ابن امه اسماا السيد1

جلس جوزي قدامي على ترابيزة مطبخ بيتنا في الشيخ زايد وقال بكل برود إنه نقل البيت باسم أمه…وقال وهو باصصلي بثقة: لما نطلق… هتخرجي من الجوازة دي من غير ولا جنيه…أنا بس طويت المنديل اللي في إيدي… وابتسمت مرة واحدة… وسيبته يفتكر إن الورقة اللي مخبياها في دولابي مش موجودة أصلًا.

اختار “كريم” صباح يوم سبت علشان يهدّ حياتي بالطريقة اللي كان متخيل إنها هتكسرني..مش في مكتب محامي..ومش بمكالمة تليفون.

ولا حتى بعد خناقة طويلة أو دموع أو اعتراف إن جوازنا انتهى.

عملها وإحنا قاعدين على ترابيزة المطبخ… وفنجان القهوة لسه بيطلع منه بخار… وضوء آخر أكتوبر داخل من شباك الحوض…نفس الشباك اللي كنت واقفة عنده وأنا بتفرج على ابني وهو بيتعلم يركب العجلة لأول مرة.

نفس الشباك اللي زرعت تحته الريحان والياسمين بإيديا.

كان قاعد قدامي لابس قميص كاروه وبنطلون جينز… هادي بشكل مستفز يخلي القسوة أبرد.

قال ببساطة: أنا عايز أطلقك.

حطيت المج بتاعي على الترابيزة بهدوء.

وهو ما استناش حتى ردي.

قال: — أنا كلمت محامي خلاص… ونقلت البيت باسم أمي من ست أسابيع. قانونيًا البيت بقى بتاعها. وإنتِ مالكيش أي حق فيه…وبعدين بصلي مباشرة وقال الجملة اللي واضح إنه كان حافظها: هتخرجي من الجوازة دي بإيد فاضية.

اسمي “ليلى منصور”. وعندي تلاتة وأربعين سنة… واتعلمت على مدار سنين جوازي حاجة واحدة كان جوزي دايمًا بيفسرها غلط.الهدوء..سبعتاشر سنة وأنا مرات كريم…دفعت معاه أقساط البيت.

ربينا ابننا سوا…استقبلنا الناس في البيت ده في الأعياد والعزايم…أنا اللي جددت الأرضيات لما كان مسافر شغل.

أنا اللي دهنت الحيطان اللي الناس كانت تمدحه عليها بعدين وكأنه هو اللي عمل كل حاجة.

اشترينا البيت في الشيخ زايد وإحنا عندنا تلاتين سنة.

فيلا دورين… بجنينه صغيرة… وسلم رخامي كان دايمًا بيحتاج تصليح… وحديقة كانت بتغرق كل شتوية لحد ما أنا اللي فهمت مشكلة الصرف وحليتها.

كريم كان شغال في التطوير العقاري…بيفهم في الأراضي والعقود واللف والدوران.

أما أنا… فكنت بشتغل مساعدة قانونية في مكتب محاماة كبير في وسط البلد.

وصدقني… الفرق ده كان أهم بكتير مما كان فاهم.

سنين طويلة كنا باينين للناس عيلة مستقرة.

مش مثاليين… لكن محترمين.

الناس تسلم علينا في الشارع…ونتصور صور عائلية قبل حفلات التخرج والمناسبات.

ابننا “عمر” كان وقتها بيدرس هندسة في جامعة إسكندرية… بعيد كفاية إنه ما يشوفش التغيير اللي بدأ يحصل جوه البيت بهدوء.

لكن أنا شفته.

مكالمات كريم اللي بقت تقفل أول ما أدخل.

صوته الواطي جنب البلكونة.

مشاويره الكتير لمصر الجديدة… عند بيت أمه “سهير”.

أمه عمرها ما حبتني…مش بشكل واضح.

لا… كانت أذكى من كده…كانت تعملها بالنظرات.

بالتلميحات.بطريقة تقديمها ليا في المناسبات: دي مرات كريم.ولا مرة تقول اسمي بسهولة.كأني ضيفة مؤقتة.

سبعتاشر سنة مؤقتة..في نظرها… أنا الست اللي تطبخ وتستقبل الضيوف وتربي وتبتسم في الصور… لكن عمرها ما تبقى فعلًا من العيلة…وكريم كان متعلق بيها تعلق أعمى…النوع اللي يخلي راجل كبير يرجع طفل قدام أمه…ولما زياراته عندها زادت… لاحظت.

ولما بقى يرجع البيت بوش مقلوب … لاحظت.

وفي يوم وأنا راجعة من السوبر ماركت وعديت بالعربية من شارعها بالصدفة… وشفت عربيته واقفة تحت بيتها الساعة تسعة بالليل… قلت لنفسي: ما تبالغيـش.

وده أول درس المجتمع بيعلمه لأي ست.

ما تبالغيـش.فراقبت.استنيت.

ووثقت كل حاجة.مش علشان أنتقم.لكن علشان الورق عمره ما بينسى… حتى لما البشر يكذبوا.

ولما قعد كريم قدامي على ترابيزة المطبخ وقال إنه نقل البيت باسم أمه… كان متوقع انهيار.

شفت ده في عينه.كان مستني دموع…أسئلة.رعشة.

أو إني أخاف لدرجة أقبل بأي تسوية علشان أطلع بحاجة.كان عايزني ضعيفة.لكن بدل ده… ضحكت.

ضحكة صغيرة.مش سعيدة.

النوع اللي يخلي المكان أبرد من الصمت.

رمش باستغراب.

وقال: إيه المضحك؟

رفعت فنجان القهوة وشربت رشفة.

وقلت: ولا حاجة… كمل بس مع محاميك.

في اللحظة دي… ثقته اهتزت لأول مرة…اهتزازة صغيرة جدًا.

لكن أنا شفتها..بعد سبعتاشر سنة مع راجل… تعرف الفرق بين الثقة والتمثيل.طلعت فوق بعدها بهدوء.

ما صرختش.

ما عيطتش قدامه…دخلت أوضتي… وقعدت على طرف السرير… وإيديا ثابتة على ركبتي لحد ما نفسي رجع طبيعي…وبعدين الخوف جه…الخوف الحقيقي.

مش درامي…خوف بارد…صوابعي تلج.

نفسي ضيق.إحساس إن الحيطان قربت عليا فجأة.

كريم ما طلبش الطلاق بس.

هو حاول يمحيني من البيت اللي بنيته معاه طوبة طوبة.

البيت ده ماكانش مجرد عقار.

ده الصيف اللي قضيته أصلح الأرضيات فيه لوحدي.

ده النباتات اللي زرعتها قدام الباب.

ده كل قسط دفعته وأنا بسمع الناس تقول إن “كريم شايل البيت”.

ده سنين كاملة من تعب الست اللي مفيش إيصال بيتكتب باسمه…لكن كان عندي إيصالات من نوع تاني.

سيبت لنفسي عشرين دقيقة خوف…وبعدين فتحت اللابتوب.

لحد ما البيت هدي بالليل… كان كريم نايم في أوضة الضيوف.

وده خلاني أفهم إن الجواز ماكنش بينتهي دلوقتي.

هو كان انتهى من زمان بالنسبة له.

بدأت ألف في البيت كأني بستعد لإعصار..إيصالات.

كشف حسابات…عقود…صور قديمة للبيت.

فواتير التصليحات…ورق باسمي هو نسي وجوده أصلًا… لأنه عمره ما كان الشخص اللي ينظم حاجة.

حطيت كل حاجة في ظرف كبير وقفلت عليه.

الصبح بدري… قبل ما يصحى… روحت الشغل وخبيت الظرف في درج مكتبي تحت ملفات عادية جدًا.

وبعدين عملت مكالمة واحدة.

اسمها “نادية الشافعي”.

محامية عقارات في المعادي.

ست شعرها أبيض وعينيها حادة… ومن الناس القليلة اللي قالتلي جملة ما نسيتهاش أبدًا: — احمي نفسك قبل ما تحتاجي تحميها.

من عشر سنين… كنت روحتلها بسبب قضية شفتها في الشغل.

ست وثقت في جوزها… واكتشفت متأخر إن الحب ما يحميش من الورق.

القضية خوفتني وقتها.

فسألت أسئلة.وهي جاوبت.

وساعدتني أعمل ورقة واحدة بس.

ورقة واحدة… كريم مضى عليها بنفسه.

وقتها كنت مقنعة الموضوع إنه مجرد تنظيم ممتلكات وروتين قانوني…كان مستعجل يومها… ماسك موبايله… متضايق من طول القعدة.مضى في المكان اللي أشرتله عليه.ونسي الموضوع أول ما خرجنا من المكتب.

لكن أنا ما نسيتش.

الورقة دي فضلت عشر سنين كاملة جوه خزنة ضد الحريق… مستخبية ورا هدوم الشتاء اللي كريم عمره ما يقرب منها…ولا مرة جبت سيرتها.ولا وقت خناقاتنا.

ولا وقت تعليقات أمه.

ولا حتى لما بدأ يهمس في البلكونة بصوت واطي.

أقوى ورقة… هي اللي محدش يعرف إنها موجودة.

لما نادية ردت على التليفون… قلت: — معاكِ ليلى منصور… قابلتك من عشر سنين بخصوص ورقة مهمة. وأعتقد الوقت جه نتكلم عنها.

سكتت ثواني.

وبعدين قالت: — فاكرة حضرتك… تعالي المكتب الأسبوع ده.

كريم حس إن في حاجة اتغيرت قبل ما يعرف إيه هي.

في نفس الليلة… وهو واقف عند باب المطبخ وأنا بطبخ… سألني: — إنتِ كلمتي محامي؟

قلت وأنا ببص للأكل: — ليه بتسأل؟

قال بضيق: — شكلك متغير.

بصيتله أخيرًا وقلت: — أنا زي ما أنا.

لكن الحقيقة إني ماكنتش.

الست اللي كان متوقع يلاقيها اختفت.

الست اللي قضت سنين تهدي أمه… وتعدي الإهانات… وتقلل من نفسها علشان البيت يفضل واقف… فهمت أخيرًا حاجة مهمة.

هما ماكانوش مش شايفيني.

هما كانوا شايفيني… وقرروا يتعاملوا كأني مش مهمة.

وأنا انتهيت من لعب الدور ده.

بعد يومين… دخلت مكتب نادية في المعادي والظرف في شنطتي.

ريحة المكان كانت ورق وقهوة وخشب قديم.

الضوء داخل من الشباك بهدوء.

قعدت قدامها… وبدأت أحكي.

بدون عياط.

بدون انفعال.

حقائق بس.

الطلاق.

نقل البيت باسم أمه.

الثقة الغريبة في صوته.

وطريقته وهو بيقولي إني هخرج من الجوازة بإيد فاضية… كأن سبعتاشر سنة من عمري ممكن تتمسح بتوقيع واحد.

نادية سمعتني للآخر بدون مقاطعة.

ولما خلصت… فتحت شنطتي… وطلعت الورقة القديمة وحطيتها قدامها.

شدتها ناحيتها.

قرأت أول صفحة.

وبعدين التانية.

وفجأة… المكتب كله سكت.

بره الشباك… العربيات ماشية عادي كأن مفيش حاجة حصلت.

لكن جوا المكتب… نادية رفعت نظارتها وبصتلي مباشرة.

وقالت بهدوء: — يا ليلى…

ما اتحركتش.

خبطت بإصبعها على توقيع كريم الموجود أسفل الصفحة.

وقالت: — الورقة دي… هتقلب كل حاجة…

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
رفعت عيني لنادية وأنا حاسة إن قلبي بيدق بهدوء غريب… الهدوء اللي بييجي قبل العاصفة مباشرة. هي كانت لسه ماسكة الورقة بإيديها وبتبص لتوقيع كريم كأنها بتتأكد إنه حقيقي فعلًا. بعدها سحبت نفس طويل وقالت: “إنتِ عارفة الورقة دي معناها إيه؟” هززت راسي ببطء. “عارفة.” لكن الحقيقة… إني ماكنتش مستوعبة حجم اللي كنت مخبياه طول السنين دي. نادية رجعت ضهرها للكرسي وقالت: “جوزك مضى على إقرار شراكة كامل في ممتلكات الجواز… وفيه بند واضح جدًا إن أي تصرف في البيت أو نقله لأي طرف تاني بدون موافقة مكتوبة منك يعتبر باطل قانونيًا.” للحظة… حسيت إني مش سامعة كويس. يمكن علشان سنين الخوف والتقليل من النفس خلتني أنسى إن حقي فعلًا موجود. نادية كملت وهي بتقلب الصفحات: “والأجمل من كده… إنه مضى كمان على اعتراف موثق إن جزء كبير من أقساط الفيلا اتدفع من حسابك الشخصي وقت شغلك في مكتب المحاماة.” سكتت شوية وبعدين ابتسمت لأول مرة: “يعني باختصار… نقل البيت لأمه مش هيحميه زي ما متخيل.” في اللحظة دي… افتكرت وش كريم وهو بيقولي بثقة: “هتخرجي بإيد فاضية.” والثقة دي نفسها بدأت تتكسر جوا دماغي وأنا قاعدة قدام نادية. سألتها: “يعني أقدر أرجع البيت؟” قالت بهدوء: “أنتِ مش بس تقدري ترجعي حقك… إنتِ تقدري تثبتي إنه حاول يهرب أصول مشتركة قبل الطلاق.” الجملة نزلت في صدري زي نفس طويل بعد غرق. لكن الغريب إني ماحسيتش شماتة. حسيت حاجة أبرد. وضوح. لأول مرة من شهور… الدنيا بقت واضحة قدامي. نادية بدأت تشرحلي الخطوات القانونية بالتفصيل، وأنا كنت بسمع وأنا ببص للشباك. العربيات ماشية في المعادي… الناس رايحة شغلها… حياة عادية جدًا، بينما جوايا كان فيه جواز كامل بيتفك قطعة قطعة. قبل ما أمشي سألتني نادية: “إنتِ مستعدة؟” بصيتلها. “لإيه؟” قالت: “لإن الراجل اللي كان متأكد إنك ضعيفة… هيتحول لشخص تاني أول ما يعرف إنك ماسكة دليل.” وده بالضبط اللي حصل. أول ما كريم استلم الإنذار القانوني بعد يومين… البيت كله اتغير. كنت قاعدة في الجنينة بسقي الياسمين لما سمعت باب الفيلا بيتفتح بعنف. خطواته كانت سريعة على غير عادته. دخل عليا ووشه محمر، وفي إيده الورق. لأول مرة من سنين… شفته متوتر. فعلًا متوتر. وقف قدامي وقال بعصبية مكتومة: “إيه ده؟” رفعت عيني بهدوء. “ورق قانوني.” قرب أكتر. “إنتِ رفعالي قضية؟” قلت وأنا بحط خرطوم الميه على جنب: “أنا بحمي حقي.” ضحك ضحكة قصيرة كلها عصبية. “حقك؟” وبعدين لوح بالورق بعصبية: “إنتِ كنتِ مخبية ده كله؟” سكت ثواني. وبعدين قلت: “وأنت كنت مخبي نقل البيت باسم أمك.” الجملة ضربته مباشرة. شفتها في عينه. للحظة… الاتنين بقينا واقفين نبص لبعض كأننا غرباء فعلًا. سبعتاشر سنة جواز واقفة بينا زي حيطان قديمة بتقع ببطء. قال بصوت أوطى: “إنتِ كنتِ بتخططي ضدي من سنين؟” ضحكت بمرارة. “لا يا كريم… أنا كنت بحمي نفسي من اليوم اللي شفت فيه ست في المحكمة بتترمي في الشارع بعد عشرين سنة جواز.” سكت. وأنا كملت: “الفرق بيني وبينها… إني اتعلمت.” فضل يبصلي شوية، وبعدها فجأة قعد على الكرسي الحديد اللي في الجنينة كأن رجليه شالوا منه القوة. أول مرة أشوفه بالشكل ده. الراجل اللي كان داخل المطبخ من أيام بثقة الشخص اللي كسب كل حاجة… قاعد دلوقتي قدامي ووشه فيه أول لمحة خوف حقيقي. قال بعد صمت طويل: “أمي ما تعرفش إن الورقة دي موجودة.” قلت بهدوء: “أكيد.” رفع عينه بسرعة: “ما تدخليش أمي في الموضوع.” الكلمة خلتني أبتسم بسخرية خفيفة. “غريب… مع إنها كانت أول واحدة دخلتها.” وشه اتشد. لكنه ما ردش. بعدها بأيام بدأت الحرب الباردة الحقيقية. كريم بقى يتحرك في البيت بحذر. مكالماته قلت. زياراته لأمه بقت أطول. وأنا؟ بقيت هادية بشكل خلاه متوتر أكتر. لأن الناس بتخاف من الشخص الهادي لما يبطل يبرر نفسه. في يوم كنت طالعة أوضتي ولقيته واقف قدام الدولاب بتاعي. أول ما شافني قفله بسرعة. قلت: “بتدور على إيه؟” قال بتوتر واضح: “ولا حاجة.” لكني كنت عارفة. هو بيدور على أي نسخة من الورقة. أي دليل. أي حاجة ترجعه متحكم. قربت منه بهدوء وقلت: “متتعبش نفسك… النسخة الأصلية في مكان عمرك ما هتعرف توصله.” بصلي للحظة… وفي عينه حاجة غريبة. مش غضب بس. خوف. أول جلسة قانونية كانت بعد أسبوعين. روحت المحكمة لابسة بدلة رمادي بسيطة وشعري مرفوع. نادية كانت ماشية جنبي بثقتها المعتادة. أما كريم… فكان واقف بعيد مع محاميه، ولما عينه جت في عيني بسرعة بص بعيد. وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا. الراجل اللي كان متأكد إنك ضعيفة… بيتغير تمامًا أول ما يشوفك واقفة من غير خوف. الجلسة نفسها كانت قصيرة، لكن اللحظة اللي اتقلب فيها وش كريم فعلًا كانت لما محامية نادية قدمت نسخة الإقرار للمحكمة. شفته حرفيًا يتجمد. محاميه خد الورقة بسرعة يقراها، وبعدها قرب منه يهمسله بانفعال. أما أنا… فقعدت بهدوء شديد. لأن المعركة الحقيقية ما كانتش قانونية بس. المعركة كانت إني أفتكر نفسي بعد سنين من محوها. بعد الجلسة خرج كريم ورايا عند سلم المحكمة. ناداني بصوت واطي: “ليلى.” وقفت. لفيت له ببطء. كان شكله مرهق بشكل غريب. قال: “إحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء.” ابتسمت لأول مرة من قلبي تقريبًا. “إحنا كان ممكن نحل كل حاجة بهدوء قبل ما تحاول ترميني بره حياتي بإيد فاضية.” سكت. وبعدين قال الجملة اللي أكدتلي إني كنت عايشة مع شخص ماعرفنيش أصلًا: “أنا ما توقعتش تعملي كل ده.” بصيتله بهدوء وقلت: “علشان عمرك ما شفتني فعلًا يا كريم.” وسيبته واقف على السلم لوحده. لما رجعت البيت ليلتها، لقيت عمر مستنيني. ابني كان راجع من إسكندرية بعد ما فهم إن فيه مصيبة بتحصل. أول ما شافني حضني جامد. وقال: “ليه ما قولتوليش؟” ماعرفتش أرد. لأن الحقيقة إن الأمهات بتقضي عمرها تخبي الخراب عن ولادها. قعدنا سوا في الجنينة وأنا بحكيله كل حاجة. كان ساكت أغلب الوقت، لكن كل ما أجيب سيرة أبوه كانت عضلات فكه تتشد. وفي الآخر قال: “هو إزاي يعمل كده؟” بصيت بعيد ناحية الشباك اللي كنت بتفرج منه عليه وهو صغير بيتعلم العجلة. وقلت: “الناس ما بتتغيرش فجأة يا عمر… إحنا بس أوقات بنتأخر في ملاحظة حقيقتهم.” بعدها بأيام قليلة حصلت الحاجة اللي ما توقعتهاش. سهير… أم كريم… جت البيت. كانت أول مرة تدخل الفيلا من شهور. دخلت بنفس البرفان التقيل ونفس النظرات الباردة اللي أعرفها كويس. قعدت في الصالون وبصت حوالينها كأنها بتراجع ممتلكاتها. وبعدها قالت بهدوء مصطنع: “إحنا ممكن نخلص الموضوع من غير فضايح محاكم.” قعدت قدامها بهدوء. “إيه المطلوب؟” قالت وهي بتعدل شنطتها: “تاخدي مبلغ محترم… وتسيبي البيت.” ابتسمت. “والبيت؟” قالت بثقة: “قانونيًا باسمي.” ضحكت وقتها فعلًا. ضحكة خلتها تتوتر لأول مرة. وقلت: “واضح إن ابنك نسي يحكيلك كل حاجة.” ملامحها اتغيرت بسرعة. “يعني إيه؟” قمت بهدوء وجبت نسخة من الورقة وحطيتها قدامها. فضلت تقرا سطورها ببطء… وكل سطر كان بيمسح جزء من الثقة اللي داخلة بيها. ولأول مرة من يوم عرفتها… سهير سكتت. سكتت فعلًا. رفعت عينها ليا وقالت بصوت متحشرج: “إنتِ خططتي لكل ده؟” قلت بهدوء: “لا… أنا بس رفضت أبقى غبية.” قامت واقفة بعصبية، ولمّت الورق بسرعة. وقبل ما تمشي قالتلي بنبرة كلها سم: “إنتِ خربتي بيتك بإيدك.” وقتها وقفت أنا كمان، وبصيت مباشرة في عينيها لأول مرة من غير خوف ولا محاولة إرضاء. وقلت: “بيتي اتخرب يوم ما ابنك افتكر إني خدامة ممكن يرميها وقت ما يحب.” خرجت بعدها وهي مخنوقة من الغضب، لكن الغريب إن قلبي كان هادي. هادي بشكل عمري ما حسيت بيه. لأن الحقيقة إن القوة مش إنك تكسبي راجل أو قضية. القوة الحقيقية… إنك تبطلي تخافي من خسارة الناس اللي عمرهم ما خافوا يخسروكي.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *