…

 

دفتر جلدي قديم.

 

وملف أصفر.

 

وظرف صغير.

 

أخرجت الدفتر أولًا.

 

وعلى الصفحة الأولى كتب جدي بخط واضح:

 

“سجل الأمانات.”

 

بدأت أقلب الصفحات.

 

كل صفحة فيها اسم.

 

وتاريخ.

 

ووصف لأمانة استلمها.

 

مجوهرات.

 

أوراق ملكية.

 

وصايا.

 

وأموال.

 

لكن في آخر صفحة…

 

وجدت اسمًا أعرفه.

 

عبد الرحيم السامرائي.

 

تحت الاسم مكتوب:

 

“استلمت منه وثائق تثبت ملكية أراضٍ وأوقاف، على أن تُسلَّم لورثته فقط.”

 

ليان همست:

 

“يمكن ده سبب كل اللي حصل.”

 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت داخل الملف الأصفر.

 

فتحته.

 

كان مليئًا بعقود قديمة.

 

وأختام رسمية.

 

وخرائط.

 

ثم سقطت صورة فوتوغرافية على الأرض.

 

التقطتها.

 

شهقت.

 

كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود.

 

فيها جدي…

 

وأمي وهي صغيرة.

 

ورجل ثالث.

 

الحاج نعيم أول ما شاف الصورة قبل ساعات قال إنه لا يعرف الملثمين…

 

لكن الرجل الموجود في الصورة…

 

كان هو نفسه.

 

وعلى ظهر الصورة…

 

كانت هناك جملة واحدة كتبت بالحبر الأزرق:

 

“الثلاثة الوحيدون الذين يعرفون مكان الحقيقة.”

 

رفعت رأسي ببطء.

 

وقلت:

 

“الحاج نعيم كان يعرف أكتر بكتير مما قاله.”

 

وفي نفس اللحظة…

 

سمعنا طرقًا قويًا على باب غرفة الفندق.

 

طرقات متتالية.

 

ثم جاء صوت رجل من الخارج يقول:

 

“افتحوا… إحنا من إدارة الفندق.”

 

لكن ليان نظرت من العين السحرية.

 

ثم التفتت إليّ وهمست وقد اختفى لون وجهها:

 

“لا تفتحي…”

 

“دول مش موظفين الفندق.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *