ليلة زفافي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الخامس

 

في البداية ظننت أن الملف وصل بالخطأ.

 

أغلقت الصفحة الأولى.

 

ثم فتحتها مرة أخرى.

 

الاسم نفسه.

 

التوقيع نفسه.

 

والتاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.

 

جلست ببطء على الكرسي.

 

وأخذت أقرأ من جديد.

 

كان الملف يخص والد كريم.

 

الرجل الذي توفي منذ سنوات طويلة.

 

الرجل الذي كان الجميع يصفه بأنه رجل أعمال محترم بنى ثروته بعرق جبينه.

 

لكن الحقيقة التي كانت أمامي الآن مختلفة تمامًا.

 

مختلفة بصورة مرعبة.

 

لأن جزءًا كبيرًا من ثروة عائلة الشاذلي لم يأتِ من التجارة.

 

ولم يأتِ من العقارات.

 

ولم يأتِ من الاستثمارات.

 

بل من أموال اختفت في ظروف غامضة.

 

وأصول تم نقل ملكيتها بطرق معقدة.

 

وشركات أُنشئت بأسماء وهمية.

 

ثم أُغلقت قبل أن يلاحظها أحد.

 

رفعت رأسي عن الملف.

 

وأخذت نفسًا عميقًا.

 

لأول مرة منذ ليلة الزفاف…

 

شعرت أن الأمر أكبر من مجرد خيانة زوج.

 

وأكبر من مجرد امرأة انتهازية.

 

هناك شيء أعمق.

 

وأخطر.

 

—

 

بعد ساعتين فقط…

 

وصل كريم إلى مكتبي مرة أخرى.

 

لكن هذه المرة كان يبدو مختلفًا.

 

أكثر هدوءًا.

 

وأكثر تعبًا.

 

وكأنه كبر عشر سنوات خلال أسبوع واحد.

 

جلس أمامي دون أن يطلب الإذن.

 

ثم قال:

 

“المحامي بلغني إن في ملفات جديدة.”

 

لم أجب فورًا.

 

دفعت الملف نحوه.

 

وقلت:

 

“اقرأ.”

 

أخذ الملف.

 

وبدأ يقلب الصفحات.

 

ومع كل صفحة…

 

كان وجهه يزداد شحوبًا.

 

ثم توقف فجأة.

 

وقال بصوت مرتجف:

 

“مستحيل.”

 

أشرت إلى الورقة.

 

“الأرقام حقيقية.”

 

هز رأسه بعنف.

 

“أبويا عمره ما يعمل كده.”

 

لكن المستندات لم تهتم بمشاعره.

 

كانت واضحة.

 

وقاسية.

 

ولا تترك مجالًا للشك.

 

—

 

مرّت دقائق طويلة.

 

لم يتكلم خلالها أي منا.

 

ثم قال أخيرًا:

 

“يعني كل اللي كنت فاكره صح… كان كدب؟”

 

نظرت إليه.

 

وأجبت بهدوء:

 

“مش كله.”

 

رفع عينيه نحوي.

 

فأكملت:

 

“أبوك كان بيحبك.”

 

“وده واضح.”

 

“لكن واضح كمان إنه أخفى حاجات كتير.”

 

خفض رأسه.

 

وبدا لأول مرة كطفل ضائع.

 

لا كرجل أعمال.

 

ولا كزوج سابق.

 

ولا كوريث إمبراطورية.

 

مجرد ابن اكتشف أن صورة والده التي عاش عمره كله يؤمن بها…

 

لم تكن كاملة.

 

—

 

في تلك الليلة…

 

عاد كريم إلى منزل والده القديم.

 

الفيلا المهجورة التي لم يدخلها أحد منذ سنوات.

 

كانت تقع على أطراف القاهرة.

 

خلف أسوار عالية.

 

وأشجار ضخمة.

 

وممر حجري طويل.

 

فتح الباب بنفسه.

 

ودخل.

 

كان المكان مغطى بطبقات من الغبار.

 

لكن كل شيء بقي كما هو.

 

المكتب.

 

الصور.

 

الستائر.

 

حتى رائحة المكان.

 

وكأن الزمن توقف داخله.

