١٢٠ مليون حكـايـات أسمـا ×3
الفصل الرابع: التسجيل الذي لم يكن يجب أن يراه أحد
سارة خرجت من مكتب عمر وهي حاسة إن الأرض نفسها بقت غريبة تحت رجليها.
من ساعات قليلة كانت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت في حياتها هي اكتشاف الطلاق.
بعدها عرفت إن كريم كان بيخطط يسرق ميراثها.
ثم عرفت إنه كان مستني موت أبوها.
والآن…
في احتمال مرعب إن وفاة أبوها نفسها ما كانتش مجرد قضاء وقدر.
ركبت عربيتها.
لكنها ما شغلتهاش.
فضلت قاعدة مكانها.
إيديها بترتعش.
وعقلها بيرفض يصدق.
أبوها كان قوي.
صحيح كان مريض.
لكن الأطباء طول الوقت كانوا بيقولوا إن حالته مستقرة.
حتى قبل وفاته بأيام.
ثم فجأة…
تدهورت حالته بشكل كارثي.
وفي أقل من أسبوع انتهى كل شيء.
وقتها الكل قال إنها إرادة ربنا.
لكن الآن…
بدأت الأسئلة تظهر.
في المساء.
وصلت سارة إلى مكتب المحامي.
كان عمر موجود.
ومعهم رجل في أواخر الأربعينات.
هادئ.
يرتدي بدلة رمادية.
عرفه عمر:
“ده حسام فؤاد.”
سارة هزت رأسها.
“مين؟”
قال الرجل:
“كنت مسؤول أمن المعلومات في مجموعة الشاذلي.”
ثم أكمل:
“والدك طلب مني قبل وفاته أحتفظ بنسخة احتياطية من بعض الملفات.”
سارة شعرت بتسارع نبضاتها.
“أي ملفات؟”
نظر لعمر.
ثم أخرج قرصًا إلكترونيًا صغيرًا.
ووضعه على الطاولة.
“دي.”
بعد دقائق.
كانت شاشة الكمبيوتر تعرض تسجيلات من كاميرات المستشفى.
ممرات.
مصاعد.
مكاتب.
غرف انتظار.
كل شيء.
قال حسام:
“أبوك كان شاكك في ناس معينة.”
“مين؟”
“مكانش متأكد.”
ثم أضاف:
“علشان كده طلب الاحتفاظ بكل التسجيلات.”
بدأت المقاطع تتحرك أمامهم.
ساعات طويلة.
أيام كاملة.
لا شيء غريب.
حتى وصلوا إلى ليلة معينة.
قبل وفاة والدها بأربعة أيام.
فجأة توقف حسام.
وأشار للشاشة.
“هنا.”
سارة حبست أنفاسها.
ظهر والدها داخل غرفة العناية الخاصة.
وكان نائمًا.
الأجهزة الطبية حوله تعمل بشكل طبيعي.
ثم بعد دقائق…
فتح باب الغرفة.
ودخل شخص.
ملامحه لم تكن واضحة بالكامل.
لكن سارة عرفته فورًا.
كريم.
سارة اعتدلت في كرسيها.
“إيه اللي كان بيعمله هناك؟”
عمر قال:
“استني.”
ظهر كريم وهو يغلق الباب خلفه.
ثم اقترب من سرير والدها.
وبعد لحظات أخرج شيئًا من جيبه.
شيئًا صغيرًا.
ثم انحنى بجوار جهاز المحاليل.
سارة شهقت.
“وقف الفيديو.”
توقف التسجيل.
كبر حسام الصورة.
لكن الزاوية لم تكن واضحة بالكامل.
قالت سارة:
“هو عمل إيه؟”
حسام هز رأسه.
“الكاميرا مش جايبة التفاصيل.”
ثم أكمل:
“لكن عندنا حاجة تانية.”
فتح ملفًا صوتيًا.
وتشغل التسجيل.
كان صوت غرفة هادئة.
وأصوات أجهزة طبية.
ثم ظهر صوت كريم.
واضحًا.
باردًا.
مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي كانت تعرفه.
قال:
“لو كنت كتبت الوصية بشكل مختلف كان زمان كل حاجة أسهل.”
ثم سكت ثواني.
وأكمل:
“بس متقلقش… قريب جدًا كل حاجة هتخلص.”
سارة شعرت بقلبها يتجمد.
أما الصوت التالي…
فكان صوت والدها.
ضعيفًا.
متعبًا.
لكنه واضح.
قال:
“إوعى تلمس بنتي.”
الصمت ملأ الغرفة.
ثم جاء صوت كريم.
منخفضًا.
ومخيفًا.
“متأخر يا حاج.”
انتهى التسجيل.
ولم ينطق أحد.
عدة ثوانٍ.
بل عدة دقائق.
سارة كانت تنظر للشاشة فقط.
غير قادرة على استيعاب ما سمعته.
قال عمر أخيرًا:
“التسجيل ده كان متخزن في جهاز تسجيل خاص بأبويا.”
سارة همست:
“ليه ما شوفتهوش قبل كده؟”
“لأننا ما كناش نعرف إنه موجود.”
ثم أضاف:
“اكتشفناه الأسبوع اللي فات.”
وفجأة…
رن هاتف حسام.
نظر للشاشة.
وتغير وجهه فورًا.
أجاب بسرعة.
استمع لثوانٍ.
ثم أغلق الخط.
رفع عينيه نحوهم.
وكان واضحًا أن هناك كارثة جديدة.
قال:
“في مشكلة.”
سارة شعرت بقبضة في صدرها.
“إيه؟”
قال:
“حد دخل أرشيف الشركة الليلة.”
“مين؟”
“مش عارفين.”
ثم أكمل:
“لكن الملف الوحيد اللي اختفى…”
سكت.
ونظر مباشرة إلى سارة.
“…هو الملف اللي فيه تفاصيل التحويلات السرية لكريم.”
الصمت انفجر داخل الغرفة.
عمر نهض فورًا.
“إزاي؟”
قال حسام:
“الدخول تم باستخدام صلاحيات مدير تنفيذي.”
سارة فهمت قبل أن ينطق أحد.
كريم.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت بعد ثوانٍ.
عندما وصل إشعار جديد إلى هاتف سارة.
رسالة مجهولة.
بدون اسم.
بدون رقم معروف.
مجرد صورة واحدة.
فتحتها.
وتجمدت في مكانها.
لأن الصورة كانت ملتقطة قبل دقائق فقط.
لها هي.
وهي خارجة من مكتب عمر.
ثم أسفل الصورة جملة قصيرة:
“ابعدي عن الماضي… علشان تقدري تعيشي للمستقبل.”
سارة رفعت الهاتف ببطء.
وعرضت الرسالة على عمر.
ملامحه تحولت فورًا.
أما حسام فقال بصوت خافت:
“دي مش رسالة تهديد.”
سارة سألته:
“أمال إيه؟”
أجاب:
“دي رسالة مراقبة.”
ثم أضاف:
“يعني اللي بيبعتها… شايفك دلوقتي.”
وفي اللحظة نفسها…
على الجانب الآخر من الشارع.
كان رجل مجهول يغلق كاميرا احترافية داخل سيارة سوداء.
ويراقب نافذة المكتب.
ثم أخرج هاتفه.
واتصل بشخص ما.
وقال جملة واحدة فقط:
“هي بدأت تعرف الحقيقة.”
وجاءه الرد من الطرف الآخر:
“يبقى الوقت خلص.”
يتبع في الفصل الخامس… حيث تتعرض سارة لأول محاولة لإسكاتها قبل اجتماع مجلس الإدارة بـ24 ساعة فقط.الفصل الخامس: أول محاولة لإسكات سارة
لأول مرة منذ وفاة والدها…
شعرت سارة بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الخيانة.
ولا خوف خسارة المال.
بل خوف أن تكون دخلت طريقًا لا رجعة منه.
الرسالة كانت واضحة.
هناك من يراقبها.
يتابع خطواتها.
يعرف أين تذهب.
ومع من تجلس.
وربما يعرف أكثر مما تتخيل.
لكن بدلًا من أن تتراجع…
شعرت بشيء آخر يتحرك داخلها.
غضب.
غضب بارد.
هادئ.
يشبه غضب والدها عندما كان يقرر إسقاط منافس حاول خداعه.
في تلك الليلة.
أصرت سارة على العودة إلى الفيلا كأن شيئًا لم يحدث.
كان عليها أن تكمل التمثيل.
دخلت البيت.
فوجدت كريم جالسًا في الصالة.
يشاهد الأخبار.
رفع عينيه وابتسم.
نفس الابتسامة.
نفس الوجه.
نفس الرجل.
لكنها الآن كانت ترى الوحش المختبئ خلف القناع.
قال:
“اتأخرتي.”
“كان عندي شغل.”
“كل يوم شغل.”
ضحكت بخفة.
“أنت أول واحد علمني كده.”
اقترب منها.
ثم قال:
“اجتماع مجلس الإدارة بكرة مهم أوي.”
“عارفة.”
“هتعلني حاجة جديدة؟”
نظرت في عينيه مباشرة.
وقالت:
“آه.”
“إيه هي؟”
ابتسمت.
“مفاجأة.”
ولأول مرة…
اختفت الابتسامة من وجه كريم لثانية كاملة.
الساعة كانت الثانية بعد منتصف الليل.
سارة لم تنم.
كانت تعمل داخل مكتبها.
تراجع الملفات.
تجمع الأدلة.
وتكتب أسماء الأشخاص المتورطين.
فجأة سمعت صوتًا خافتًا خارج الفيلا.
صوت معدن يحتك بشيء.
تجمدت.
ثم اقتربت من النافذة.
وأزاحت الستارة قليلًا.
في البداية لم تر شيئًا.
