بعد 3 اشهر حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع
بعد الحفل بثلاثة أيام فقط…
كانت القاهرة كلها تتحدث عما حدث.
المواقع الإخبارية.
برامج التوك شو.
الصحف الاقتصادية.
حتى صفحات التواصل الاجتماعي.
في كل مكان كان يظهر عنوان واحد:
“رجل أعمال يكتشف أمام الجميع أن زوجته السابقة كانت حاملًا يوم طلاقها.”
أما نادية الشاذلي…
فاختفت تمامًا.
أغلقت هاتفها.
وتوقفت عن حضور المناسبات.
بل إن بعض صديقاتها المقربات بدأن يبتعدن عنها.
لأن الحقيقة عندما تظهر…
تُسقط الأقنعة كلها دفعة واحدة.
—
أما أنا…
فلم أشعر بالانتصار كما توقع البعض.
شعرت بالراحة فقط.
راحة ثقيلة.
كأن حجرًا ظل فوق صدري سنوات طويلة…
ثم اختفى أخيرًا.
كنت أجلس في شرفة شقتي.
وليان نائمة في حضني.
أنظر إلى النيل.
وأفكر في المستقبل.
لأول مرة منذ وقت طويل…
لا أفكر في الماضي.
—
لكن الماضي لم ينتهِ بعد.
لأنه في صباح أحد الأيام…
وصلني إشعار من موظفة الاستقبال.
قالت بتردد:
“في شخص عايز يقابلك.”
سألت:
“مين؟”
أجابت:
“الأستاذ كريم.”
ساد الصمت.
—
ظللت أنظر عبر الزجاج إلى أسفل المبنى.
فرأيته.
كان يقف بجوار سيارته.
لكن ليس كريم الذي عرفته.
ولا كريم الذي كان يتباهى بنفسه دائمًا.
بدا أكبر سنًا.
أكثر إرهاقًا.
وأقل ثقة.
وكأن السنوات مرت عليه دفعة واحدة.
تنهدت.
ثم قلت:
“طلعيه.”
—
دخل مكتبي بعد دقائق.
وحين وقعت عيناه على ليان…
توقف في مكانه.
كانت تجلس فوق الأرض تلعب بمكعبات ملونة.
وشعرها الأسود القصير يتحرك مع كل ضحكة.
نظر إليها طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى شعرت أن قلبه ينكسر أمامي.
همس:
“كبرت.”
لم أرد.
لأنني لم أعرف ماذا أقول.
جلس أمامي.
وصمت.
دقيقة.
ثم دقيقتين.
ثم قال أخيرًا:
“أنا ما جيتش أطلبك ترجعي.”
رفعت عيني إليه.
فأكمل:
“لأني عارف إن ده انتهى.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“وجيت متأخر جدًا.”
لأول مرة…
لم أشعر بالغضب منه.
بل بالحزن.
الحزن على كل ما ضاع.
—
أخرج ظرفًا من جيبه.
ووضعه أمامي.
سألته:
“إيه ده؟”
قال:
“نصيبي من الفيلا.”
عقدت حاجبي.
فأكمل:
“حولته باسم ليان.”
نظرت إليه بدهشة.
فأضاف:
“وأي أرباح جاية من استثماراتي هيتحط جزء منها باسمها كمان.”
ثم خفض رأسه.
وقال:
“يمكن ده أقل حاجة أقدر أعملها.”
—
لم أفتح الظرف فورًا.
لكنني أدركت شيئًا مهمًا.
كريم لم يأتِ ليستعيدني.
بل ليحاول أن يصبح أبًا أفضل.
وربما…
ليغفر لنفسه.
—
مرّت الشهور.
وأصبح وجود كريم في حياة ليان منتظمًا.
كان يأتي كل أسبوع.
يلعب معها.
يأخذها إلى الحديقة.
ويعود بها في موعدها.
ولأول مرة…
بدأت أرى الأب الذي كان يمكن أن يكونه منذ البداية.
لو لم يضيع نفسه.
—
وفي أحد الأيام…
كنت أحضر اجتماعًا مهمًا داخل شركة المنصوري القابضة.
