خذلان حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الخامس
كانت ياسمين تحاول تثبيت أنفاسها.
كل كلمة قالها الرجل كانت تجعل الخوف يكبر داخلها.
لكن وسط الرعب كله…
كان هناك سؤال واحد فقط يدور في رأسها.
قالت بصوت مرتجف:
“إنتوا عايزين مني إيه؟”
ابتسم الرجل بهدوء.
ثم أشعل سيجارة.
وقال:
“ولا حاجة منك.”
“إحنا عايزين أبوكي.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“من عشر سنين ضيع ناس كتير.”
“وخسر ناس مليارات.”
“ودخل ناس السجون.”
“وفي ناس ماتت بسبب اللي عمله.”
هزت ياسمين رأسها بعنف.
وقالت:
“أبويا عمره ما كان مجرم.”
ضحك الرجل.
ضحكة باردة.
وقال:
“كل واحد بيشوف الحقيقة من ناحيته.”
ثم قام من مكانه.
واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج التفت إليها وقال:
“استمتعي بوقتك.”
“لأن الأيام الجاية هتكون صعبة جدًا.”
وأغلق الباب.
في نفس اللحظة…
كان فؤاد الشاذلي داخل مكتب قديم في القاهرة.
مكتب لم يدخله منذ سنوات.
الجدران مليئة بالملفات.
والخزائن الحديدية الضخمة.
والرجال الذين معه كانوا ينظرون إليه بقلق.
أحدهم قال:
“إحنا لقينا مكان محتمل.”
رفع فؤاد رأسه بسرعة.
“فين؟”
أجاب الرجل:
“مخزن قديم على طريق الإسماعيلية.”
سأل آخر:
“ندخل فورًا؟”
لكن فؤاد ظل صامتًا.
ثم قال:
“لا.”
استغرب الجميع.
“ليه؟”
رد بهدوء:
“لأنهم مستنين ده.”
وأشار إلى خريطة كبيرة على الطاولة.
وأضاف:
“لو دخلنا بالطريقة دي هنخسر ياسمين.”
ثم أمسك قلمًا.
ووضع دائرة حول نقطة أخرى بعيدة.
وقال:
“المكان الحقيقي هنا.”
نظروا إليه بدهشة.
فسأله أحدهم:
“إزاي متأكد؟”
أجاب:
“لأني أعرف الشخص اللي خطفها.”
“وعارف طريقة تفكيره.”
في بيت الجندي…
كانت الكارثة بدأت فعلًا.
النيابة استدعت الأب.
والبنك جمد حسابات الشركة.
والصحافة بدأت تتكلم عن فضائح قديمة.
أما نادية الجندي…
فكانت تصرخ بشكل هستيري.
“كل ده بسبب البنت دي!”
لكن ابنها حسام كان جالسًا في صمت.
لأول مرة بدأ يرى نفسه كما هو.
تذكر ليلة الفرح.
تذكر صراخ ياسمين.
وتذكر جملته القذرة:
“بلاش على وشها عشان الصور.”
شعر بالغثيان.
لأول مرة في حياته.
لم يستطع النظر في المرآة.
في منتصف الليل…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف فؤاد.
صورة لياسمين.
لكن هذه المرة كانت تبكي.
ومرفق معها عنوان.
ورسالة قصيرة:
“تعال لوحدك.”
أي شخص آخر كان سيجري فورًا.
لكن فؤاد ابتسم فقط.
وقال:
“أخيرًا ارتكبوا الغلطة.”
سأله أحد الرجال:
“هنروح؟”
رد:
“آه.”
“بس مش بالطريقة اللي متوقعينها.”
الساعة الثانية فجرًا.
كان المكان عبارة عن مزرعة مهجورة.
بعيدة عن العمران.
ومحاطة بأشجار كثيفة.
وصلت سيارة سوداء.
نزل منها فؤاد وحده.
كما طلبوا.
على الأقل هذا ما ظنه الجميع.
تقدم ببطء نحو المخزن.
وفجأة خرج أربعة رجال مسلحين.
وجهوا الأسلحة نحوه.
وقال أحدهم:
“ارمِ الموبايل.”
نفذ الأمر.
ثم قال الرجل:
“ادخل.”
دخل فؤاد.
وكانت الإضاءة خافتة.
