دخلت تولد حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الخامس
شعر ياسين وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
حدق في سلمى غير مصدق ما سمعه.
وقال بصوت خافت:
“ورم؟”
هزت رأسها ببطء.
وكانت الدموع تملأ عينيها.
“قبل الطلاق بأسبوعين.”
“كنت راجعة من التحاليل.”
“وكان معايا التقرير.”
تسارعت أنفاس ياسين.
جلس أقرب إليها.
وقال:
“ليه ما قولتيش؟”
ضحكت سلمى ضحكة حزينة.
وقالت:
“كنت جاية أقولك.”
“في نفس اليوم اللي وصلتك فيه الصور.”
أغلق ياسين عينيه بقوة.
لأنه بدأ يرى المشهد كاملًا أمامه.
هي كانت قادمة إليه تحمل خبرين.
الحمل.
والمرض.
أما هو…
فاستقبلها بالاتهامات والطرد والإهانة.
تابعت سلمى بصوت مكسور:
“لما طردتني…”
“ولما قفلت الباب في وشي…”
“حسيت إن ربنا أنقذني.”
رفع رأسه بصدمة.
فقالت:
“لأن لو كنت عرفت بالحمل وقتها كنت هعيش بين نارين.”
“خوف المرض.”
“وخوف إني أربي ابني وسط كراهية أمك ليا.”
ساد الصمت.
ثم سألها:
“الورم فين؟”
تنهدت.
وقالت:
“كان في المبيض.”
شحب وجه ياسين.
فهو طبيب.
ويعرف جيدًا معنى ذلك.
ويعرف أن بعض الحالات قد تنتهي بفقدان القدرة على الإنجاب أو أسوأ من ذلك.
قال بسرعة:
“والتحاليل الأخيرة؟”
ابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة.
لأول مرة منذ بداية الحديث.
وقالت:
“الورم طلع حميد.”
أطلق ياسين زفرة طويلة.
كأنه كان يحبس أنفاسه منذ دقائق.
ثم انحنى للأمام ووضع يديه فوق وجهه.
وبدأ يبكي.
بصمت.
لأول مرة منذ سنوات.
لم يكن بكاء طبيب.
ولا رجل أعمال.
ولا شخص معتاد على القوة.
بل بكاء رجل أدرك حجم الخراب الذي صنعه بيديه.
—
مرت الأيام التالية بهدوء نسبي.
خرجت سلمى من المستشفى مع طفلها.
وأصرت على العودة إلى شقتها الصغيرة.
رغم أن ياسين عرض عليها بيتًا أكبر وسيارة وسائقًا وكل ما تحتاجه.
لكنها رفضت.
كانت تريد أن تعتمد على نفسها.
وكان ذلك يزيد احترامه لها يومًا بعد يوم.
أما نادية العطار…
فلم تستسلم.
كانت تراقب كل شيء في صمت.
حتى جاء اليوم الذي انفجرت فيه الأزمة الحقيقية.
في صباح أحد الأيام.
كان ياسين في مكتبه بالمستشفى.
عندما تلقى اتصالًا من رقم مجهول.
رد بملل:
“أيوة.”
لكن الصوت الذي جاءه جعله ينتفض واقفًا.
كان صوت سلمى.
تبكي.
وترتجف.
وتصرخ:
“ياسين… إلحقني.”
تجمد الدم في عروقه.
وقال بسرعة:
“في إيه؟”
جاءه صوتها متقطعًا من شدة الرعب.
“آدم…”
“آدم مش موجود.”
سقط الهاتف تقريبًا من يده.
وشعر بأن قلبه توقف.
“إزاي مش موجود؟!”
كانت تبكي بشكل هستيري.
وقالت:
“كنت نايمة ساعة.”
“صحيت ملقتوش.”
“سريره فاضي.”
ركض ياسين خارج مكتبه دون حتى أن يغلق الباب.
نزل درجات المستشفى جريًا.
واستقل سيارته بأقصى سرعة.
وخلال عشرين دقيقة كان أمام شقة سلمى.
وجد الشرطة.
والجيران.
والفوضى.
