وجع بسيط حكايات اسما×4

سقطت الورقة من يد سلمى.

 

وللحظة واحدة فقط…

 

توقفت أنفاسها.

 

السرير فارغ.

 

النافذة مفتوحة.

 

ومريم اختفت.

 

صرخت باسمها حتى اهتزت جدران المكان.

 

“مريم!”

 

ركض الحراس إلى الغرفة.

 

ثم انتشروا في المبنى كله.

 

لكن لم يكن هناك أي أثر للطفلة.

 

لا كسر.

 

لا اقتحام.

 

لا كاميرات سجلت شيئًا.

 

وكأنها تبخرت.

 

وصل الرائد كريم خلال عشر دقائق.

 

وكان وجهه شاحبًا.

 

أخذ الورقة من يد سلمى.

 

قرأها.

 

ثم أعاد قراءتها.

 

وقال:

 

“دي مش رسالة طارق.”

 

نظرت إليه بصدمة.

 

“إزاي؟”

 

أشار إلى الخط.

 

“إحنا عندنا نماذج من خطه.”

 

ثم رفع الورقة.

 

“الرسالة دي مكتوبة بخط شخص تاني.”

 

“يعني إيه؟”

 

ساد الصمت.

 

قبل أن يجيب:

 

“يعني فيه حد تاني في اللعبة.”

 

—

 

بدأت عمليات البحث فورًا.

 

وأُغلقت الطرق.

 

وتحركت الدوريات.

 

لكن الساعات مرت بلا نتيجة.

 

وفي الفجر…

 

رن هاتف الرائد.

 

رقم مجهول.

 

فتح الخط.

 

فجاءه صوت فتاة تبكي.

 

“ساعدوني.”

 

انتفض.

 

“مين؟”

 

“أنا مريم.”

 

تجمد الجميع.

 

كان صوتها بالفعل.

 

“مريم إنتِ فين؟”

 

سمعوا شهقة صغيرة.

 

ثم همست:

 

“مش عارفة.”

 

“بصي حواليكي.”

 

“فيه نور قليل.”

 

“إيه كمان؟”

 

“ريحة مية.”

 

ثم انقطع الخط.

 

—

 

في مكان آخر…

 

كانت مريم جالسة فوق أرضية باردة.

 

غرفة صغيرة.

 

وجدار خرساني.

 

وباب حديدي.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

في الركن المقابل جلست فتاة شابة تنظر إليها.

 

عيناها حمراوان من البكاء.

 

وقالت بهدوء:

 

“إنتِ جديدة؟”

 

ارتجفت مريم.

 

“إنتِ مين؟”

 

أجابت الفتاة:

 

“اسمي ليلى.”

 

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.

 

“أنا هنا من سنتين.”

 

تجمدت مريم.

 

“سنتين؟”

 

أومأت الفتاة برأسها.

 

“وإحنا مش أول ناس هنا.”

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كان طارق المنصوري يراقب شاشة كمبيوتر داخل مخبئه.

 

وفجأة ظهر أمامه بث مباشر من كاميرا صغيرة.

 

كاميرا داخل الغرفة التي توجد بها مريم.

 

وقف فجأة.

 

“إيه ده؟”

 

اقترب من الشاشة.

 

وأعاد تشغيل المقطع.

 

ثم اتسعت عيناه.

 

لأن الغرفة التي ظهرت أمامه…

 

لم تكن أي غرفة يعرفها.

 

ولا أي مكان يملكه.

 

ولا أي موقع استخدمه سابقًا.

 

همس لنفسه:

 

“مين اللي خطفها؟”

 

لأول مرة منذ سنوات…

 

شعر طارق بالخوف.

 

لأن شخصًا ما كان يتحرك في الظل.

 

شخص يعرف كل شيء.

 

ويراقب الجميع.

 

حتى هو.

 

ثم ظهر إشعار جديد على الشاشة.

 

رسالة مجهولة.

 

فتحها.

 

فوجد صورة قديمة جدًا.

 

صورة التُقطت قبل خمسة عشر عامًا.

 

وكان يظهر فيها طارق شابًا…

 

وبجواره ثلاثة رجال.

 

رجلان يعرف أنهما ماتا منذ سنوات.

 

أما الثالث…

 

فكان الاسم الذي لم يسمعه منذ أكثر من عقد.

 

“سامي الشاذلي.”

 

شحب وجهه فورًا.

 

وهمس:

 

“مستحيل…”

 

ثم فتح الرسالة بالكامل.

 

فوجد سطرًا واحدًا فقط:

 

“دفعتَ الجميع ثمن خيانتك يا طارق…

 

وحان دورك الآن.”

 

يتبع…

ظل طارق يحدق في الشاشة.

 

غير قادر على استيعاب ما يراه.

 

سامي الشاذلي.

 

الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ ذكريات دفنها منذ سنوات.

 

ذكريات لم يخبر بها أحدًا.

 

ولا حتى سلمى.

 

جلس ببطء على الكرسي.

 

وعاد ينظر إلى الصورة القديمة.

 

أربعة رجال يقفون أمام مخزن قديم قرب الميناء.

 

هو.

 

ورجلان ماتا بالفعل.

 

وسامي الشاذلي.

 

الرجل الذي كان من المفترض أن يكون ميتًا أيضًا.

 

همس:

 

“مستحيل.”

 

لكن الهاتف رن في اللحظة نفسها.

 

رقم مجهول.

 

تردد للحظة.

 

ثم أجاب.

 

وجاءه صوت خشن هادئ:

 

“وحشتك؟”

 

توقف قلبه تقريبًا.

 

لأنه عرف الصوت فورًا.

 

سامي.

 

“إنت ميت.”

 

ضحك الرجل.

 

ضحكة قصيرة.

 

باردة.

 

“كنت تتمنى.”

 

وقف طارق بعنف.

 

“فين البنت؟”

 

ساد الصمت للحظات.

 

ثم قال سامي:

 

“أي بنت؟”

 

“مريم.”

 

“آه… بنتك.”

 

تشبث طارق بالهاتف بقوة.

 

“لو لمست شعرة منها…”

 

قاطعه سامي.

 

“غريب.”

 

“إيه؟”

 

“دلوقتي افتكرت معنى الخوف على طفل؟”

 

أغلق الخط.

 

وبقي طارق واقفًا.

 

ينظر إلى الشاشة السوداء.

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

لم يكن هو من يطارد.

 

بل كان المطارد.

 

—

 

في نفس الوقت…

 

كانت سلمى تجلس في غرفة التحقيق.

 

وعيناها متورمتان من البكاء.

 

عندما دخل الرائد كريم.

 

وفي يده ملف جديد.

 

جلس أمامها.

 

وقال:

 

“إحنا اكتشفنا حاجة مهمة.”

 

رفعت رأسها بسرعة.

 

“لقيتوا مريم؟”

 

هز رأسه بالنفي.

 

وشعرت وكأن قلبها ينكسر من جديد.

 

لكنه أكمل:

 

“بس عرفنا مين سامي الشاذلي.”

 

قطبت حاجبيها.

 

“مين ده؟”

 

فتح الملف.

 

وأخرج صورة قديمة.

 

رجل في الأربعينيات.

 

ملامحه حادة.

 

وعيناه قاسيتان.

 

وقال:

 

“كان شريك طارق زمان.”

 

“في إيه؟”

 

صمت قليلًا.

 

ثم أجاب:

 

“في حاجات كتير غير قانونية.”

 

شعرت سلمى بالغثيان.

 

الرائد تابع:

 

“قبل خمسة عشر سنة اختفى سامي.”

 

“ومات؟”

 

“الجميع افتكر كده.”

 

ثم أضاف:

 

“ماعدا طارق.”

 

—

 

في مكان مجهول…

 

كانت مريم تجلس بجوار ليلى.

 

تحتضن دميتها.

 

وتحاول ألا تبكي.

 

سألتها:

 

“هو اللي خطفك وحش؟”

 

ابتسمت ليلى ابتسامة غريبة.

 

وقالت:

 

“لا.”

 

تفاجأت مريم.

 

“لا؟”

 

هزت رأسها.

 

“هو مش بيأذينا.”

 

“أمال ليه إحنا هنا؟”

 

نظرت ليلى إلى الباب الحديدي.

 

ثم همست:

 

“عشان يحمينا.”

 

اتسعت عينا مريم.

 

“يحمينا من مين؟”

 

لكن قبل أن تجيب…

 

فُتح الباب.

 

ودخل رجل طويل.

 

شعره بدأ يغزوه الشيب.

 

ويرتدي معطفًا أسود.

 

وقفت ليلى فورًا.

