بعد الوفاه حكـايـات أسمـا ×3
خرجت من مكتب ريهام وأنا أراقب انعكاسها على الزجاج.
كانت تحاول التظاهر بالقوة.
لكن يديها كانتا ترتجفان.
وعيناها تتحركان بسرعة من هاتفها إلى الباب ثم إلى النافذة.
شخص مذعور.
وشخص مذعور يعني أنه يخفي شيئًا.
لكنني لم أكن أتوقع أن تتصل بي بعد أقل من ساعة.
كنت أجلس في البيت أراجع الملفات حين ظهر رقمها على الشاشة.
ترددت.
ثم أجبت.
جاءني صوتها متحشرجًا:
— أحمد… لازم أقابلك.
— فين؟
— أي مكان بعيد عن الحضانة.
— ليه؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت:
— لأنهم هيموتوني زي ما عملوا مع سارة.
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي.
—
التقينا بعد المغرب داخل مقهى صغير على أطراف المدينة.
كانت ريهام مختلفة تمامًا.
شاحبة.
مرهقة.
وكأنها لم تنم منذ أيام.
جلست أمامي ونظرت حولها عدة مرات قبل أن تتكلم.
قالت:
— أنا غلطت.
— ده أقل وصف.
أخفضت رأسها.
ثم بدأت تحكي.
قبل سنوات كانت الحضانة تمر بأزمة مالية كبيرة.
وكانت على وشك الإغلاق.
وفي ذلك الوقت ظهر رجل الأعمال كمال الدهبي.
تبرع بمبالغ ضخمة.
ثم بدأ يطلب تسهيلات.
أوراق.
تحويلات.
حسابات.
في البداية ظنت أنها أمور قانونية.
ثم اكتشفت الحقيقة.
كانت هناك شبكة كاملة لغسيل الأموال تحت غطاء التبرعات.
وعندما حاولت الانسحاب…
كان الأوان قد فات.
قالت وهي تبكي:
— كانوا ماسكين عليا مستندات.
صور.
تسجيلات.
هددوني بالسجن.
فسكت.
لكن سارة ما سكتتش.
—
أخرجت ريهام هاتفًا قديمًا من حقيبتها.
ووضعته أمامي.
— ده كان بتاع سارة.
تجمدت في مكاني.
— إزاي وصل لك؟
أغمضت عينيها.
— يوم الحادث.
اختفى صوت المقهى من حولي.
واختفى كل شيء.
لم أعد أسمع إلا دقات قلبي.
— كملي.
قالت:
— بعد الحادث مباشرة وصلني اتصال.
وقالوا لي أخد الموبايل وأدمره.
لكنني خبيته.
لأني كنت عارفة إن اللي حصل مش طبيعي.
شعرت بأن الأرض تميل بي.
أمسكت الهاتف بسرعة.
وكانت شاشته مكسورة.
لكن الذاكرة ما زالت تعمل.
—
قضيت الليل كله أراجع ما بداخله.
معظم الصور كنت أعرفها.
لكن في مجلد مخفي…
وجدت شيئًا آخر.
فيديو قصير.
مدته أقل من دقيقة.
فتحته.
ظهرت سارة داخل سيارتها.
كانت خائفة.
تتنفس بسرعة.
وتنظر في المرآة الخلفية باستمرار.
ثم قالت:
“لو الفيديو ده اتسجل يبقى هما ورايا.”
وفجأة أدارت الكاميرا.
ظهرت سيارة سوداء خلفها.
ثم اقتربت أكثر.
وأكثر.
حتى ظهر رقمها بوضوح.
توقفت الصورة عند لحظة معينة.
شعرت أن قلبي توقف.
لأن السيارة كانت تابعة لجهة حكومية.
—
في الصباح التالي…
نشرت نسخة من الملفات والفيديو لدى أكثر من جهة.
وخلال ساعات بدأت القصة تنتشر.
صحفيون.
برامج.
مواقع أخبار.
الجميع يتحدث عن سارة.
وعن التبرعات.
وعن الحادث الغامض.
لكن أثناء الفوضى كلها…
كان هناك شخص واحد هادئ بشكل غريب.
ريم.
—
في تلك الليلة كنت أجلس معها على الأرض.
نرسم بالألوان.
فجأة رفعت رأسها وقالت:
— بابا؟
— نعم يا حبيبتي؟
— هو الشرير هيتعاقب؟
تجمدت.
— أي شرير؟
أجابت ببساطة:
— الراجل اللي خبط عربية ماما.
شعرت بأن الدم اختفى من وجهي.
— إنتِ شفتيه؟
هزت رأسها.
— أيوه.
توقفت أنفاسي.
— إمتى؟
— يوم ما ماما ماتت.
—
لأول مرة منذ أسابيع…
بدأت ريم تحكي.
كانت سارة قد اصطحبتها معها ذلك اليوم.
لكن قبل موعد الحادث بدقائق…
توقفت عند منزل الحاجة أمينة.
وتركت ريم هناك لبعض الوقت.
إلا أن ريم تذكرت شيئًا مهمًا جدًا.
قالت:
— قبل ما ماما تمشي كانت بتزعق مع راجل.
— راجل مين؟
— معرفش.
بس كان عنده علامة كبيرة هنا.
وأشارت إلى جانب رقبته.
ثم أضافت:
— وماما قالت له: “حتى لو موتتني مش هسكت.”
شعرت بقشعريرة عنيفة.
لأن تلك المعلومة لم تكن موجودة في أي ملف.
ولا في أي فيديو.
ولا يعرفها أحد.
—
بعد يومين فقط…
وصلني اتصال من جهة التحقيق.
كان صوت الضابط جادًا.
قال:
— محتاجين حضرتك تيجي فورًا.
— ليه؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
— لأننا قبضنا على شخص.
شعرت بأن أنفاسي توقفت.
— مين؟
جاء الرد الذي انتظرته منذ يوم دفن سارة:
— السائق اللي كان في العربية السودا.
لكن المفاجأة الأكبر…
لم تكن القبض عليه.
المفاجأة كانت أن العلامة الموجودة على رقبته…
هي نفسها التي وصفتها ريم بدقة.
وعندها فقط أدرك الجميع أن الطفلة الصغيرة لم تكن تتخيل شيئًا.
وأن الشاهد الوحيد على الساعات الأخيرة من حياة سارة…
كان طفلة عمرها خمس سنوات.
طفلة ظن الجميع أنها لا تفهم شيئًا.
بينما كانت تحمل المفتاح الذي سيُسقط الشبكة كلها.
وصلت إلى مقر التحقيقات وأنا بالكاد أشعر بقدمي.
كل ما كان يدور في رأسي هو سؤال واحد:
هل اقتربنا أخيرًا من الحقيقة؟
أدخلوني إلى غرفة صغيرة.
جلس أمامي ضابط في الخمسينيات من عمره.
ودفع ملفًا سميكًا فوق الطاولة.
ثم قال:
— قبل ما أقول أي حاجة… لازم تعرف إن بنتك أنقذت القض..ية كلها.
أغمضت عيني للحظة.
وتذكرت ريم.
الطفلة التي كانت تختبئ خلفي كلما سمعت صوتًا مرتفعًا.
الطفلة التي ظن الجميع أنها لا تفهم شيئًا.
لكنها كانت تتذكر.
أكثر مما تخيل أي شخص.
فتح الضابط الملف.
وأخرج صورة للرجل المقبوض عليه.
كانت هناك بالفعل علامة طويلة تمتد على جانب رقبته.
نفس العلامة التي وصفتها ريم.
قال الضابط:
— لما واجهناه بالأدلة أنكر.
لكن لما عرف إن فيه شاهدة شافته يوم الحادث… انهار.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
— واعترف؟
هز رأسه.
— اعترف بحاجات كتير.
لكن الأهم إنه أكد إن سارة ما ماتتش في حادث عادي.
—
شعرت أن الغرفة تدور حولي.
رغم أنني كنت أتوقع ذلك…
إلا أن سماعه بصوت رسمي كان مختلفًا.
مختلفًا تمامًا.
قال الضابط:
— الفرامل تم العبث بيها قبل الحادث بساعات.
أمسكت حافة الكرسي بقوة.
حتى لا أسقط.
وأضاف:
— وكان المطلوب تخويفها.
مش قت..لها.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
انزلقت السيارة.
وانقلبت.
وماتت سارة.
ساد الصمت.
ثم قال:
— في ناس كتير متورطة.
أسماء كبيرة.
وأصحاب نفوذ.
لكن الشبكة بدأت تقع.
واحد وراء التاني.
—
خلال الأسابيع التالية…
تحولت القض..ية إلى حديث البلد كله.
القنوات تتكلم.
والصحف تكتب.
والنيابة تستدعي مسؤولين ورجال أعمال.
وكل يوم يظهر اسم جديد.
وكل يوم كنت أكتشف أن سارة كانت أشجع مما تخيلت.
كانت تعرف حجم الخطر.
ومع ذلك لم تتراجع.
—
أما ريهام الشاذلي…
فوافقت على الشهادة مقابل الحماية.
وقدمت عشرات المستندات.
وتحولت من متهمة إلى شاهد رئيسي.
وفي النهاية…
أغلقت الحضانة مؤقتًا.
وتم التحقيق في كل الحسابات.
—
لكن أكثر يوم لن أنساه في حياتي…
لم يكن يوم الاعترافات.
ولا يوم القبض على المتورطين.
كان بعد ذلك بشهرين.
يوم أقامت المدينة احتفالًا لتكريم سارة.
—
امتلأت القاعة بالناس.
صحفيين.
ومعلمين.
وأهالي.
وأطفال.
وكانت صورة سارة معلقة على منصة كبيرة.
تبتسم بنفس الابتسامة التي أحببتها منذ أول يوم رأيتها فيه.
جلست أنا وريم في الصف الأول.
ولأول مرة منذ شهور…
لم تكن ريم ممسكة بيدي خوفًا.
بل كانت تبتسم.
عندما نادوا اسم سارة لاستلام الدرع التكريمي…
وقفت عاجزًا عن الحركة.
لكن ريم جذبت كمي وقالت:
— يلا يا بابا.
طلعت معايا.
وأعطاني المسؤول الدرع.
لكن قبل أن أنزل…
طلبت ريم الميكروفون.
ضحك بعض الحضور.
وظنوا أنها ستقول جملة قصيرة.
لكنها أمسكته بكلتا يديها.
وقالت:
— أنا عايزة أقول حاجة.
سكتت القاعة كلها.
ثم أكملت:
— الناس كانت بتضحك على بابا.
لأنه كان بيلبس هدوم ماما.
شعرت بدموعي تقترب.
أما الحضور فبقوا صامتين.
قالت ريم:
— بس بابا عمل كده علشان أنا ما أحسش إني لوحدي.
ثم أشارت نحوي.
وأكملت:
— هو أحسن أب في الدنيا.
انفجرت القاعة بالتصفيق.
لكن ريم لم تنتهِ.
رفعت رأسها نحو صورة أمها.
وقالت:
— وماما كانت بطلة.
عشان ما خافتش من الوحشين.
حتى وهي عارفة إنهم أقوى منها.
في تلك اللحظة…
لم أستطع منع دموعي.
ولا حاولت.
—
في طريق العودة إلى المنزل…
كانت ريم نائمة في المقعد الخلفي.
والدرع بجوارها.
أما أنا…
فكنت أقود في هدوء لأول مرة منذ وفاة سارة.
وعندما وصلنا إلى البيت…
حملت ريم بين ذراعي.
ودخلت الشقة.
مررت بجوار خزانة الملابس.
الخزانة التي ما زالت تحتفظ بفساتين سارة.
فتحت الباب ببطء.
ونظرت إليها طويلًا.
الفستان الأصفر.
الحذاء.
العطر.
الشعر المستعار.
كل الأشياء التي تمسكت بها لأحافظ على قلب طفلة صغيرة.
ابتسمت بحزن.
ثم أغلقت الخزانة للمرة الأخيرة.
ليس لأنني نسيت سارة.
بل لأن ريم لم تعد تحتاج أن تتخيل أن أمها ما زالت هنا.
لقد عرفت الحقيقة.
وعرفت أن أمها لم تختفِ.
بل تركت لها شيئًا أهم من وجودها.
تركت لها الشجاعة.
وتركت لها أبًا مستعدًا أن يتحمل سخرية العالم كله…
حتى لا ينكسر قلبها الصغير.
وفي تلك الليلة…
قبل أن تنام ريم.
نظرت إلى صورة أمها المعلقة فوق السرير.
ولوحت لها بيدها الصغيرة.
ثم قالت بابتسامة هادئة:
— متخافيش يا ماما… إحنا بقينا كويسين.
وعندها فقط…
شعرت أن سارة رحلت فعلًا.
لكن حبها…
بقي معنا إلى الأبد.
النهاية
