من الولاده حكايات اسما ×4
الفصل السابع
لكن سلمى لم تكن تعرف أن النهاية التي ظن الجميع أنها انتهت…
لم تكن سوى بداية فصل أخطر بكثير.
لأن الأزمة الحقيقية لم تكن كريم.
ولا والدته.
ولا الأموال التي اختفت.
بل شيئًا آخر كان مختبئًا منذ سنوات.
شيئًا تركه والدها خلفه دون أن يخبر أحدًا.
بعد المؤتمر بثلاثة أيام…
كانت سلمى داخل مكتبها الجديد في الطابق الأخير من برج عبدالسلام للأعمال.
تحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها.
بينما كانت السكرتيرة ترتب جدول الاجتماعات.
فجأة دخل الأستاذ عادل بسرعة غير معتادة.
وفي يده ظرف بني قديم.
توقفت سلمى فورًا.
لأنها لم تره متوترًا هكذا من قبل.
قال:
“الظرف ده وصل النهارده.”
“من مكتب محاماة في سويسرا.”
عبست سلمى.
“سويسرا؟”
هز رأسه.
ووضع الظرف أمامها.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه عبارة قصيرة فقط:
“لا يُفتح إلا بواسطة سلمى عبدالسلام شخصيًا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأنها تعرف هذا الخط.
خط والدها.
رغم مرور سنوات على وفاته.
جلست ببطء.
ثم فتحت الظرف.
وأخرجت الرسالة.
وبدأت تقرأ.
ومع كل سطر…
كانت ملامحها تتغير.
حتى شحب وجهها بالكامل.
سألها عادل بقلق:
“في إيه؟”
لم ترد.
أعطته الرسالة.
فقرأها.
ثم رفع رأسه بصدمة.
وقال:
“مستحيل.”
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها حملت سرًا ضخمًا.
كتب والدها قبل وفاته:
“إذا وصلتك هذه الرسالة…”
“فهذا يعني أن هناك من حاول الاستيلاء على إرثك.”
“ولذلك حان الوقت لمعرفة الحقيقة الكاملة.”
ثم كشف عن شيء لم يخبرها به يومًا.
قبل عشرين عامًا…
أسس والدها صندوقًا استثماريًا خاصًا خارج مصر.
بأسماء شركات متعددة.
وظل ينمو في السر طوال تلك السنوات.
لم يكن مسجلًا ضمن مجموعة عبدالسلام.
ولم يكن أحد يعرف بوجوده.
ولا حتى مجلس الإدارة.
وكان المستفيد الوحيد منه…
سلمى.
وحدها.
أما القيمة الحالية للأصول…
فكانت كافية لجعل أكبر رجال الأعمال في القاهرة يلهثون خلفها.
مليارات.
وليس ملايين.
مليارات كاملة.
في نفس الوقت…
كان كريم يحاول إعادة بناء حياته.
لكن المصائب لم تتوقف.
كل يوم تظهر وثيقة جديدة.
وكل يوم يكتشف شيئًا لم يكن يعرفه.
وفي مساء ذلك اليوم…
رن هاتفه.
نظر إلى الرقم.
ثم تجمد.
لأنه يعود إلى أحد كبار المستثمرين الأجانب.
أجاب بسرعة.
لكن الرجل لم يبدُ ودودًا كعادته.
قال مباشرة:
“عندي سؤال واحد.”
ابتلع كريم ريقه.
“اتفضل.”
جاء الرد:
“هل صحيح إنك ما كنتش المالك الحقيقي للمجموعة؟”
شعر كريم وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
لأن السؤال نفسه كان كافيًا.
السمعة التي بناها خلال سنوات…
بدأت تتآكل.
أما داخل برج عبدالسلام…
فكانت مفاجأة أخرى في انتظار سلمى.
حين دخلت السكرتيرة فجأة وقالت:
“في شخص مصمم يقابلك.”
رفعت سلمى رأسها.
“مين؟”
ترددت السكرتيرة.
ثم قالت:
“بيقول إنه كان شريك والد حضرتك.”
تجمدت سلمى.
لأن والدها لم يكن يذكر شركاء أبدًا.
قالت:
“دخليه.”
فتح الباب.
ودخل رجل تجاوز السبعين.
شعره أبيض بالكامل.
وعيناه تحملان نظرة شخص يعرف أكثر مما يقول.
وقف أمامها للحظات.
ثم نظر إلى الطفلة الصغيرة النائمة.
وابتسم.
وقال:
“أخيرًا شفت حفيدة صديقي.”
شعرت سلمى بقلبها يخفق بقوة.
وسألته:
“حضرتك تعرف والدي؟”
أجاب بهدوء:
“أعرف عنه حاجات محدش يعرفها.”
ثم أخرج مفتاحًا فضيًا صغيرًا من جيبه.
ووضعه على المكتب.
وقال:
“أبوك طلب مني أسلمه ليكي في الوقت المناسب.”
نظرت إلى المفتاح.
ثم إليه.
وقالت:
“يفتح إيه؟”
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة.
ثم قال:
“يفتح الحقيقة كلها.”
ساد الصمت.
حتى صوت المكيف بدا مرتفعًا.
ثم أضاف:
“وفي اللحظة اللي هتفتحي فيها المكان ده…”
“هتعرفي ليه أبوكي كان خايف طول عمره.”
شعرت سلمى ببرودة في أطرافها.
وقالت:
“خايف من إيه؟”
لكن الرجل لم يجب.
بل نظر نحو النافذة الزجاجية العملاقة.
ثم قال بهدوء:
“لأن في ناس فاكرة إن الثروة هي أهم حاجة.”
“لكن اللي أبوكي خباه…”
“أخطر من أي ثروة.”
ثم استدار نحو الباب.
وتوقف قبل أن يخرج.
وأضاف:
“ولو الخبر ده وصل للناس الغلط…”
“مش هتبقى حرب شركات.”
“هتبقى حرب حقيقية.”
ثم غادر.
وترك سلمى تنظر إلى المفتاح الفضي الصغير.
بينما كانت تشعر لأول مرة…
أن القصة التي بدأت بباب مغلق في وجهها…
قد تقودها إلى سر أكبر بكثير مما تخيلت.
وفي تلك الليلة…
لم تستطع النوم.
لأن المفتاح كان موضوعًا فوق الطاولة بجوار سريرها.
ولأنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
غدًا…
ستذهب إلى المكان الذي أخفاه والدها.
وما ستجده هناك…
سيغير كل شيء.
يتبع…
الفصل الثامن
في الخامسة صباحًا…
كانت القاهرة ما تزال تغط في هدوء نادر.
الطرق شبه فارغة.
والسماء مغطاة بخيوط رمادية خفيفة تسبق شروق الشمس.
أما سلمى…
فلم تنم دقيقة واحدة.
ظلت تنظر إلى المفتاح الفضي فوق الطاولة طوال الليل.
كلما أغلقت عينيها تذكرت كلمات الرجل العجوز.
“هتعرفي ليه أبوكي كان خايف طول عمره.”
كان والدها أقوى رجل عرفته.
رجل واجه أزمات مالية.
وخسائر.
وخصومًا شرسين.
ولم تره خائفًا يومًا.
فما الشيء الذي أخافه؟
في السادسة صباحًا…
وصل الأستاذ عادل.
ومعه حارسان شخصيان.
نظر إلى وجه سلمى.
وعرف فورًا أنها لم تنم.
قال:
“لسه مصممة تروحي؟”
هزت رأسها.
“لازم.”
تنهد.
ثم قال:
“المكان فين؟”
دفعت إليه الورقة.
قرأ العنوان.
فتغير وجهه فورًا.
“مستحيل.”
عبست سلمى.
“إيه؟”
رفع رأسه.
وقال:
“العنوان ده…”
“مخزن قديم تابع للشركة.”
“مقفل من أكتر من خمستاشر سنة.”
بعد ساعة…
كانت السيارات الثلاث تتوقف أمام بوابة حديدية ضخمة على أطراف القاهرة.
منطقة صناعية قديمة.
شبه مهجورة.
الأشجار البرية تغطي أجزاء من السور.
والصدأ يملأ البوابة.
لكن الشيء الغريب…
أن المكان بدا وكأنه ما زال تحت الحراسة.
رغم أنه مغلق منذ سنوات.
نزلت سلمى من السيارة.
وحملت طفلتها التي كانت نائمة داخل المقعد المخصص لها.
ثم تقدمت نحو الباب.
أخرجت المفتاح الفضي.
وأدخلته في القفل.
دار المفتاح بسهولة.
كأنه استُخدم بالأمس.
ثم…
صدر صوت معدني ثقيل.
وانفتحت البوابة ببطء.
في الداخل…
كان الظلام يملأ المكان.
لكن الأضواء اشتعلت تلقائيًا لحظة دخولهم.
توقفت سلمى فجأة.
وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأن المخزن لم يكن مخزنًا.
بل مركزًا كاملًا.
مكاتب.
خوادم إلكترونية.
غرف أرشيف.
شاشات.
ملفات.
وكأن الزمن توقف هنا منذ سنوات.
اقترب عادل ببطء.
وقال:
“يا نهار أبيض…”
ثم توقف.
لأنه رأى شيئًا جعل الدم يختفي من وجهه.
على الجدار الرئيسي…
كانت هناك عشرات الصور.
صور رجال أعمال.
سياسيين.
مستثمرين.
شخصيات معروفة.
وإلى جوار كل صورة…
ملفات كاملة.
معلومات.
مستندات.
عقود.
تحويلات مالية.
شبكات شركات.
قالت سلمى بصوت خافت:
“إيه ده؟”
لم يجب أحد.
لأن أحدًا لم يكن يملك الإجابة.
ثم وجدوا غرفة صغيرة في نهاية الممر.
مكتوب عليها:
“خاص بسلمى.”
توقفت أنفاسها.
ودفعت الباب.
دخلت.
وكان أول ما رأته…
مكتب والدها.
كما تركه تمامًا.
نفس القلم.
نفس النظارة.
نفس الساعة.
حتى صورة طفولتها كانت ما تزال فوق المكتب.
وفجأة…
انهارت.
جلست على الكرسي.
وأخذت تبكي لأول مرة منذ وفاة والدها.
بكت كابنة.
لا كرئيسة شركة.
ولا كامرأة قوية.
ولا كأم.
فقط كابنة اشتاقت إلى أبيها.
وبينما كانت تمسح دموعها…
لاحظت صندوقًا خشبيًا صغيرًا فوق المكتب.
مغلقًا.
وعليه اسمها.
فتحت الصندوق.
وفي داخله…
وحدة تخزين إلكترونية.
ورسالة قصيرة.
بخط والدها.
“إذا وصلتي إلى هنا… فمعنى ذلك أنني كنت محقًا.”
ارتجفت يداها.
وأكملت القراءة.
“في يوم من الأيام سيحاول شخص قريب منك الاستيلاء على كل شيء.”
“ولذلك تركت الحقيقة هنا.”
“لكن قبل أن تشاهدي الملفات…”
“اعملي حاجة واحدة.”
“اقفلي الباب.”
نظرت إلى عادل.
ثم إلى الرسالة.
وشعرت بأن قلبها بدأ يدق بعنف.
في تلك اللحظة بالضبط…
وفي مكان آخر من القاهرة…
كان كريم يجلس داخل مكتبه المؤقت.
يحاول ترتيب ما تبقى من حياته.
عندما دخل أحد مساعديه مسرعًا.
وجهه شاحب.
وقال:
“في مشكلة.”
رفع كريم رأسه بضيق.
“مش ناقص.”
لكن الرجل أكمل:
“حد دخل المخزن القديم.”
تجمد كريم.
تمامًا.
لثوانٍ كاملة.
ثم وقف بعنف.
حتى سقط الكرسي خلفه.
قال بصوت مرتعش:
“مين؟”
أجاب الرجل:
“سلمى.”
اختفى اللون من وجه كريم.
كأنه رأى شبحًا.
لأن هناك شيئًا واحدًا لم يخبر به أحدًا أبدًا.
شيئًا عرفه بالصدفة قبل سنوات.
ثم تجاهله.
شيئًا موجودًا داخل ذلك المخزن.
وكان والده قد حذره منه قبل وفاته.
إذا وصلت سلمى إلى هناك…
فإن أسرارًا قديمة جدًا ستخرج إلى النور.
أسرار لا تخص الأموال.
ولا الشركات.
بل تخص عائلات كاملة.
وأشخاصًا نافذين.
وأحداثًا دفنت منذ عشرين عامًا.
أمسك كريم هاتفه فورًا.
ثم اندفع نحو الباب.
لأن عليه أن يصل إلى المخزن قبل أن تشاهد سلمى ما تركه والدها.
لكن ما لم يكن يعرفه…
أن سلمى كانت بالفعل قد أوصلت وحدة التخزين إلى الحاسوب.
وأن الشاشة أمامها بدأت تعرض أول ملف.
وكان عنوانه وحده كافيًا ليجعل الدم يتجمد في عروقها:
“الحقيقة وراء وفاة أحمد عبدالسلام… ليست كما قيل لكِ.”
يتبع…