ثم…
رأت رجلًا يقف قرب سيارتها.
يلبس ملابس سوداء.
ويتحرك بسرعة.
بعد ثوانٍ اختفى.
سارة أمسكت هاتفها فورًا.
واتصلت بعمر.
بعد عشرين دقيقة.
وصل عمر ومعه اثنان من رجال الأمن.
فتشوا المكان بالكامل.
ثم انحنى أحدهم تحت السيارة.
وبعد لحظات رفع رأسه ببطء.
وجهه كان شاحبًا.
قال:
“الحمد لله إنها ما اتحركتش بالعربية.”
سارة شعرت بأن الدم هرب من وجهها.
“ليه؟”
الرجل سحب شيئًا معدنيًا صغيرًا.
وقال:
“في عبوة متوصلة بأسفل السيارة.”
الصمت ضرب المكان.
ثم أكمل:
“لو العربية اتحركت الصبح…”
ولم يكمل الجملة.
لم يكن بحاجة لذلك.
الجميع فهم.
بعد ساعة.
كانت الشرطة الجنائية تفحص المكان.
وسارة جالسة في الصالة.
غير قادرة على استيعاب ما حدث.
شخص ما حاول قتلها.
فعليًا.
وليس مجرد تهديد.
عمر جلس أمامها.
وقال:
“من النهاردة مش هتتحركي لوحدك.”
“أنا مش خايفة.”
“وأنا خايف.”
نظرت إليه.
لأول مرة منذ أيام رأت القلق الحقيقي في عينيه.
قال:
“أبوك مات.”
“وأنتِ تقريبًا كنتِ هتموتي الليلة.”
ثم أضاف:
“الموضوع بقى أكبر من فلوس.”
لكن الصدمة التالية جاءت قبل الفجر.
أحد رجال الأمن دخل مسرعًا.
وقال:
“لقينا حاجة.”
رفع جهازًا صغيرًا.
لا يتجاوز حجم كف اليد.
وسألت سارة:
“إيه ده؟”
قال:
“جهاز تتبع.”
ثم أضاف:
“كان مزروع في عربيتك من أسابيع.”
سارة شهقت.
“أسابيع؟”
هز رأسه.
“يعني اللي بيراقبك متابعك من فترة طويلة.”
وفي الصباح…
جاء يوم اجتماع مجلس الإدارة.
اليوم الذي انتظره الجميع.
وصل كريم أولًا.
كان متوترًا بشكل لم يشعر به منذ سنوات.
شيء ما كان خطأ.
كل شيء حوله كان يخبره بذلك.
دخل قاعة الاجتماعات.
ثم تبعه أعضاء المجلس.
ثم المستشارون.
ثم المحامون.
وأخيرًا…
دخلت سارة.
بهدوء كامل.
وبثقة أربكت الجميع.
جلست على رأس الطاولة.
المقعد الذي كان يجلس عليه والدها.
ولأول مرة منذ وفاته…
بدت كأنها ابنته فعلًا.
بدأ الاجتماع.
عدة دقائق من الأرقام والتقارير.
ثم قالت سارة:
“قبل أي شيء عندي إعلان مهم.”
سكت الجميع.
حتى كريم.
أخرجت ملفًا أسود.
ووضعته أمامها.
ثم قالت:
“بعد مراجعة داخلية شاملة اكتشفنا وجود تحويلات مالية غير قانونية بملايين الجنيهات.”
وجه كريم تجمد.
لكنها أكملت.
“واكتشفنا أيضًا تزوير توقيعات رسمية.”
القاعة كلها بدأت تضطرب.
أحد الأعضاء قال:
“مين المسؤول؟”
رفعت سارة عينيها ببطء.
ونظرت مباشرة إلى كريم.
ثم قالت:
“هنعرف دلوقتي.”
في اللحظة نفسها…
فتح باب القاعة.
ودخل شخص لم يكن أحد يتوقع رؤيته.
رجل في أواخر الستينات.
يمشي ببطء.
لكن حضوره وحده جعل الجميع يقف.
حتى كريم.
لأن الرجل كان معروفًا للجميع.
وكان من أقرب الناس إلى والد سارة.
المستشار عادل المنياوي.
الرجل الذي اختفى فجأة قبل وفاة والدها بشهور.
والذي كان الجميع يعتقد أنه سافر خارج مصر.
لكن الحقيقة…
أنه كان مختفيًا بإرادته.
ويحمل سرًا واحدًا قادرًا على نسف حياة كريم بالكامل.
توقف الرجل أمام الطاولة.
ثم نظر مباشرة إلى كريم.
وقال بصوت هادئ:
“محتاجين نتكلم عن اللي حصل ليلة وفاة والد سارة.”
وفي تلك اللحظة…
شعر كريم لأول مرة منذ سنوات…
بالرعب الحقيقي.
يتبع في الفصل السادس… حيث يظهر الشاهد الذي يعرف ما حدث داخل المستشفى قبل وفاة والد سارة بساعات قليلة فقط.