أما سلمى فكانت جالسة على الأرض منهارة تمامًا.
عندما رأته ارتمت في حضنه.
وهي تصرخ:
“ابني يا ياسين… رجعلي ابني.”
ضمها بقوة.
وشعر بالرعب يلتهمه.
فهو لم يتعرف على ابنه إلا منذ أيام.
فهل سيخسره الآن؟
لكن أثناء تفتيش الشقة.
لاحظ أحد الضباط شيئًا غريبًا.
نافذة المطبخ كانت مفتوحة.
وعلى الأرض وُجد شيء صغير.
التقطه الضابط.
ثم نظر إليه بدهشة.
كان دبوسًا ذهبيًا فخمًا.
على شكل حرف N.
تغير وجه ياسين فورًا.
لأنه يعرف هذا الدبوس جيدًا.
بل رآه آلاف المرات.
كان شعار شركة العطار القابضة.
الشركة التي تملكها والدته.
الشركة التي لا يحمل ذلك الشعار إلا عدد محدود جدًا من الأشخاص.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
وبدأت الحقيقة المرعبة تتشكل في عقله.
رفع رأسه ببطء.
ونظر نحو سلمى.
ثم همس:
“يا رب أكون غلطان…”
لكن في أعماقه كان يعرف.
يعرف تمامًا من الشخص الوحيد القادر على فعل شيء كهذا.
والشخص الوحيد الذي كان مستعدًا لفعل أي شيء للحصول على حفيده.
والدته.
نادية العطار.
وفي اللحظة نفسها…
كان طفل صغير نائمًا بهدوء داخل غرفة فاخرة في قصر ضخم خارج المدينة.
بينما وقفت نادية بجوار سريره تنظر إليه بابتسامة غامضة.
وقالت بهدوء:
“متخافش يا حبيبي…”
“تيتا بس رجعتك لمكانك الحقيقي.”
يتبع…الفصل السادس
عندما وصل ياسين إلى قصر العطار كان الغضب يشتعل داخله كالنار.
توقفت سيارته بعنف أمام البوابة الحديدية الضخمة.
ونزل منها قبل أن تتوقف تمامًا.
ركض نحو الداخل بينما كان الحراس يتبادلون النظرات المرتبكة.
لم يجرؤ أحد على منعه.
فهو ابن صاحبة القصر.
فتح الباب الرئيسي بقوة.
ودخل إلى الصالة الرخامية الواسعة.
كانت نادية تجلس بهدوء تحت الثريا العملاقة تحتسي قهوتها.
وكأن شيئًا لم يحدث.
وقف أمامها وهو يلهث.
وقال:
“فين آدم؟”
رفعت عينيها إليه ببطء.
ثم وضعت الفنجان على الطاولة.
وقالت:
“صباح الخير يا ياسين.”
صرخ:
“فين ابني؟!”
ساد صمت قصير.
ثم قالت ببرود:
“فوق.”
كاد يفقد عقله.
ركض نحو الدرج.
لكن صوتها أوقفه.
“قبل ما تطلع…”
التفت إليها.
فقالت:
“أنا اللي ربيتك.”
“وأعرف إنك هتفهمني يومًا.”
نظر إليها بذهول.
ثم قال:
“خطفتي طفل عمره أيام!”
وقفت نادية لأول مرة.
وكانت الدموع تلمع داخل عينيها.
لكنها لم تكن دموع ندم.
بل دموع امرأة مقتنعة أنها على حق.
قالت:
“أنا أنقذته.”
“كنت شايفة مستقبله بيضيع.”
“ابن عيلة العطار مش المفروض يكبر في شقة إيجار.”
أجابها ياسين بغضب:
“المكان اللي فيه أمه هو المكان الصح.”
لكن نادية هزت رأسها.
وقالت:
“لأ.”
“المكان الصح هو المكان اللي فيه أبوه.”
تجمد للحظة.
ثم أدرك شيئًا لأول مرة.
أمه لم تكن تكره سلمى فقط.
بل كانت ترى الجميع أقل منها.
كانت تتعامل مع البشر كأنهم درجات اجتماعية.
وأي شخص لا ينتمي لعالمها لا يستحق البقاء.
صعد الدرج بسرعة.
ودخل الغرفة.
وهناك…
وجد آدم.
نائمًا بهدوء داخل سرير فاخر.
اقترب منه بسرعة.
وحمله بين ذراعيه.
ففتح الطفل عينيه للحظة.
ثم عاد للنوم مطمئنًا.
في تلك اللحظة شعر ياسين بشيء حاسم داخله.
قرار لا رجعة فيه.
—
بعد ساعات قليلة.
وصلت الشرطة.
ووصل المحامون.
ووصلت سلمى أيضًا.
كانت منهارة من البكاء.
لكن ما إن رأت طفلها حتى احتضنته بقوة.
وظلت تبكي وهي تقبله بلا توقف.
أما نادية فوقفت تراقب المشهد بصمت.
ولأول مرة بدأت ترى النتيجة الحقيقية لأفعالها.
رأت الخوف في عيني حفيدها.
ورأت الألم في وجه ابنها.
ورأت الكسر الذي عاشته سلمى.
لكن الوقت كان قد تأخر.
اقترب ياسين من الضابط.
وقال بهدوء:
“سجل أقوالي رسميًا.”
نظرت إليه نادية بصدمة.
وقالت:
“إنت مش هتعمل كده.”
لكن ياسين لم ينظر إليها.
وقال للضابط:
“المسؤولة عن خطف الطفل هي السيدة نادية العطار.”
ساد الصمت.
شعرت نادية وكأن الأرض انهارت تحت قدميها.
قالت بصوت مرتجف:
“أنا أمك.”
رد لأول مرة دون تردد:
“وأنا أب.”
—
مرت أسابيع طويلة بعد تلك الحادثة.
بدأت التحقيقات.
وخرجت نادية بكفالة بسبب سنها ووضعها الصحي.
لكن سمعتها الاجتماعية تعرضت لصدمة كبيرة.
أما ياسين…
فبدأ يحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه.
كان يزور آدم كل يوم.
يحضر له الملابس.
والألعاب.
ويقضي ساعات طويلة بجانبه.
لكن سلمى لم تكن تمنحه فرصة سهلة.
فالثقة التي انكسرت لم تعد كما كانت.
وفي كل مرة كان يحاول الاقتراب منها كانت تتذكر ليلة طردها من البيت.
والأشهر الطويلة التي قضتها وحدها.
ومع ذلك…
كان هناك شيء يتغير ببطء.
شيء لم تستطع إنكاره.
ياسين لم يعد الرجل نفسه.
لم يعد متكبرًا.
ولا قاسيًا.
ولا متعاليًا.
بل أصبح أبًا حقيقيًا.
ورجلًا يحاول التكفير عن أخطائه.
لكن بينما كانت الأمور تبدأ بالهدوء…
كان خطر جديد يقترب دون أن يشعر أحد.
وفي مساء أحد الأيام…
كان ياسين يراجع بعض الملفات القديمة في مكتبه.
عندما دخلت الممرضة مريم وهي شاحبة الوجه.
وقالت:
“دكتور…”
رفع رأسه.
فوضعت أمامه ملفًا طبيًا قديمًا.
وأضافت بصوت مرتجف:
“لقيت الملف ده بالصدفة أثناء أرشفة السجلات.”
نظر إلى الاسم المكتوب على الغلاف.
فتغير لون وجهه بالكامل.
لأن الملف كان باسم…
والده الراحل.
الدكتور سامح العطار.
الرجل الذي مات قبل خمسة عشر عامًا.
فتح ياسين الملف بسرعة.
وبدأ يقرأ.
ثم اتسعت عيناه تدريجيًا.
وهمس:
“مستحيل…”
رفعت مريم حاجبيها.
وسألته:
“في إيه؟”
لكن ياسين لم يستطع الرد.
لأن الأوراق الموجودة أمامه كشفت سرًا دفنته عائلته منذ سنوات طويلة.
سرًا سيغير كل شيء.
بل وسيجعله يشك في حقيقة نسبه هو نفسه…
يتبع…