 

أما مريم فتراجعت للخلف.

 

نظر الرجل إليها.

 

ثم جلس على ركبته حتى يصبح في مستواها.

 

وقال بهدوء:

 

“إنتِ مريم؟”

 

لم ترد.

 

فأخرج من جيبه صورة.

 

وأعطاها لها.

 

نظرت مريم إليها.

 

ثم شهقت.

 

كانت صورة أمها.

 

سلمى.

 

التُقطت قبل سنوات طويلة.

 

لكنها لم تكن وحدها في الصورة.

 

كان بجوارها شاب يبتسم.

 

ورجل آخر يقف خلفهما.

 

قال الرجل:

 

“تعرفي مين ده؟”

 

هزت رأسها.

 

فقال:

 

“ده أبوكي الحقيقي.”

 

شعرت مريم أن العالم كله توقف.

 

“إيه؟”

 

ابتسم الرجل بحزن.

 

ثم قال:

 

“طارق مش أبوكي يا مريم.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

كانت سلمى في غرفة التحقيق.

 

تستمع للرائد كريم وهو يقول:

 

“في سر واحد أخفته عنكِ كل السنين دي.”

 

شحب وجهها.

 

“إيه هو؟”

 

فتح الملف.

 

وأخرج تقريرًا قديمًا.

 

ثم وضعه أمامها.

 

وقالت وهي ترتجف:

 

“مش فاهمة.”

 

أشار إلى الاسم المكتوب في التقرير.

 

ثم قال:

 

“سامي الشاذلي كان خطيبك قبل الجواز من طارق.”

 

تجمدت سلمى.

 

وكأن الزمن عاد للخلف فجأة.

 

وأضاف الرائد:

 

“والأخطر من كده…”

 

رفع نظره إليها مباشرة.

 

“في أدلة جديدة بتقول إن مريم ممكن تكون بنت سامي.”

 

وفي مكان احتجاز مريم…

 

كان الرجل يراقب صدمتها بصمت.

 

ثم قال:

 

“في ناس كدبت عليكي طول عمرك.”

 

وأخذ نفسًا عميقًا.

 

قبل أن ينطق الجملة التي ستغير كل شيء:

 

“وأولهم طارق المنصوري.”

 

يتبع…شعرت سلمى وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.

 

حدقت في الرائد كريم.

 

ثم في التقرير.

 

ثم عادت تنظر إليه مرة أخرى.

 

“مستحيل.”

 

خرجت الكلمة منها كهمسة.

 

باهتة.

 

مرتبكة.

 

مكسورة.

 

قال الرائد بهدوء:

 

“إحنا لسه بنتأكد من كل حاجة.”

 

لكنها لم تعد تسمعه.

 

لأن عقلها كان يعود إلى الماضي.

 

خمسة عشر عامًا إلى الوراء.

 

إلى سامي.

 

أول حب في حياتها.

 

الرجل الذي اختفى فجأة.

 

دون وداع.

 

دون تفسير.

 

دون رسالة.

 

ودون أن تعرف الحقيقة أبدًا.

 

—

 

في ذلك الوقت كانت سلمى في الثالثة والعشرين.

 

وكان سامي الشاذلي شابًا طموحًا.

 

يعمل في شركة استيراد صغيرة.

 

وكان يحبها بجنون.

 

وكانت تحبه أكثر.

 

واتفقا على الزواج.

 

وحددا الموعد.

 

واشتريا الشبكة.

 

وبدآ يحلمان بالبيت والأطفال والمستقبل.

 

ثم…

 

اختفى.

 

في ليلة واحدة فقط.

 

اختفى من حياتها تمامًا.

 

أغلقت هواتفه.

 

اختفى من عمله.

 

وغادر منزله.

 

وبحثت عنه شهورًا.

 

لكن بلا نتيجة.

 

وبعد عام تقريبًا…

 

ظهر طارق.

 

الرجل المحترم.

 

الهادئ.

 

المثالي.

 

الذي وقف بجوارها عندما كانت مكسورة.

 

والذي أقنعها أن تبدأ حياتها من جديد.

 

ثم تزوجته.

 

وأنجبت مريم بعد ذلك بوقت قصير.

 

طوال تلك السنوات…

 

لم تشك أبدًا.

 

ولا مرة واحدة.

 

—

 

عاد صوت الرائد إليها.

 

“سلمى.”

 

رفعت رأسها.

 

“إيه؟”

 

تنهد.

 

ثم قال:

 

“في حاجة أهم.”

 

“إيه هي؟”

 

أجاب:

 

“إحنا لقينا شاهد.”

 

“شاهد على إيه؟”

 

“على اللي حصل لسامي.”

 

تجمدت في مكانها.

 

—

 

في غرفة أخرى داخل المبنى الأمني.

 

جلس رجل عجوز أمام المحققين.

 

كان عمره يقترب من السبعين.

 

ويرتجف قليلًا.

 

قال:

 

“أنا كنت شغال حارس في المخزن القديم.”

 

سأله الرائد:

 

“أي مخزن؟”

 

“المخزن اللي كان بيملكه طارق وشركاؤه.”

 

ثم بلع ريقه.

 

وأكمل:

 

“في ليلة من الليالي شفت حاجة عمري ما نسيتها.”

 

ساد الصمت.

 

“إيه اللي شفته؟”

 

أغلق الرجل عينيه.

 

كأنه يرى المشهد من جديد.

 

ثم قال:

 

“طارق وسامي كانوا بيتخانقوا.”

 

“على إيه؟”

 

“مش عارف.”

 

ثم أضاف:

 

“بس بعدها سمعت طلقة نار.”

 

تسارعت أنفاس الموجودين.

 

“وبعدين؟”

 

“شفت سامي واقع على الأرض.”

 

شعرت سلمى بأن قلبها سيتوقف.

 

لكن الرجل أكمل:

 

“وبعدين شفت حاجة أغرب.”

 

“إيه؟”

 

“سامي قام.”

 

نظر الجميع إليه بذهول.

 

“قام؟”

 

أومأ برأسه.

 

“الرصاصة أصابته في كتفه.”

 

ثم أضاف:

 

“وهرب.”

 

—

 

في نفس اللحظة…

 

كان سامي يجلس في غرفة المراقبة.

 

يتابع شاشات كثيرة.

 

ومن بينها شاشة تُظهر مريم وهي نائمة.

 

دخل أحد رجاله.

 

وقال:

 

“هيعرفوا الحقيقة قريب.”

 

أومأ سامي.

 

دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.

 

“عارف.”

 

“وإنت ناوي تعمل إيه؟”

 

ظل صامتًا للحظات.

 

ثم قال:

 

“أرجع حق بنتي.”

 

الرجل قطب حاجبيه.

 

“ومتأكد إنها بنتك؟”

 

ابتسم سامي ابتسامة حزينة.

 

ثم فتح درج مكتبه.

 

وأخرج ظرفًا قديمًا.

 

بدا عليه أثر الزمن.

 

فتح الظرف.

 

وأخرج صورة أشعة طبية.

 

ومعها تقرير مختبر.

 

قال بهدوء:

 

“أنا متأكد.”

 

—

 

لكن في تلك اللحظة بالذات…

 

دوى إنذار حاد داخل المبنى.

 

قفز الرجال من أماكنهم.

 

وأضاءت الشاشات باللون الأحمر.

 

صرخ أحد الحراس:

 

“في حد دخل المحيط الخارجي!”

 

وقف سامي فورًا.

 

واتجه نحو شاشة الكاميرات.

 

ثم تجمد.

 

لأن الشخص الذي ظهر على الشاشة…

 

لم يكن شرطيًا.

 

ولا أحدًا من رجاله.

 

كان طارق المنصوري.

 

يقف وحده وسط الظلام.

 

وعلى وجهه ابتسامة باردة.

 

وكأنه يريد أن يُرى.

 

وكأنه جاء بنفسه.

 

بإرادته.

 

قال أحد الرجال:

 

“نضربه؟”

 

لكن سامي لم يجب.

 

لأنه لاحظ شيئًا آخر.

 

طارق لم يكن يحمل سلا..حًا.

 

بل كان يحمل حقيبة سوداء صغيرة.

 

وعندما اقترب من الكاميرا…

 

رفع الحقيبة أمام العدسة.

 

ثم فتحها ببطء.

 

وفي داخلها…

 

ظهرت عشرات الصور.

 

صور أطفال.

 

وفتيات.

 

وأشخاص مفقودين.

 

ثم رفع طارق نظره نحو الكاميرا.

 

وقال جملة واحدة فقط:

 

“لو عايز الحقيقة كلها…

 

اخرج وقابلني لوحدك.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *