ضرتي هانم حكـايـات أسمـا ×3
ياسمين قامت من مكانها بعنف لدرجة إن الكرسي اتحرك ووقع وراها.
آسر التقط الموبايل من إيديها بسرعة وقرأ الرسالة، وملامحه اتشدت فورًا.
— يعني إيه ليلى اختفت؟
قلب ياسمين كان بيدق بعنف مرعب.
اتصلت بكريم فورًا.
المرة دي رد من أول رنة، وصوته كان متكسر بشكل عمرها ما سمعته منه: — مش لاقيينها… خرجت من البيت بعد الخناقة ومحدش عارف راحت فين.
ياسمين حسّت إن روحها انسحبت منها.
— إزاي تسيبوا طفلة تخرج لوحدها؟!
— أنا كنت بدور عليها… ونادين قالت إنها في أوضتها. ولما فتحت الباب ما كانتش موجودة.
ليلى كانت عندها سبع سنين فقط.
سبع سنين!
ياسمين بدأت تلبس جاكتها بسرعة وهي بتحاول تتحكم في رعشة إيديها.
آسر وقف فورًا: — أنا هاجي معاكِ.
طول الطريق، القاهرة كانت زحمة بشكل مستفز.
كريم بعت آخر مكان الكاميرات شافتها فيه: شارع قريب من بيتهم القديم في المعادي.
ولما وصلوا، لقوا كريم واقف في الشارع بشكل منهار.
أول ما شاف ياسمين، جري ناحيتها: — أنا آسف… والله ما كنت أقصد…
لكنها قاطعته بحدة: — ليلى فين؟!
كان وشه شاحبًا بشكل مخيف.
— محدش عارف.
نادين كانت واقفة بعيد تبكي بانهيار، لكن ياسمين ما بصتلهاش حتى.
كل تفكيرها كان في الطفلة الصغيرة.
بدأوا يدوروا في الشوارع، يسألوا الأمن، أصحاب المحلات، أي حد.
الساعات كانت بتمر ببطء قاتل.
لحد ما آسر وقف فجأة وقال: — استنوا.
كان واقف قدام مكتبة صغيرة مقفولة.
وأشار ناحية الواجهة الزجاجية.
جوه… كانت ليلى قاعدة في الركن، ضامة شنطتها لصدرها ونايمة من التعب.
ياسمين جريت ناحيتها وهي بتحس إن رجليها مش شايلينها.
صاحب المكتبة كان عجوز طيب، قال إنه لقاها قاعدة تبكي قدام المحل بعد القفل، فخاف يسيبها لوحدها.
أول ما ليلى فتحت عينيها وشافت ياسمين… انفجرت في العياط.
حضنتها بقوة وهي بتصرخ: — كنت فاكرة إنك هتسيبيني زيهم!
قلب ياسمين اتقطع.
— مستحيل أسيبك يا حبيبتي… مستحيل.
ليلى كانت مرعوبة.
وبين شهقاتها قالت الحقيقة اللي خلت الكل يسكت.
— سمعت نادين وهي بتقول لبابا إنه لو فضل يفكر فيك هتخليه يخسر كل حاجة… وإنها بتكرهني علشان بحبك.
كريم قفل عينيه بألم.
أما نادين… فوشها كان مليان صدمة ورعب.
ليلى كملت وهي تبكي: — وأنا خفت… خفت بابا يسيبني زي ما سابك.
الجملة نزلت كالسكين على قلب كريم.
لأول مرة يشوف نفسه بعينين طفلة صغيرة.
وشاف قد إيه كان أناني وقاسي.
ياسمين أخدت ليلى في حضنها وقررت في اللحظة دي إنها مش هتسيبها ترجع البيت الليلة.
كريم حاول يعترض: — ياسمين…
لكنها بصتله ببرود: — بنتك محتاجة أمان… وإنت مش قادر توفره دلوقتي.
والمرة دي… ما قدرش يرد.
في شقة ياسمين، ليلى نامت على الكنبة وهي ماسكة إيدها بخوف.
ياسمين فضلت قاعدة جنبها بالساعات.
آسر قرب منها بهدوء: — إنتِ بتحبيها جدًا.
ابتسمت بحزن: — لأنها طول عمرها اتحرمت من الإحساس إنها أولوية عند حد.
سكت لحظة ثم قال: — زيك بالظبط.
الكلمة هزتها من جواها.
لأنها كانت الحقيقة.
كل عمرها كانت الاختيار التاني. الاحتياطي. الحد اللي الناس ترجعلُه وقت الحاجة فقط.
لكن لأول مرة… بقى عندها ناس تختارها هي.
تاني يوم الصبح، كريم جه ياخد ليلى.
كان شكله مرهق جدًا.
وقف قدام ياسمين وقال بصوت واطي: — أنا محتاج أتكلم معاكِ.
آسر كان موجود، لكن ياسمين طلبت منه يسيبهم دقيقة.
كريم بص حواليه للشقة الهادية، والرسومات، والضوء اللي مالي المكان.
ثم قال: — كنت غبي.
ياسمين سكتت.
— طول الوقت كنت فاكر إن النجاح لازم يبقى بالشكل اللي الناس متعودة عليه… وظيفة… منصب… شهادة… لكن إنتِ بنيتي عالم كامل وأنا حتى ما حاولتش أفهمه.
بصتله بهدوء وقالت: — متأخر يا كريم.
دموع اتحبست في عينيه لأول مرة.
— عارف.
سكت ثانية ثم قال: — أنا سيبت نادين.
اتصدمت للحظة.
— إمتى؟
— بعد اللي حصل امبارح. فهمت إن البيت بقى مسموم… وإن عمري ما كنت مرتاح معاها زي ما كنت معاكِ.
ياسمين ماحستش بالانتصار.
الغريب… إنها ما حست بحاجة تقريبًا.
لأن قلبها كان اتحرك بعيد عنه من زمان.
قال فجأة: — لو في فرصة…
قاطعتُه بهدوء: — مفيش.
الكلمة كانت هادية جدًا… لكن حاسمة.
كريم نزل بعينه للأرض.
— حتى بعد كل اللي حصل؟
— الحب مش زرار بيتفتح ويقفل يا كريم. إنت كسرت حاجة جوايا… ولما فوقت، اكتشفت إني بقيت أسعد من غيرك.
الجملة قتلته ببطء.
ولأول مرة… فهم إن الخسارة الحقيقية مش إنه فقد زوجة.
هو فقد إنسانة كانت بتحبه بصدق نادر.
بعد ما مشي، آسر رجع.
بص لياسمين وسأل بابتسامة خفيفة: — خلص؟
هزت راسها.
قرب منها وقال: — وزعلانة؟
بصت ناحية الشباك للحظة… ثم ابتسمت أخيرًا.
— لا.
وده كان أول رد صادق من قلبها.
مرت الشهور بسرعة بعدها.
مشروع الرسوم المتحركة حقق نجاح ضخم جدًا.
شخصيات ياسمين بقت على شنط الأطفال، والأدوات المدرسية، وحتى إعلانات الشوارع.
اسم “رحاب المنسي” بقى علامة كاملة.
لكن النجاح الحقيقي بالنسبة ليها… ماكانش الفلوس.
كان البيت.
الدفا.
الإحساس إنها أخيرًا بقت كفاية.
ليلى بقت تزورها طول الوقت، وكريم بدأ يركز على إنه يبقى أب أحسن بدل ما يطارد الماضي.
أما نادين… فاختفت بالتدريج من حياتهم.
آخر حاجة وصلتلهم عنها إنها سابت القاهرة وسافرت بعد ما حياتها كلها انهارت.
وفي ليلة هادية بعد سنة كاملة، كانت ياسمين واقفة في بلكونة شقتها، لابسة بيجامة مريحة، وشعرها مربوط بعشوائية، بينما آسر بيحضر العشا جوا.
ريحة المكرونة والصوص كانت مالية المكان.
وفجأة، آسر خرج للبلكونة وهو ماسك علبة صغيرة.
ياسمين بصتله باستغراب: — إيه ده؟
ابتسم بتوتر واضح لأول مرة: — أنا طول عمري شاطر في البيزنس… لكن في الحاجات المهمة بخاف.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
فتح العلبة… وخاتم بسيط وناعم لمع تحت نور القاهرة.
قال بصوت هادي: — أنا مش عايزك قوية طول الوقت… ولا مثالية… ولا ناجحة حتى. أنا بس عايزك معايا.
دموعها نزلت بدون ما تحس.
لأنها طول عمرها كانت بتحاول تثبت قيمتها للناس.
ولأول مرة… حد بيحبها بدون ما يطلب منها تثبت أي حاجة.
ضحكت وسط دموعها وهمست: — موافقة.
في نفس اللحظة، ليلى خرجت تجري من الأوضة وهي تصرخ بفرحة: — هييييه! كنت عارفة!
ضحكوا كلهم.
وآسر شد ياسمين لحضنه أخيرًا.
تحت نور القاهرة… وبعد سنين من التقليل والخذلان…
ياسمين فهمت الحقيقة اللي كانت غايبة عنها طول عمرها:
بعض الخسارات… بتكون أعظم إنقاذ ممكن يحصل للإنسان.
والرجل اللي ظن يومًا إنها بلا قيمة…
كان مجرد فصل صغير جدًا… في قصة امرأة بنت إمبراطوريتها بصمت، ثم وجدت أخيرًا المكان الذي تُحب فيه كما تستحق.
تمت