 

بدأ يبحث.

 

لا يعرف عمّا يبحث تحديدًا.

 

لكن شيئًا داخله كان يخبره أن هناك إجابة ما مخبأة بين الجدران.

 

مرت ساعة.

 

ثم ساعتان.

 

ثم ثلاث.

 

حتى توقف أمام لوحة قديمة معلقة فوق المكتب.

 

شيء فيها بدا غريبًا.

 

اقترب أكثر.

 

ثم مد يده.

 

وحركها.

 

فصدر صوت خافت.

 

نقرة معدنية.

 

تجمد مكانه.

 

ثم سحب اللوحة بالكامل.

 

لتظهر خلفها خزنة حديدية صغيرة.

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

كنت ما أزال في مكتبي.

 

أراجع بقية الملفات.

 

حين دخلت مساعدتي بسرعة غير معتادة.

 

وقالت:

 

“في حاجة لازم تشوفيها.”

 

رفعت رأسي.

 

فوضعت جهازًا لوحيًا أمامي.

 

وعليه رسالة وصلت منذ دقائق.

 

مرسلها مجهول.

 

لكن محتواها جعل الدم يتجمد في عروقي.

 

كانت صورة.

 

صورة قديمة جدًا.

 

يظهر فيها والدي.

 

ووالد كريم.

 

وشخص ثالث لم أره من قبل.

 

لكن أسفل الصورة كانت جملة واحدة:

 

“إذا أردتِ الحقيقة كاملة… ابحثي عن الرجل الثالث.”

 

—

 

أما كريم…

 

فكان يقف أمام الخزنة.

 

يحاول فتحها.

 

وبعد عدة محاولات…

 

استجاب القفل أخيرًا.

 

انفتح الباب المعدني ببطء.

 

وظهر ما بداخله.

 

ملفات.

 

عقود.

 

وأسطوانات تخزين قديمة.

 

لكن أكثر ما لفت انتباهه…

 

كان ظرفًا أصفر كبيرًا.

 

مكتوبًا عليه بخط يد والده:

 

“إلى كريم… إذا كنت تقرأ هذا الآن، فمعنى ذلك أن كل شيء انكشف.”

 

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

 

وأخذ الظرف بيد مرتجفة.

 

ثم فتحه.

 

وبدأ يقرأ.

 

ومع أول سطر…

 

اتسعت عيناه بشكل مرعب.

 

لأن الرسالة بدأت بكلمات لم يكن يتخيل أن يقرأها يومًا:

 

“يا ابني… أنا لست الرجل الذي كنت تظنه.”

 

—

 

في الوقت نفسه تقريبًا…

 

وصلني اتصال من رقم دولي.

 

رقم لم أعرفه.

 

ترددت ثانية.

 

ثم أجبت.

 

جاءني صوت رجل مسن.

 

هادئ.

 

وواثق.

 

وقال مباشرة:

 

“أنتِ سارة عبد الرحمن؟”

 

عقدت حاجبي.

 

“نعم.”

 

ساد الصمت لحظة.

 

ثم قال:

 

“أنا الرجل الموجود في الصورة.”

 

تجمدت يدي فوق الهاتف.

 

وأكمل:

 

“والحقيقة التي تبحثين عنها ستغير كل شيء تعرفينه عن عائلتك.”

 

شعرت بأنفاسي تتباطأ.

 

ثم سألته:

 

“مين حضرتك؟”

 

فجاء الرد الذي قلب كل شيء:

 

“أنا الشريك الرابع.”

 

ارتجف قلبي.

 

لأن كل الملفات كانت تتحدث عن ثلاثة شركاء فقط.

 

ثلاثة.

 

وليس أربعة.

 

لكن الرجل أكمل بهدوء:

 

“وأحدهم خان الباقين.”

 

ثم أغلق الخط.

 

وبقيت أنظر إلى الهاتف.

 

وأدرك أن قصة كريم وياسمين لم تكن سوى الباب.

 

أما ما خلف الباب…

 

فكان سرًا عمره أكثر من عشرين سنة.

 

سرًا قادرًا على إسقاط أسماء كبيرة.