حين دخلت مساعدتي بابتسامة غريبة.
وقالت:
“في حد بره مصر يطلب يقابلك.”
سألت باستغراب:
“مين؟”
أجابت:
“شركة استثمار عالمية.”
ثم أضافت:
“وعندهم عرض شراكة بمئات الملايين.”
—
بدأت حياتي المهنية تنطلق بسرعة لم أتخيلها.
مشروعات جديدة.
اتفاقيات دولية.
وسفر بين القاهرة ودبي ولندن.
وأصبح اسمي يظهر في قوائم سيدات الأعمال الناجحات.
لكن وسط كل هذا النجاح…
بقي شيء واحد أهم من كل الأرقام.
ليان.
—
ثم جاء المساء الذي غيّر كل شيء مرة أخرى.
كنت عائدة من اجتماع متأخر.
أحمل ملفات العمل.
وأفكر في جدول الغد.
حين فتحت باب الشقة.
فوجدت المفاجأة.
الصالون مضاء بالشموع.
والورود البيضاء في كل مكان.
وتوقفت أنفاسي.
لأن الرجل الذي يقف في منتصف الغرفة…
لم يكن كريم.
بل محمود المنصوري.
أخي الأكبر.
الذي كان يعيش خارج مصر منذ سنوات.
آخر شخص توقعت رؤيته.
نظر إليّ بابتسامة واسعة.
وقال:
“وحشتيني يا سلمى.”
ثم رفع ملفًا أزرق سميكًا.
وأضاف:
“بس للأسف أنا ما رجعتش عشان الزيارة بس.”
شعرت بالقلق فورًا.
وسألته:
“في إيه؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال الجملة التي أوقفت قلبي:
“أبوكي ما ماتش بالطريقة اللي إحنا فاكرينها.”
ساد الصمت.
وسقط أحد الملفات من يدي على الأرض.
لأنني أدركت في تلك اللحظة…
أن فصلًا جديدًا أخطر بكثير على وشك أن يبدأ.
يتبع…
الفصل الخامس
شعرت وكأن الغرفة تدور حولي.
نظرت إلى أخي محمود.
ثم إلى الملف الأزرق الذي يحمله.
ثم عدت أنظر إليه مرة أخرى.
وقلت ببطء:
“إيه يعني بابا ما ماتش بالطريقة اللي إحنا فاكرينها؟”
اختفت الابتسامة من وجهه.
ووضع الملف فوق الطاولة.
ثم جلس.
وقال:
“اقعدي الأول.”
وهنا فقط…
عرفت أن الأمر أخطر مما توقعت.
—
جلست أمامه.
وليان نائمة في غرفتها.
وصوت المطر الخفيف يضرب زجاج الشرفة.
فتح محمود الملف.
وأخرج صورة قديمة.
ثم دفعها نحوي.
التقطتها.
ونظرت إليها.
وفي البداية لم أفهم.
كانت صورة لوالدي.
الحاج محمود المنصوري.
داخل أحد المطاعم.
يجلس مع ثلاثة رجال.
لكن المشكلة لم تكن في الصورة.
بل في تاريخها.
التاريخ المطبوع أسفلها.
بعد ستة أشهر من تاريخ وفاته.
رفعت رأسي ببطء.
وشعرت بأن الدم ينسحب من وجهي.
وقلت:
“مستحيل.”
هز محمود رأسه.
وقال:
“أنا قلت نفس الكلمة.”
—
قبل ثلاث سنوات…
أثناء وجود محمود في أوروبا.
وصله ظرف مجهول.
داخله مجموعة مستندات وصور.
في البداية ظنها خدعة.
لكن كلما بحث أكثر…
اكتشف أمورًا أغرب.
تحويلات مالية تمت بعد وفاة والدنا.
بتوقيعه.
شركات تم إنشاؤها باسمه.
وعقود تحمل بصمته.
قال محمود:
“قعدت سنين بدور.”
“ولقيت إيه؟”
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
“لقيت إن في حد كان مستفيد جدًا من موت بابا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وقلت:
“مين؟”
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال:
“شريك قديم.”
—
بدأت القصة تتكشف قطعة قطعة.
قبل وفاته بسنوات…
كان والدنا يعمل على مشروع استثماري ضخم.
مشروع لو اكتمل…
كان سيضاعف ثروة العائلة عدة مرات.
لكن فجأة…
وقع حادث السيارة.
ومات.
وأُغلق الملف كله.
أو هكذا اعتقد الجميع.
لكن محمود اكتشف أن المشروع نفسه استمر.
وبمليارات الجنيهات.
وأن شخصًا آخر استولى عليه بالكامل بعد الوفاة.
—
قلت بصوت منخفض:
“إنت بتلمح إن بابا اتقتل؟”
ساد الصمت.
ثم قال:
“أنا مش بلمح.”
وتوقف.
ثم أكمل:
“أنا متأكد.”
—
شعرت بأن معدتي انقبضت.
لأن الأمر لم يعد مجرد قض..ية مالية.
بل جريمة.
جريمة قديمة.
مدفونة منذ سنوات.
لكنها بدأت تعود للحياة.
—
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف محمود.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير لون وجهه فورًا.
قلت:
“في إيه؟”
رفع عينيه نحوي.
وقال:
“المفروض محدش يعرف إني جيت مصر.”
شعرت بالقلق.
“ومين بيتصل؟”
رد بهدوء مخيف:
“الراجل اللي بدور عليه.”
—
ساد الصمت.
ثم ضغط على زر الرد.
ووضع الهاتف على السماعة الخارجية.
وجاء صوت رجل عجوز.
هادئ.
بارد.
ومرعب.
قال:
“أهلاً يا محمود بيه.”
لم يرد أخي.
أما الرجل فأكمل:
“بقالك سنين بتدور.”
ثم ضحك.
“وأخيرًا وصلت.”
شعرت أن قلبي توقف.
لأن الرجل كان يتحدث وكأنه يرانا.
الآن.
في هذه اللحظة.
—
قال محمود:
“إنت مين؟”
ضحك الرجل مرة أخرى.
وقال:
“السؤال الحقيقي…”
ثم صمت لثانية.
“…هو مين هيعيش منكم للصبح.”
وانقطع الخط.
—
قفز محمود واقفًا فورًا.
واتجه إلى النافذة.
ثم فتح الستارة بسرعة.
وفي اللحظة نفسها…
شحب وجهه.
ركضت نحوه.
ونظرت إلى الخارج.
فتجمدت.
لأن سيارة سوداء كانت تقف منذ فترة أمام المبنى.
لكننا لم ننتبه لها.
والآن…
كان بداخلها رجل يراقب الشقة بمنظار.
—
في أقل من دقيقة…
تحولت الليلة الهادئة إلى حالة طوارئ.
أغلق محمود الأنوار.
وسحب الملف الأزرق.
وقال:
“لازم نتحرك دلوقتي.”
سألته:
“نروح فين؟”
أجاب:
“للمكان الوحيد اللي فيه باقي الحقيقة.”
“فين؟”
نظر إليّ.
ثم قال:
“الخزنة السرية بتاعة بابا.”
—
بعد عشر دقائق فقط…
كنا داخل السيارة.
أنا.
ومحمود.
وليان النائمة في المقعد الخلفي.
نشق طريقنا وسط أمطار القاهرة.
بينما السيارة السوداء تلاحقنا من بعيد.
مثل شبح.
لا يختفي.
—
أما في مكان آخر…
كان كريم الشاذلي يجلس داخل مكتبه.
عندما وصله اتصال مفاجئ.
من رقم مجهول.
رد بضيق.
لكن الصوت الذي جاءه جعله يعتدل فورًا.
قال الرجل:
“لو عايز تنقذ سلمى…”
توقف قلب كريم.
وأكمل الصوت:
“تعالى لوحدك.”
ثم أرسل موقعًا واحدًا.
وأغلق الخط.
نظر كريم إلى الرسالة.
وشعر بشيء سيئ جدًا.
لأن الموقع الذي أُرسل له…
كان نفس المنطقة التي توفي فيها والد سلمى منذ سنوات طويلة.
وفي تلك اللحظة…
عرف أن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.
يتبع…