تركني زوجي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
بعد ثلاثة أيام…
كان كريم يقود سيارته بسرعة جنونية عائدًا من شرم الشيخ.
الطريق الطويل بدا له أطول من المعتاد.
كلما تذكر أن ابنته وُلدت وهو يحتسي العصير على الشاطئ، شعر بوخزة غريبة في صدره.
لكن تلك الوخزة لم تكن ندمًا كاملًا.
بل كانت خليطًا من الغضب والإحراج.
أما فايزة فكانت تجلس بجانبه تردد للمرة العاشرة:
ـ أكيد نور عاملة الموضوع ده عمد عشان تحرجنا.
ضغط كريم على المقود بقوة.
ـ مش عارف.
ـ أنا عارفاها كويس… البنت دي بتحب تلعب دور الضحية.
لكن شيئًا في داخله لم يكن مرتاحًا.
لأن نور لم تتصل.
لم تبكِ.
لم تتوسل.
لم ترسل حتى رسالة واحدة.
وهذا لم يكن طبيعيًا.
بعد ساعات…
وصلا إلى العمارة.
صعدا بالمصعد.
كانت فايزة تتحدث باستمرار عن ضرورة “تأديب” نور عندما تفتح الباب.
لكن عندما وصلا إلى الشقة…
توقفت الكلمات فجأة.
الباب مغلق.
والقفل الرئيسي تم تغييره.
حدق كريم فيه غير مصدق.
ثم طرق الباب بقوة.
لا رد.
طرق مجددًا.
أقوى.
لا شيء.
صرخ:
ـ نور!
الصمت.
أخرج مفتاحه.
حاول فتح الباب.
لكن المفتاح لم يدخل أصلًا.
شحب وجهه.
ـ غيرت الأقفال.
شهقت فايزة.
ـ إزاي يعني غيرتها؟!
في تلك اللحظة وصل إشعار إلى هاتف كريم.
رسالة إلكترونية من البنك.
فتحها بسرعة.
ثم تجمد.
الرصيد المتاح: صفر.
رمش عدة مرات.
فتح التطبيق مجددًا.
ثم حسابًا آخر.
ثم ثالثًا.
كلها مجمدة.
شعر وكأن الأرض تميد تحته.
ـ مستحيل…
ـ في إيه؟
ناول الهاتف لأمه.
وما إن قرأت الرسالة حتى اتسعت عيناها.
ـ الحسابات متجمدة؟!
ـ إزاي؟!
رن هاتفه.
ظهر اسم المحاسب الخاص بالشركة.
رد فورًا.
جاءه صوت الرجل مرتبكًا:
ـ أستاذ كريم… عندنا مشكلة كبيرة.
ـ أكبر من إيه؟!
ـ جه قرار رسمي بوقف التصرف في بعض الأصول لحين انتهاء التحقيق.
ـ تحقيق إيه؟!
صمت الرجل للحظة.
ثم قال:
ـ فيه بلاغ مقدم ضد حضرتك.
شعر كريم بأن الدم انسحب من وجهه.
ـ بلاغ من مين؟
جاءه الرد كالرصاصة:
ـ من الأستاذة نور.
في المستشفى…
كانت نور تحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها.
شعر ليان الناعم يلامس خدها.
والطفلة نائمة بسلام.
دخلت المحامية مروة إلى الغرفة.
وعلى وجهها ابتسامة هادئة.
ـ الأخبار حلوة.
رفعت نور نظرها.
ـ إيه اللي حصل؟
جلست مروة بجوارها.
ثم فتحت الحقيبة وأخرجت عدة أوراق.
ـ المحكمة وافقت على الإجراءات التحفظية الأولية.
ـ يعني؟
ـ يعني كريم مش هيقدر يبيع ولا يحول ولا يسحب مبالغ كبيرة من حساباته حاليًا.
تنفست نور ببطء.
ـ والحسابات؟
ـ متجمدة مؤقتًا لحين مراجعة المستندات.
أغمضت نور عينيها.
ليس شماتة.
بل ارتياح.
لأول مرة منذ سنوات تشعر أن أحدًا يصدقها.
أن أحدًا يرى ما كانت تمر به.
في تلك الليلة…
جلس كريم في شقة أمه.
لأن شقته لم يعد يستطيع دخولها.
كان الصمت يملأ المكان.
وفجأة قالت فايزة:
ـ كله بسببها.
رفع رأسه ببطء.
ـ مين؟
ـ نور.
ـ أمي…
ـ هي اللي بلغت عنك.
ـ لأنها اكتشفت.
توقفت الكلمات فجأة.
نظرت إليه فايزة.
ـ اكتشفت إيه؟
للمرة الأولى ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
لأنه لم يخبر أمه بكل شيء.
لم يخبرها عن القروض.
ولا عن الخسائر.
ولا عن الأموال التي أخذها من ميراث نور ليغطي بها ديونه.
ولا عن التوقيعات التي قلدها.
همست فايزة:
ـ كريم…
إنت عملت إيه؟
لكن كريم لم يجب.
لأنه هو نفسه بدأ يدرك حجم الكارثة.
في صباح اليوم التالي…
كانت نور تستعد للخروج من المستشفى.
سارة تحمل الهدايا.
والممرضات يودعن الطفلة الصغيرة.
وعندما وصلت إلى باب المستشفى…
وجدت شخصًا يقف هناك.
شخصًا لم تتوقع رؤيته.
تجمدت مكانها.
واتسعت عيناها.
لأن الرجل الذي كان يقف أمامها…
كان والد كريم.
الرجل الذي اختفى من حياتهم منذ سنوات طويلة.
والذي كانت فايزة تمنع حتى ذكر اسمه داخل البيت.
نظر إليها بهدوء.
ثم إلى الطفلة.
وقال بصوت منخفض:
ـ أخيرًا قابلت حفيدتي.
لكن ما قاله بعدها…
جعل نور تشعر بقشعريرة تسري في جسدها كله.
إذ أخرج ملفًا سميكًا من حقيبته وقال:
ـ لو كنتِ تعتقدين أن ما اكتشفتيه هو كل الحقيقة…
فأنتِ لم تري شيئًا بعد.
ثم وضع الملف بين يديها.
وأضاف:
ـ لأن فايزة وكريم يخفون سرًا أكبر من كل اللي عرفتيه.
(يتبع…)
الفصل الرابع
وقفت نور مشدوهة أمام الرجل.
كانت تعرفه من الصور القديمة فقط.
صور باهتة كانت تراها أحيانًا في درج قديم قبل أن تختفي فجأة من البيت.
والد كريم.
الرجل الذي كانت فايزة تصفه دائمًا بالخائن والفاشل.
الرجل الذي مُنع الجميع من ذكر اسمه.
نظرت إلى الملف في يده.
ثم سألته بحذر:
ـ حضرتك… ليه جاي دلوقتي؟
تنهد الرجل طويلًا.
وقال:
ـ لأني كنت مستني اللحظة اللي تقدري فيها تسمعي الحقيقة كاملة.
تبادلت نور وسارة النظرات.
ثم قالت سارة:
ـ ممكن نتكلم في مكان تاني؟
هز الرجل رأسه.
بعد ساعة…
كانت نور تجلس في شقتها الجديدة المؤقتة التي استأجرتها المحامية مروة لها.
ليان نائمة في سريرها الصغير.
وسارة تجلس بجوارها.
أما الرجل فكان يحدق في الملف أمامه.
ثم قال:
ـ اسمي محمود.
وأنا مش جاي أدافع عن كريم.
ولا عن أمه.
أنا جاي لأن اللي حصل لك شبه اللي حصل لي من عشرين سنة.
ساد الصمت.
ثم فتح الملف.
وأخرج أول مستند.
ـ تعرفي الشركة اللي كريم بيقول إنه بناها بنفسه؟
ـ أيوة.
ـ الشركة دي كانت شركتي أنا.
شعرت نور بالدهشة.
ـ إيه؟
ـ أسستها من الصفر.
وسجلتها باسمي.
وكانت ناجحة جدًا.
لكن فايزة كانت عايزة كل حاجة.
السلطة والفلوس والتحكم.
بدأت نور تشعر بأنفاسها تتسارع.
أكمل محمود:
ـ ومع الوقت أقنعت كريم وأنا لسه عايش معاهم إن أبوه ضعيف… وإنها هي اللي بنت كل حاجة.
ولما اختلفنا…
لفقت لي اتهامات.
وزورت أوراق.
واستولت على نص الشركة.
شهقت سارة:
ـ تزوير كمان؟
ابتسم محمود بمرارة.
ـ التزوير بالنسبة لفايزة وسيلة مش جريمة.
في الجانب الآخر من المدينة…
كانت فايزة تجلس في منزلها بعصبية شديدة.
لم تنم طوال الليل.
كل دقيقة كانت تمر تزيد خوفها.
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة.
ثم شحب وجهها.
الاسم الظاهر كان:
“حسام”.
أخوها الأصغر.
ردت بسرعة.
ـ أيوة؟
جاءها صوته المرتبك:
ـ فايزة… لازم نتكلم.
ـ دلوقتي؟
ـ حالًا.
شعرت بانقباض في قلبها.
ـ حصل إيه؟
صمت للحظات.
ثم قال:
ـ فيه ناس جم يسألوا عن أوراق قديمة.
أوراق تخص الشركة.
تجمدت يدها.
ـ أي أوراق؟
ـ الأوراق اللي طلبتي مني أخفيها زمان.
لأول مرة منذ سنوات…
شعرت فايزة بالخوف الحقيقي.
في المساء…
كانت نور تقلب المستندات واحدة تلو الأخرى.
كل صفحة تكشف جزءًا جديدًا من الماضي.
تحويلات مالية.
عقود.
مراسلات.
شهادات شهود.
وأسماء لم تسمع بها من قبل.
ثم توقفت عند ورقة معينة.
رفعتها ببطء.
ـ إيه ده؟
نظر محمود إليها.
ثم تنهد.
ـ دي أهم ورقة في الملف كله.
قرأت نور الاسم المكتوب.
ثم اتسعت عيناها.
لأن الوثيقة كانت تثبت أن الشقة التي عاش فيها كريم وتفاخر بأنها ملكه…
لم تكن ملكه أصلًا.
ولا حتى ملك فايزة.
بل كانت مسجلة باسم شخص آخر تمامًا.
شخص توفي قبل سنوات.
همست نور:
ـ مستحيل…
ـ للأسف حقيقي.
ـ يعني كريم ماكانش يملك البيت؟
ـ ولا متر واحد فيه.
تذكرت فجأة كل مرة كان يصرخ فيها:
“البيت ده من فلوسي.”
كل مرة كان يهددها بالطرد.
كل مرة كان يذكرها بأنها تعيش بفضله.
وشعرت بموجة غضب تجتاحها.
في اليوم التالي…
استيقظ كريم على طرق عنيف على الباب.
فتح وهو متوتر.
فوجد رجلين بملابس رسمية.
أبرز أحدهما بطاقة تعريف.
وقال:
ـ صباح الخير.
معانا أمر بمراجعة بعض المستندات المالية الخاصة بحضرتك.
شحب وجه كريم.
ـ دلوقتي؟
ـ حالًا.
في الداخل…
كانت فايزة تسترق السمع.
وكلما سمعت كلمة جديدة شعرت بأن الكارثة تكبر.
حتى جاء السؤال الذي جعل الدم يتجمد في عروقها:
ـ فين النسخ الأصلية من العقود اللي تمت سنة 2011؟
سقط الكوب من يدها وتحطم على الأرض.
التفت الجميع نحوها.
أما كريم…
فأدرك في تلك اللحظة أن الماضي الذي دفنوه منذ سنوات بدأ يخرج إلى النور.
وأن نور لم تعد مجرد زوجة غاضبة.
بل أصبحت أخطر شخص في حياتهما.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن قد ظهرت بعد…
لأن مروة كانت في طريقها إلى نور ومعها نتيجة تحقيق خاص طلبته قبل أسابيع.
نتيجة قد تثبت أن شخصًا ثالثًا كان يتلاعب بالجميع من الخلف…
شخص لم تتوقع نور اسمه أبدًا.
(يتبع…)