لكن أول ما وقعت عيناه على ياسمين…
توقف قلبه للحظة.
كانت مربوطة على كرسي.
مرهقة.
لكنها حية.
صرخت أول ما رأته:
“بابا!”
ابتسم لها.
وقال بهدوء:
“متخافيش.”
الرجل الذي يقود العملية خرج من الظلام.
وهو نفس الرجل ذو الشعر الأبيض.
وقال ساخرًا:
“لسه عندك أعصاب.”
رد فؤاد:
“وأنت لسه غبي.”
اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
وقال:
“إيه؟”
في تلك اللحظة…
انطفأت كل الأنوار فجأة.
وغرق المكان في الظلام.
ثم سُمع صوت قوي من الخارج.
تلاه صوت آخر.
ثم عشرات الأصوات.
صرخ أحد الخاطفين:
“في حد بره!”
وجاءه الرد بسرعة:
“المكان متحاصر!”
بدأ الذعر.
وأدرك الخاطفون أنهم وقعوا في الفخ.
أما فؤاد…
فكان واقفًا بثبات.
لأنه لم يأتِ وحده أبدًا.
وخلال دقائق قليلة…
تم القبض على أغلب أفراد العصابة.
بينما حاول قائدهم الهرب من باب خلفي.
لكنه فوجئ بشخص يقف أمامه.
كان حسام الجندي.
نعم…
حسام نفسه.
نظر إليه الرجل بدهشة.
وقال:
“إنت؟”
لكن حسام لكمه بكل قوته.
وقال بغضب:
“دي عشان ياسمين.”
وبعد دقائق…
كانت ياسمين حرة.
ترتمي في حضن أبيها.
وتبكي.
بينما فؤاد يحتضنها بقوة وكأنه يعوض عشر سنوات كاملة في لحظة واحدة.
بعد عدة أشهر…
حُكم على نادية الجندي ونانسي في قضية الاعتداء والتزوير.
وخسر والد حسام معظم ثروته بسبب قضايا الفساد القديمة.
أما حسام…
فطلب مقابلة ياسمين عشرات المرات.
لكنها رفضت.
ثم تقدمت بطلب طلاق رسمي.
وحصلت عليه.
وبدأت حياة جديدة.
أما فؤاد…
فعاد إلى حياة ابنته.
هذه المرة للأبد.
وفي يوم هادئ بعد عام كامل…
كانت ياسمين جالسة في حديقة الفيلا التي حاولوا سرقتها.
تنظر إلى السماء.
فجلس والدها بجوارها.
وقال مبتسمًا:
“عارفة أكتر حاجة ندمت عليها؟”
نظرت إليه.
فقال:
“إني ضيعت سنين بعيد عنك.”
ابتسمت ياسمين.
وأمسكت يده.
وقالت:
“المهم إنك رجعت.”
نظر إليها فؤاد.
ثم إلى البيت.
ثم إلى الشمس التي كانت تغرب بهدوء.
وشعر لأول مرة منذ سنوات طويلة…
أن المعركة انتهت.
وأن ابنته أصبحت أخيرًا في أمان.
.الفصل السادس
لكن الحقيقة…
إن المعركة ما كانتش انتهت.
ولا حتى قربت تنتهي.
بعد أسبوعين فقط من القبض على العصابة…
كانت ياسمين بتحاول ترجع لحياتها الطبيعية.
بدأت جلسات العلاج النفسي.
وبدأت تخرج من البيت شوية شوية.
وتحاول تنسى.
لكن في صباح يوم خريفي هادئ…
وصل ظرف أبيض إلى الفيلا.
من غير اسم مرسل.
ومن غير عنوان.
الخادمة حطته على الطاولة.
وما حدش اهتم.
لحد ما ياسمين فتحته.
وفجأة…
وقع لونها.
وشحب وشها بالكامل.
منى جريت عليها.
وقالت:
“مالك؟”
لكن ياسمين ما ردتش.
كانت بتبص للورقة وكأنها شافت شبح.
فؤاد أخذها من إيدها.
وقرأ السطر الأول.
فتغيرت ملامحه فورًا.
لأن الرسالة كانت مكتوبة بخط اليد.
وفيها جملة واحدة فقط:
“مش كل اللي شاركوا في الليلة دي اتقبض عليهم.”
وتحتها صورة.
صورة التقطت لياسمين قبل ساعات فقط.
وهي خارجة من العيادة النفسية.
يعني…
في حد بيراقبها.
الآن.
في هذه اللحظة.
في نفس المساء…
جمع فؤاد كل الناس اللي بيثق فيهم.
وقف قدامهم.
وحط الصورة على الطاولة.
وقال:
“إحنا قدام مشكلة.”
أحد الرجال قال:
“ممكن حد بيهزر.”
فؤاد هز رأسه.
“لا.”
وأشار إلى زاوية الصورة.
“دي صورة احترافية.”
“بعدسة بعيدة.”
“وشخص فاهم بيعمل إيه.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“وده معناه إن في حد لسه حر.”
أما ياسمين…
فبدأ الخوف يرجعلها من جديد.
بقت تصحى من النوم مفزوعة.
كل ما تسمع صوت عربية برا الفيلا.
كل ما حد يرن الجرس.
كل ما رقم مجهول يتصل.
كانت بتحس إن الماضي بيجري وراها.
وفي إحدى الليالي…
صحيت على صوت حركة في الجنينة.
فتحت الستارة بحذر.
وشافت شخص واقف عند السور.
لابس أسود بالكامل.
وبيحمل وردة بيضا.
وقف ثواني.
ثم رمى الوردة داخل الحديقة.
واختفى.
قبل ما الأمن يلحق يوصل.
في الصباح…
خرج فؤاد بنفسه يشوف الوردة.
لكن اللي لفت انتباهه ما كانش الوردة.
كان الشيء المربوط فيها.
مفتاح صغير.
وقديم.
ومعاه ورقة.
مكتوب فيها:
“اسأل نفسك مين فتح الباب ليلة الفرح.”
اتجمد فؤاد.
أما منى فقالت:
“إيه يعني؟”
لكن فؤاد ما ردش.
لأنه افتكر حاجة فجأة.
حاجة ما كانش منتبه لها وسط الفوضى كلها.
ياسمين قالت يومها إن حماتها وأخت جوزها دخلوا جناح العرسان بعد ما حسام خرج.
لكن…
مين فتح لهم الباب؟
ومين سمح لهم يدخلوا أصلًا؟
في نفس اليوم…
استدعى فؤاد مدير الفندق اللي اتعمل فيه الفرح.
وطلب كل تسجيلات الكاميرات القديمة.
وبعد ساعات طويلة من المراجعة…
ظهر المشهد.
حسام خارج من الجناح.
بعدها بدقيقتين.
نادية.
ونانسي.
وقريباتهم.
لكن قبل ما يدخلوا…
ظهر شخص تاني.
شخص كان واقف في الممر.
راقب المكان.
ثم فتح الباب بنفسه.
وسمح لهم بالدخول.
الشخص ده ما كانش من عيلة الجندي.
ولا من العاملين بالفندق.
ولا من المعازيم.
كان رجل مجهول.
يغطي جزءًا من وجهه.
لكن لحظة ما لف رأسه ناحية الكاميرا…
شهقت منى.
وقالت:
“مستحيل.”
أما فؤاد…
فشعر بقلبه يتوقف.
لأن الوجه كان يعرفه جيدًا.
يعرفه من عشرين سنة.
ومن أيام الخدمة العسكرية.
رجل كان يُفترض أنه مات.
رجل شارك في واحدة من أخطر القضايا التي تعامل معها فؤاد في حياته.
همس فؤاد باسمه بصوت منخفض:
“سامي الديب…”
ثم جلس ببطء على الكرسي.
وكأن الأرض انسحبت من تحته.
لأن سامي الديب لم يكن مجرد مجرم.
كان أخطر شخص عرفه في حياته.
والرجل الذي أقسم يومًا أن يدمر كل شيء يخص فؤاد الشاذلي.
حتى لو احتاج عمرًا كاملًا لينفذ انتقامه.
وفي نفس اللحظة…
وفي مكان مجهول…
كان رجل خمسيني يجلس أمام شاشة كبيرة.
يعرض عليها بث مباشر من كاميرات مخفية حول الفيلا.
ورأى فؤاد وهو يحدق في الصورة.
فابتسم.
وقال:
“أخيرًا عرفت إني رجعت.”
ثم رفع كوب القهوة.
وأضاف:
“ولسه البداية يا فؤاد.”
يتبع… الفصل السابع.