انقذت رجل فقير حكـايـات أسمـا ×5
الجزء التاسع
ظل إياد ينظر إلى الظرف لعدة ثوانٍ.
لم يتكلم.
لكنني رأيت شيئًا جديدًا في عينيه…
لم يكن غضبًا.
بل خيبة أمل.
قال يوسف بصوت منخفض:
“أنا متأكد من الختم.”
“الختم ده بيتحط على الملفات السرية الخاصة بمجلس الإدارة.”
سأله إياد:
“كام واحد يقدر يستخدمه؟”
أجاب يوسف:
“خمسة.”
“حضرتك…”
“وأنا…”
“ومدير الشؤون القانونية…”
“والمدير المالي…”
“ونائب رئيس مجلس الإدارة.”
ساد الصمت.
ثم قال إياد:
“يعني الخيانة خرجت من أقرب دايرة حواليا.”
—
وصل الموكب إلى قصر إياد في القاهرة الجديدة بعد أقل من ساعتين.
لم يكن قصرًا عاديًا.
بل أشبه بمجمع كامل.
بوابات إلكترونية.
عشرات الحراس.
وكاميرات تغطي كل متر.
كنت أنظر حولي في ذهول.
همست:
“في ناس عايشة كده فعلًا؟”
ابتسمت ليلى لأول مرة منذ قابلتها.
وقالت:
“وأنا أول مرة أشوف حد مستغرب القصر أكتر من إنه مستغرب بابا.”
ضحكت رغم التوتر.
لكنني شعرت بالغربة.
ملابسي البسيطة.
وحذائي القديم.
ويدي المتشققة من العمل.
كل شيء بدا مختلفًا وسط هذا المكان.
لاحظت ليلى ذلك.
اقتربت مني.
وأمسكت يدي.
وقالت:
“إوعي تحسي إنك أقل من أي حد هنا.”
نظرت إليها بدهشة.
فابتسمت.
“أنتِ أنقذتِ أغلى إنسان عندي.”
“وده يخليكي أغلى ضيفة دخلت البيت.”
شعرت بالامتنان.
لكنني لم أعرف ماذا أقول.
—
في الطابق الثاني…
دخل إياد غرفة اجتماعات صغيرة.
كان يجلس فيها أربعة رجال.
ما إن دخل حتى وقفوا جميعًا.
لكن إياد لم يرد التحية.
أغلق الباب بنفسه.
ثم وضع الظرف على الطاولة.
وقال بهدوء أخاف الجميع:
“في واحد فيكم خانني.”
نظر الرجال إلى بعضهم في صدمة.
قال المدير المالي:
“حضرتك بتهزر؟”
رد إياد:
“أنا عمري ما بهزر في الخيانة.”
أمسك الظرف.
وأشار إلى الختم.
“الختم ده خرج من المكتب ده.”
ساد صمت طويل.
ثم قال نائب رئيس مجلس الإدارة:
“ممكن يكون حد سرقه.”
ابتسم إياد ابتسامة باردة.
“عشان أعرف الحقيقة…”
ضغط زرًا صغيرًا في الطاولة.
فُتح الباب.
ودخل يوسف.
وخلفه ثلاثة رجال يحملون أجهزة كمبيوتر محمولة.
قال إياد:
“من ساعة ما دخلتوا القصر…”
“كل موبايلاتكم واتصالاتكم واتراجعت.”
تغيرت وجوه الجميع.
وأضاف:
“والنتيجة ظهرت.”
نظر الرجال إلى بعضهم بقلق.
ثم قال إياد:
“في واحد فيكم بعت رسالة قبل ساعة.”
“للشخص اللي حاول يقتلني.”
قفز المدير القانوني من مكانه.
“مستحيل.”
رد إياد:
“إذن خلينا نشوف.”
أشار يوسف إلى شاشة كبيرة.
ظهرت عليها سجلات الاتصالات.
ثم توقف عند رقم واحد.
رفع الجميع رؤوسهم.
كان الرقم باسم…
سامي الجندي.
اتسعت عينا إياد.
“سامي؟”
كان سامي هو الرجل الذي ظل يعمل معه أكثر من خمسة عشر عامًا.
والذي كان يعتبره أخًا أصغر.
لكن الكرسي الذي يحمل اسمه…
كان فارغًا.
نظر يوسف إلى الباب.
ثم قال:
“باشا…”
“سامي ما حضرش الاجتماع أصلًا.”
في اللحظة نفسها…
دوى صوت انفجار هائل هز القصر كله.
اهتزت النوافذ.
وانطفأت الأنوار.
وانطلقت أجهزة الإنذار في كل مكان.
ركض الحراس في الممرات.
وأمسك يوسف بسلا..حه.
وقال:
“الهجوم بدأ.”
—
في الطابق الأرضي…
كنت مع ليلى وأمي في غرفة الضيوف عندما انطفأت الكهرباء.
صرخت إحدى العاملات.
ثم سمعنا صوت زجاج يتحطم.
أمسكت ليلى بيدي.
وقالت:
“متتحركيش.”
لكن قبل أن تكمل…
تحطم الزجاج بالكامل.
ودخل ثلاثة رجال ملثمين من النافذة.
أشهر أولهم سلا..حه نحونا.
وقال ببرود:
“البنت…”
“إحنا جايين ناخد البنت.”
تقدمت ليلى أمامي دون تردد.
وقالت:
“مش هتلمسوها.”
ابتسم الرجل بسخرية.
ورفع سلا..حه في اتجاهها مباشرة.
وفي اللحظة نفسها…
انطلقت رصاصة من خلفه.
سقط السلا..ح من يده.
ثم دخل إياد الغرفة، وخلفه يوسف ورجال الحراسة.
نظر إياد إلى المسلحين وقال بصوت هادئ:
“غلطتوا…”
“لأنكم دخلتوا بيتي.”
لكن أحد المهاجمين، وقبل أن يستسلم، ابتسم ابتسامة غريبة.
ثم نظر إلى ندى مباشرة وقال:
“أنتِ لسه فاكرة إن كل الحكاية بدأت في الغابة؟”
تجمدت في مكاني.
وأكمل الرجل قبل أن يفقد وعيه:
“الحقيقة…”
“بدأت يوم اتولدتِ.”
الفصل الأخير
تجمدت في مكاني.
نظرت إلى الرجل الملثم وهو ينزف على أرضية القصر.
قلت بصوت مرتجف:
“تقصد إيه؟”
ابتسم بصعوبة.
ثم قال:
“اسألوا… كامل السيوفي.”
وفقد وعيه قبل أن ينطق بكلمة أخرى.
نظر يوسف إلى إياد.
وقال:
“كامل السيوفي…”
“ده نائب رئيس مجلس الإدارة.”
اتسعت عينا إياد.
“يعني سامي كان مجرد منفذ.”
أومأ يوسف.
“والعقل المدبر هو كامل.”
—
بعد ساعة…
ألقت قوات الأمن القبض على كامل السيوفي وهو يحاول الهرب بطائرة خاصة.
وفي التحقيق…
انهارت كل الأكاذيب.
اعترف بأنه كان شريك إياد منذ أكثر من عشرين عامًا.
لكن الطمع سيطر عليه.
اكتشف وجود منجم ضخم للرمال البيضاء النادرة في أرض اشترتها الشركة قديمًا.
وكان يعلم أن قيمة الاكتشاف ستضاعف ثروة الشركة عشرات المرات.
فقرر التخلص من إياد.
لكن المشكلة لم تكن إياد وحده.
بل كانت هناك وثيقة قديمة تثبت أن جزءًا من الأرض مسجل باسم طفلة نجت من حادث وقع منذ سبعة عشر عامًا.
تلك الطفلة…
كانت أنا.
—
جلس إياد أمامي بعد انتهاء التحقيقات.
وضع ملفًا قديمًا فوق الطاولة.
وقال:
“افتحيه.”
فتحت الملف بيدين مرتجفتين.
كانت هناك صور قديمة.
وصورة سيارة محترقة.
وتقرير شرطة.
وشهادة ميلاد.
توقفت أنفاسي.
الاسم المكتوب أمامي كان…
ندى محمود فؤاد.
أما اسم والدي…
فكان محمود فؤاد.
مهندسًا جيولوجيًا.
الرجل الذي اكتشف المنجم قبل مقتله بأيام.
نظر إليّ إياد وقال:
“أبوك رفض يبيع الاكتشاف لكامل.”
“وفي يوم الحادث…”
“اتقتل هو ووالدتك.”
“وأنتِ الوحيدة اللي خرجتِ حية.”
سالت دموعي دون أن أشعر.
همست:
“يعني أمي…”
نظر إلى أم ندى التي ربتها.
ثم ابتسم.
وقال:
“الأم مش اللي بتولد.”
“الأم هي اللي بتربي.”
أجهشت أمي بالبكاء.
وارتميت في حضنها.
قلت وأنا أبكي:
“أنتِ أمي…”
“وهتفضلي أمي طول العمر.”
احتضنتني بقوة.
وقالت:
“ولا يوم حسيت إنك مش بنتي.”
—
بعد أشهر…
صدر الحكم.
حُكم على كامل السيوفي وشركائه بالسجن المؤبد بعد إدانتهم بالقتل والشروع في القتل وتزوير المستندات والفساد المالي.
أما سامي…
فحُكم عليه بالسجن سنوات طويلة بعد اعترافه بكل ما فعله.
واستعادت شركة إياد كل حقوقها.
واستعادت أسرتي حقيقتها.
—
أما أنا…
فرفضت الانتقال للعيش في القصر.
قلت لإياد مبتسمة:
“أنا بحب بيتي.”
فضحك وقال:
“كنت عارف.”
لكنه اشترى لأمي منزلًا جديدًا قريبًا من المستشفى الذي تعالج فيه.
وتكفل بعلاج أخي حتى تعافى تمامًا.
ثم بنى في قريتنا مدرسة ووحدة صحية ومركزًا لتدريب الشباب على الحرف، وكتب على مدخل المبنى:
“لا قيمة للثروة إذا لم تُغيّر حياة الناس.”
أما الساعة التي أعطاني إياها…
فأعدتها إليه.
قلت:
“حضرتك قلت دي أمانة.”
ابتسم.
وأعادها إلى معصمه.
ثم أخرج صندوقًا صغيرًا.
وقال:
“إذن خدي دي بدلها.”
فتحته.
وجدت بداخله مفتاحًا.
سألته باستغراب:
“مفتاح إيه؟”
قال:
“مركز ندى محمود الخيري.”
“باسمك.”
“وأنتِ اللي هتديريه.”
لم أتمالك نفسي.
دموعي نزلت مرة أخرى.
لكنها كانت دموع فرح هذه المرة.
—
بعد عام…
افتُتح المركز.
كان يقدم العلاج المجاني للأسر الفقيرة، ومنحًا دراسية للأيتام، ومساعدات للأسر المحتاجة.
وفي يوم الافتتاح…
وقفت أمام الميكروفون.
نظرت إلى الناس الذين امتلأت بهم الساحة.
ثم رأيت إياد، وليلى، وأمي، وأخي، والحاج ربيع في الصف الأول.
ابتسمت وقلت:
“من سنة… كنت راجعة بكيس مساعدات غذائية.”
“وكان كل اللي أملكه جاكيت قديم.”
“يومها قابلت رجلًا ينزف وسط الغابة.”
“افتكرت إني أنا اللي أنقذته.”
التفت نحو إياد.
وابتسمت.
“لكن الحقيقة…”
“إننا أنقذنا بعض.”
صفق الجميع طويلًا.
أما إياد…
فاكتفى بابتسامة هادئة.
لأنه أدرك أن أغلى ثروة امتلكها في حياته…
لم تكن شركاته.
ولا أمواله.
بل إنسانًا لم يتردد في إنقاذ غريب، رغم أنه لم يكن يملك من الدنيا سوى قلبٍ طيب.
تمت.