قبل فرحي بيوم حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع
ساد صمت ثقيل داخل الشقة.
ولا حد كان قادر يتكلم.
أنا كنت ببص للصورة السادسة وكأنها هتنطق.
البنت كانت جميلة جدًا.
وشها كله براءة.
فستانها الأبيض بسيط، وفي إيديها بوكيه ورد صغير، لكن اللي لفت انتباهي أكتر من أي حاجة هو خاتمها.
نفس تصميم الخاتم اللي كريم حاول يقنعني أشتريه قبل شهر.
بصيت له ببطء.
كان واقف مكانه، ملامحه جامدة، لكنه كان بيضغط على فكه بعنف.
المحقق حط الصورة على الترابيزة وقال:
“اسمها هبة.”
فضل كريم ساكت.
“كانت أول واحدة ارتبط بيها رسمي.”
سألته وأنا بصعوبة بطلع الكلمات:
“اتجوزتها؟”
قبل ما يرد، المحقق قال:
“كان المفروض الفرح يتم… لكنه اتلغى قبل ليلة واحدة.”
قلبي انقبض.
نفس اللي كان هيحصل معايا.
فتح المحقق الملف، وطلع مجموعة صور قديمة.
كلها لكريم.
مرة في الإسكندرية.
مرة في القاهرة.
مرة في المنصورة.
مرة في الغردقة.
وفي كل صورة…
كان مع بنت مختلفة.
قال المحقق:
“كل مرة باسم مختلف.”
قلب صفحة تانية.
“كريم الشاذلي.”
وبعدين.
“كريم الحسيني.”
وبعدين.
“كريم عزام.”
وبعدين.
“كريم السيوفي.”
كل اسم كان حياة كاملة.
وأكاذيب كاملة.
وأحلام لبنات اتدمرت.
قلت وأنا ببص لكريم:
“ليه؟”
رفع عينه لأول مرة.
“أنا ما أذيتش حد.”
انفجر المحقق ضاحكًا بسخرية.
“ما أذيتش حد؟”
طلع ورقة وحطها قدامه.
“دي قروض باسم البنات.”
ورقة تانية.
“دي تحويلات مالية.”
ورقة تالتة.
“ودي توكيلات مزورة.”
بدأت أفهم.
الموضوع عمره ما كان حب.
كان نصب.
كان بيختار بنت مستقرة، عندها شغل، أو أهلها مقتدرين، يقنعها بالجواز، ويخليها تثق فيه، وبعدها يستخدم بياناتها ومستنداتها في معاملات مالية، وكل ده قبل الفرح أو بعده بفترة قصيرة.
ولما يحس إن الحقيقة قربت تتكشف…
يختفي.
ويسيبها تواجه الكارثة لوحدها.
قلت بصوت مكسور:
“يعني أنا كمان…”
هز المحقق رأسه.
“للأسف… أيوه.”
فتح ملفًا صغيرًا وسلمه لي.
“حضرتك فيه باسمك طلب قرض بمليون وثمانمائة ألف جنيه.”
شهقت.
“إيه؟!”
“ومرفق معاه صورة بطاقتك، وإمضا شبه إمضتك.”
افتكرت فجأة.
قبل شهرين…
كريم قالي إن الفندق طالب صورة بطاقتي عشان يحجز جناح شهر العسل.
أنا صدقته.
وبعتله كل الأوراق على واتساب.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
كنت أنا اللي سلمته كل حاجة بإيدي.
في اللحظة دي…
اتفتح باب الأسانسير.
وخرجت منه بنت لابسة فستان بسيط، وشها باين عليه الإرهاق من السفر.
أول ما شفتها عرفتها.
دنيا.
كانت أول مرة أشوفها من بعد التخرج.
أول ما عيوننا اتقابلت…
جرينا ناحية بعض.
ولا واحدة فينا قالت كلمة.
حضنّا بعض وإحنا بنعيط.
بعد دقائق، بعد ما هدينا شوية، بصتلي وقالت:
“سامحيني.”
هزيت رأسي.
“إنتِ مش السبب.”
قالت وهي تمسح دموعها:
“أنا كنت فاكرة إني مراته الوحيدة.”
ابتسمت بوجع.
“وأنا كنت فاكرة إني أول حب في حياته.”
قاطعنا المحقق بهدوء:
“في حاجة لازم تعرفوها.”
بصيناله.
قال:
“كل اللي شفناه لحد دلوقتي مجرد جرائم مالية.”
سألته:
“يعني إيه؟”
تنهد وقال:
“في قضية أكبر.”
“إيه هي؟”
أخرج ظرفًا بنيًا مغلقًا من الملف.
كان عليه عبارة مكتوبة بخط اليد:
“لا يُفتح إلا بحضور جميع الضحايا.”
نظر إلينا ثم قال:
“الظرف ده وصل مكتبنا من أسبوع.”
“مين بعته؟”
“شخص مجهول.”
“وجواه إيه؟”
أجاب بصوت منخفض:
“ما نعرفش… لكن اللي بعته كتب جملة واحدة.”
وسحب الورقة الصغيرة المرفقة وقرأها بصوت واضح:
“إذا فتحتوا الظرف… هتعرفوا إن اسم كريم الحقيقي… ليس كريم أصلًا.”
وفجأة…
رن هاتف كريم الموجود على الترابيزة.
كل الموجودين بصوا للشاشة في نفس اللحظة.
والاسم اللي ظهر عليها…
خلّى حتى المحقق يتجمد في مكانه.
“أبي.”
لكن المحقق همس وهو يحدق في الاسم:
“مستحيل…”
سألته بسرعة:
“إيه اللي مستحيل؟”
قال وهو يزداد شحوبًا:
“لأن الرجل صاحب هذا الرقم… مُعلن وفاته رسميًا من أكثر من عشر سنوات.”
الفصل الخامس
فضل رنين الهاتف يملأ الشقة.
ولا حد فينا اتحرك.
الكل كان باصص للشاشة.
“أبي…”
الكلمة كانت بسيطة.
لكن رد فعل المحقق خلاها تبقى مرعبة.
مد إيده بسرعة وقال:
“محدش يرد.”
لكن قبل ما يوصل للموبايل…
المكالمة اتقفلت.
وبعدها بثانيتين وصلت رسالة.
فتحها المحقق بحذر.
كانت جملة واحدة.
“قلتلكم متفتحوش الظرف قبل ما الكل يجتمع.”
سكتنا.
بعدين كملنا قراءة الرسالة.
“لسه ناقص ضحية واحدة.”
بصيت للمحقق.
“يعني إيه ناقصة واحدة؟”
فتح الملف وقعد يعد الصور.
أنا.
دنيا.
نهى.
البنت اللي من المنصورة.
البنت اللي من أسيوط.
هبة.
ست صور.
قال:
“واضح إن فيه واحدة سابعة.”
في اللحظة دي…
كريم لأول مرة ابتسم.
ابتسامة صغيرة لكنها كانت مستفزة.
قال بهدوء:
“مش هتلاقوها.”
المحقق قرب منه.
“ليه؟”
قال:
“لأنها اختفت.”
دنيا صرخت فيه:
“هي فين؟”
رد وهو باصص في الأرض:
“معرفش.”
لكن المحقق قال بثقة:
“إنت بتكدب.”
ثم أخرج جهازًا صغيرًا من جيبه، ووصله بهاتف كريم.
بعد أقل من دقيقة، ظهرت عشرات الملفات.
صور.
محادثات.
عقود.
نسخ بطاقات.
وحسابات بنكية.
كل حاجة كانت مترتبة داخل مجلدات بأسماء محافظات.
القاهرة.
الإسكندرية.
المنصورة.
أسيوط.
الغردقة.
الإسماعيلية.
لكن فيه مجلد أخير كان عليه كلمة واحدة.
“الأخيرة.”
المحقق فتحه.
لقينا صورة بنت في منتصف العشرينات.
كانت قاعدة في كافيه.
بتضحك.
وحواليها تجهيزات فرح.
تاريخ الصورة…
من أسبوعين فقط.
يعني كانت آخر ضحية.
قال المحقق:
“اسمها مريم.”
دورت بعيني على كريم.
كان وشه شاحب.
واضح إنه مكنش متوقع حد يوصل للملفات دي.
المحقق فتح آخر ملف.
كان فيه عنوان.
ورقم عمارة.
واسم شارع.
قال بسرعة:
“لازم نتحرك دلوقتي.”
أنا ودنيا ركبنا معاه العربية.
طول الطريق ولا واحدة فينا كانت قادرة تتكلم.
بعد حوالي ساعة…
وقفنا قدام عمارة هادية.
طلعنا للدور الرابع.
خبط المحقق على الباب.
محدش رد.
كرر الخبط.
برضه مفيش.
اضطر يطلب من البواب مفتاحًا احتياطيًا بعد إثبات هويته.
أول ما الباب اتفتح…
لفحتنا ريحة تراب.
الشقة كانت فاضية تقريبًا.
لكن واضح إن حد كان ساكن فيها لحد وقت قريب.
على الترابيزة كان فيه فستان فرح داخل غلاف بلاستيك.
وبجانبه دعوات زفاف.
العريس…
“كريم الشاذلي.”
العروسة…
“مريم عبدالعزيز.”
يعني بعد ما كان بيجهز لفرحي…
كان بيجهز فرح تالت في نفس الفترة.
دنيا انهارت على الكرسي.
أما أنا فلفت انتباهي دفتر صغير فوق الترابيزة.
فتحته.
كان عبارة عن مذكرات.
آخر صفحة كانت مكتوبة بخط مرتب:
“لو حصل لي أي حاجة… فاعرفوا إن اسمه الحقيقي مش كريم… وإن الراجل اللي بيقول إنه أبوه مش ميت… هو اللي علمه كل حاجة.”
وفي آخر السطر…
كان فيه عنوان مزرعة قديمة خارج المدينة.
ومكتوب تحته:
“هناك تبدأ الحقيقة.”
بص المحقق لعنوان المزرعة، ثم قال بصوت حاسم:
“واضح إن كل اللي عرفناه لحد دلوقتي كان مجرد البداية… ولو المذكرات دي صحيحة، فإحنا مش قدام نصاب واحد… إحنا قدام شبكة كاملة، وكريم مجرد واحد من اللي بيشتغلوا فيها.”
الفصل الأخير
وصلنا المزرعة قبل شروق الشمس.
كانت بعيدة عن الطريق الرئيسي، محاطة بأشجار عالية وسور قديم متآكل.
كل شيء فيها كان يوحي إنها مهجورة من سنين.
لكن أول ما نزلنا من العربية، لاحظ المحقق آثار كاوتش عربية حديثة.
قال بهدوء:
“في حد كان هنا من ساعات.”
دخلنا بحذر.
المكان كان عبارة عن بيت ريفي كبير.
الأثاث قديم، لكن في أوضة واحدة كان واضح إنها مستخدمة باستمرار.
على المكتب لاب توب مفتوح.
وأكوام ملفات.
وصور.
مئات الصور.
كل صورة لبنت مختلفة.
ومع كل صورة اسم.
ورقم بطاقة.
وعنوان.
وتاريخ.
قال المحقق وهو يقلب الملفات:
“دي مش قصة واحدة… دي شبكة نصب منظمة.”
وفجأة لقينا ملف مكتوب عليه:
“كريم.”
فتحناه.
وكانت المفاجأة.
اسمه الحقيقي لم يكن كريم.
ولا كريم الحسيني.
ولا كريم الشاذلي.
اسمه الحقيقي كان…
محمود فؤاد.
شاب هرب من بيت أهله وهو عنده تسعتاشر سنة، وبعدها انضم لعصابة متخصصة في الاحتيال على السيدات عن طريق علاقات الزواج الوهمية.
أما الرجل الذي كان يتصل به ويظهر على الهاتف باسم “أبي” فلم يكن والده الحقيقي.
كان زعيم الشبكة.
وكان الجميع يناديه “الحاج”.
أما خبر وفاته قبل عشر سنوات…
فكان مجرد وفاة مزورة حتى يختفي من أعين الشرطة.
وبينما المحقق يراجع الملفات، سمعنا صوت عربية بتقف برا.
جرينا ناحية الشباك.
لقينا عربية سوداء.
نزل منها ثلاثة رجال.
وفي المقعد الخلفي…
كان كريم.
واضح إنه قدر يهرب بعد ما خرج من الشقة.
لكن المرة دي ماكنش لوحده.
قال المحقق بسرعة:
“اتصلوا بالشرطة.”
في أقل من عشر دقائق، المكان كله اتحاصر.
حاول الرجال يهربوا من الباب الخلفي.
لكنهم اتفاجئوا بقوات الأمن داخلة من كل الاتجاهات.
بدأت مطاردة قصيرة وسط الأرض الزراعية.
وفي النهاية…
وقع كريم وهو بيجري بعد ما تعثر في مجرى ري.
وقف يبص ناحيتي.
كان مبلول بالطين.
ومنهار.
وقال لأول مرة بصوت مكسور:
“أنا كنت بحبك.”
بصيتله بهدوء.
وقلت:
“اللي بيحب… عمره ما يبني حياته على الكذب.”
أنزل رأسه.
واتقبض عليه هو وباقي أفراد الشبكة.
—
بعد شهور…
بدأت المحاكمات.
اتضح إن الشبكة احتالت على عشرات السيدات في محافظات مختلفة.
واستولت على ملايين الجنيهات بالمستندات المزورة.
كل الضحايا شهدوا.
أنا.
ودنيا.
ونهى.
ومريم.
وغيرهم.
كل واحدة كانت فاكرة إنها الوحيدة.
لكن الحقيقة إننا كنا سبب نجاة بعض.
صدر الحكم بالسجن المشدد على جميع أفراد الشبكة، مع إلزامهم برد الأموال وتعويض الضحايا.
—
بعد سنة كاملة…
رجعت حياتي تهدى تدريجيًا.
لغيت الفرح.
بعت الشبكة.
وسافرت كام يوم أرتب أفكاري.
الغريب إن الشخص اللي وقف جنبي طول الفترة دي…
كانت دنيا.
الصاحبة اللي كنت فاكرة إنها خانتني.
اكتشفنا إننا إحنا الاتنين اتخدعنا بنفس الطريقة.
ورجعت صداقتنا أقوى من الأول.
وفي يوم، وإحنا قاعدين على البحر في الإسكندرية، ضحكت وقالت:
“تفتكري لو ما كنتش نزلت الصورة دي، كنا عرفنا الحقيقة؟”
ابتسمت وأنا ببص للموج.
وقلت:
“يمكن ربنا أنقذنا قبل ما حياتنا تضيع.”
بعدها بشهور، فتحت مشروع صغير كنت بحلم بيه من زمان.
وكان أول قرار أخدته…
إني ما أخليش أي تجربة مؤلمة توقف حياتي.
لأن الخيانة ممكن تكسر القلب…
لكنها مش لازم تكسر الإنسان.
أما كريم…
فآخر مرة شفته فيها كانت داخل قاعة المحكمة.
كان واقف داخل القفص، يبص ناحية الأرض.
لا معاه مال.
ولا سلطة.
ولا أكاذيب يستخبى وراها.
وافتكرت وقتها أول صورة شفتها على فيسبوك.
الصورة اللي كنت فاكرة إنها هتنهي حياتي.
لكنها في الحقيقة…
كانت بداية النجاة.
تمت.