 

وتدمير إمبراطوريات كاملة.

 

وربما…

 

إعادة كتابة تاريخ عائلتي وعائلة كريم من البداية.

الفصل السادس

 

لم ينم كريم تلك الليلة.

 

جلس داخل مكتب والده القديم.

 

والمصباح الأصفر الوحيد فوق المكتب يلقي ظلالًا طويلة على الجدران.

 

بين يديه كانت الرسالة.

 

الرسالة التي كتبها والده قبل سنوات.

 

الرسالة التي شعر منذ اللحظة الأولى أنها ستغير حياته.

 

أخذ نفسًا عميقًا.

 

ثم أكمل القراءة.

 

“يا كريم…

 

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فمعنى ذلك أن الأسرار التي دفنتها بدأت تخرج إلى النور.

 

وأعرف أنك الآن غاضب.

 

وربما تكرهني.

 

لكن قبل أن تحكم عليّ…

 

اسمع الحقيقة كاملة.”

 

توقف كريم للحظة.

 

ثم تابع.

 

“منذ خمسة وعشرين عامًا تأسست شركة صغيرة.

 

لم تكن باسم الشاذلي.

 

ولا باسم عبد الرحمن.

 

كانت مجرد حلم لأربعة رجال.”

 

شعر كريم بتسارع نبضاته.

 

أربعة.

 

نفس الرقم الذي ذكره الرجل المجهول.

 

تابع القراءة.

 

“أنا.

 

ووالد سارة.

 

وشخص اسمه عادل مراد.

 

والشريك الرابع.”

 

هنا توقف السطر.

 

وكأن الكاتب تعمد ذلك.

 

ثم أكمل في الصفحة التالية.

 

“الرجل الذي لا يجب أن يعرف أحد أنه كان موجودًا.”

 

—

 

في القاهرة…

 

كنت أجلس في مكتبي بعد منتصف الليل.

 

وأمامى الصورة القديمة.

 

أربعة رجال يقفون بجوار بعضهم.

 

أبي.

 

ووالد كريم.

 

والرجل الذي اتصل بي.

 

وشخص رابع.

 

لكن وجهه كان مشوشًا عمدًا.

 

وكأن أحدهم حاول إخفاء هويته.

 

دخل مدير الأمن الخاص بالمجموعة.

 

ووضع ملفًا جديدًا أمامي.

 

قال:

 

“لقينا حاجة.”

 

فتحت الملف.

 

وكانت الصدمة.

 

لأن الاسم الموجود داخله…

 

أعرفه جيدًا.

 

بل وأراه تقريبًا كل أسبوع.

 

شخص قريب جدًا من العائلة.

 

شخص لم يخطر ببالي للحظة.

 

—

 

في الفيلا القديمة…

 

واصل كريم القراءة.

 

“في البداية كنا إخوة.

 

بنينا كل شيء معًا.

 

لكن عندما بدأت الأموال تكبر…

 

بدأ الخوف.”

 

أغلق كريم عينيه.

 

كان يشعر بأن والده يجلس أمامه الآن.

 

ويتحدث إليه بنفسه.

 

“الخيانة لم تأتِ من الخارج.

 

الخيانة خرجت من بيننا.”

 

انقبض قلبه.

 

ثم وصل إلى السطر الأخطر.

 

“والشخص الذي خان الجميع…

 

لم يكن أنا.”

 

—

 

رفع كريم رأسه بسرعة.

 

وشعر ببرودة تسري في جسده.

 

أكمل القراءة.

 

“أعرف أن الجميع سيعتقدون أنني المذنب.

 

لأنني أخذت الأموال واختفيت.

 

لكن الحقيقة مختلفة.”

 

ثم ظهرت جملة جعلته يتجمد.

 

“أنا سرقت الأموال لأحميها.”

 

—

 

في اللحظة نفسها…

 

كنت أراجع الملف الجديد.

 

وأشعر بأن كل ما عرفته سابقًا ينهار.

 

لأن الوثائق تشير إلى أن والدي لم يكن الضحية الوحيدة.

 

بل كان يحاول كشف مؤامرة أكبر.

 

مؤامرة تورط فيها أحد أقرب الأشخاص إليه.

 

وأحد أكثر الأشخاص نفوذًا اليوم.

 

—

 

رن هاتفي.

 

مرة أخرى.

 

الرقم الدولي نفسه.

 

أجبت فورًا.

 

جاءني صوت الرجل العجوز.

 

هادئًا كما كان دائمًا.

 

قال:

 

“هل عرفتِ من هو الشريك الرابع؟”

 

أجبت:

 

“أظن ذلك.”

 

ضحك.

 

ضحكة قصيرة حزينة.

 

ثم قال:

 

“لا.”

 

عقدت حاجبي.

 

“ماذا تقصد؟”

 

فأجاب:

 

“الاسم الذي وجدتيه ليس الشريك الرابع.”

 

شعرت بالتوتر يتصاعد.

 

“إذن من هو؟”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال:

 

“الشريك الرابع مات رسميًا منذ عشرين سنة.”

 

تجمدت يدي.

 

وأكمل:

 

“لكن الحقيقة…

 

أنه ما زال حيًا.”

 

—

 

في الفيلا…

 

وصل كريم إلى آخر صفحات الرسالة.

 

وكانت الصدمة الأخيرة تنتظره.

 

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة…

 

فابحث عن الخزنة الثانية.”

 

توقف.

 

ثم نظر حوله.

 

خزنة ثانية؟

 

بدأ يبحث بعينيه.

 

حتى وقع نظره على مكتبة ضخمة في آخر الغرفة.

 

اقترب منها.

 

ثم وجد شيئًا غريبًا.

 

أحد الكتب مثبت بطريقة مختلفة.

 

سحبه.

 

فصدر صوت ميكانيكي خافت.

 

وببطء…

 

تحرك جزء من الحائط.

 

ليظهر ممر صغير مخفي.

 

شعر كريم بأن قلبه يقفز داخل صدره.

 

وتقدم إلى الداخل.

 

—

 

أما أنا…

 

فكنت أستمع إلى الرجل على الهاتف.

 

حين قال فجأة:

 

“لو كنتِ تريدين الحقيقة كاملة…

 

اذهبي غدًا إلى الإسكندرية.”

 

“لماذا؟”

 

“لأن الشخص الذي تبحثين عنه هناك.”

 

“من؟”

 

أجاب بكلمة واحدة فقط.

 

ثم أغلق الخط.

 

كلمة جعلتني أقف من مكاني فورًا.

 

وأعيد النظر إلى الصورة القديمة.

 

مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم عشر مرات.

 

لأن الاسم الذي نطقه…

 

كان اسم شخص أعتقدت طوال حياتي أنه مات.

 

—

 

في الجهة الأخرى…

 

وصل كريم إلى نهاية الممر السري.

 

ووجد بابًا فولاذيًا ضخمًا.

 

احتاج عدة دقائق حتى فتحه.

 

وحين انفتح أخيرًا…

 

توقف تنفسه.

 

الغرفة كانت مليئة بالملفات.

 

والوثائق.

 

وصناديق مغلقة.

 

لكن الشيء الذي صدمه حقًا…

 

كان صورة معلقة على الحائط.

 

صورة حديثة.

 

ليست قديمة.

 

التُقطت قبل أقل من عام.

 

وتضم أربعة أشخاص.

 

أربعة.

 

تمامًا كما في الصورة الأولى.

 

لكن الصدمة لم تكن في عددهم.

 

بل في أحد الوجوه الموجودة بالصورة.

 

لأن الشخص الذي يفترض أنه مات منذ عشرين سنة…

 

كان يقف بينهم مبتسمًا.

 

حيًا.

 

وبصحة كاملة.

 

وتحت الصورة كانت عبارة قصيرة بخط اليد:

 

“الحقيقة تبدأ من هنا.”

 

أما كريم…

 

فلم يكن يعلم بعد أن الشخص الموجود في الصورة…

 

على وشك أن يدخل حياته من جديد.

 

وأن اللقاء القادم لن يكشف فقط سر والده.

 

بل سيكشف السر الأخطر على الإطلاق…

 

السبب الحقيقي وراء اختيار كريم نفسه منذ البداية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *