اتحجزت في المستشفي حكـايـات أسمـا ×2

الفصل الثالث

 

الصورة فضلت في إيده طول الليل.

 

كل شوية يرفعها ويبص فيها.

 

ثم يرجع يقلبها.

 

ويقرأ الجملة من جديد.

 

“أجمل يوم في حياتي.”

 

…

 

كان فيه شيء موجع في الكلمات.

 

شيء يخلي القلب يضيق حتى من غير ما يفهم السبب.

 

…

 

لو كانت مجرد معرفة قديمة.

 

ليه تحتفظ بصورته عشر سنين؟

 

…

 

ولو كان مجرد زبون أو صديق.

 

ليه تبصله بالطريقة دي؟

 

…

 

وليه كانت قاعدة جنبه بالليل؟

 

…

 

وليه كانت بتخبي الحقيقة؟

 

…

 

لما دخلت سارة الصبح.

 

وشافت الصورة فوق السرير.

 

اتجمدت مكانها.

 

…

 

ثانية.

 

بس ثانية واحدة.

 

لكن أحمد لاحظها.

 

…

 

قال بهدوء:

 

“وقعت منك.”

 

…

 

سارة ما ردتش.

 

…

 

قربت ببطء.

 

وأخذت الصورة من فوق الكومود.

 

…

 

ثم قالت:

 

“كنت هارجع آخدها.”

 

…

 

قال:

 

“مين كنت بالنسبة لك؟”

 

…

 

الصمت ملأ الأوضة.

 

…

 

الممرضات في الممر.

 

صوت الأجهزة.

 

حركة العربيات برة المستشفى.

 

كل حاجة كانت موجودة.

 

لكن بالنسبة لهم.

 

الدنيا كلها وقفت.

 

…

 

قال أحمد:

 

“قوليلي.”

 

…

 

“أنا تعبت من كلمة بعدين.”

 

…

 

سارة بلعت ريقها.

 

…

 

ثم جلست على الكرسي المقابل له.

 

…

 

لأول مرة.

 

مش كممرضة.

 

…

 

لكن كإنسانة شايلة حكاية قديمة.

 

…

 

وقالت بصوت هادي:

 

“من عشر سنين.”

 

…

 

“كنت بشتغل في محل ورد صغير.”

 

…

 

“وأنت كنت بتعدي كل يوم تقريبًا.”

 

…

 

أحمد كان يسمع.

 

يحاول يربط أي حاجة.

 

…

 

لكن عقله ما زال ضبابي.

 

…

 

أكملت:

 

“في الأول كنت زبون.”

 

…

 

“وبعدين بقيت صاحب المحل.”

 

…

 

“وبعدين بقيت صاحبي.”

 

…

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

…

 

وقالت:

 

“وبعدين بقيت كل حياتي.”

 

…

 

أحمد حس بقلبه ينقبض.

 

…

 

لأن الجملة خرجت منها ببساطة.

 

لكن واضح إنها دفعت عمر كامل ثمنها.

 

…

 

سألها:

 

“كنا مرتبطين؟”

 

…

 

سارة أغمضت عينيها.

 

…

 

ثم هزت رأسها.

 

…

 

“أيوه.”

 

…

 

“كنا مخطوبين.”

 

…

 

الدنيا سكتت.

 

…

 

أحمد ظل يحدق فيها.

 

…

 

غير قادر على الكلام.

 

…

 

خطيبته.

 

…

 

الست اللي كانت هتبقى مراته.

 

…

 

قاعده قدامه دلوقتي.

 

…

 

وهو ما يعرفهاش.

 

…

 

قال بصوت منخفض:

 

“إزاي؟”

 

…

 

سارة ضحكت ضحكة حزينة.

 

…

 

وقالت:

 

“ده نفس السؤال اللي سألته لنفسي سنين.”

 

…

 

“إزاي كل حاجة انتهت بالشكل ده.”

 

…

 

أحمد أخذ نفسًا عميقًا.

 

…

 

ثم قال:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

…

 

سارة سكتت.

 

…

 

ولأول مرة.

 

ظهر الوجع الحقيقي على وشها.

 

…

 

وقالت:

 

“في يوم اختفيت.”

 

…

 

اتجمد.

 

…

 

“اختفيت؟”

 

…

 

هزت رأسها.

 

…

 

“من غير مكالمة.”

 

…

 

“من غير رسالة.”

 

…

 

“من غير تفسير.”

 

…

 

“من غير حتى كلمة وداع.”

 

…

 

أحمد شعر بالاختناق.

 

…

 

لأنه يعرف نفسه.

 

…

 

أو على الأقل يعرف الشخص اللي كانه.

 

…

 

ومستحيل يعمل حاجة زي دي.

 

…

 

قال بسرعة:

 

“أكيد فيه سبب.”

 

…

 

ردت:

 

“أكيد.”

 

…

 

“بس أنا ما عرفتهوش.”

 

…

 

ثم وقفت.

 

…

 

واضح إن الكلام بقى أصعب مما توقعت.

 

…

 

وقالت:

 

“بعد شهرين عرفت إنك سافرت.”

 

…

 

“وبعدها بسنة سمعت إنك فتحت ورشتك.”

 

…

 

“وبعدها بسنين عرفت إنك عايش حياتك.”

 

…

 

ابتسمت بمرارة.

 

…

 

“أما أنا ففضلت مستنية تفسير.”

 

…

 

الصمت كان ثقيل.

 

…

 

ثم فجأة.

 

قال أحمد:

 

“أنا عمري ما اتجوزت.”

 

…

 

سارة رفعت عينيها بسرعة.

 

…

 

واضح إنها ما كانتش متوقعة الجملة.

 

…

 

قال:

 

“ولا ارتبطت.”

 

…

 

“ولا حتى حبيت حد.”

 

…

 

ولأول مرة.

 

ظهر الارتباك على وشها.

 

…

 

لأن ده ما كانش منطقي.

 

…

 

لو سابها علشان واحدة تانية.

 

فين هي؟

 

…

 

ولو نسيها.

 

ليه عمره ما كمل حياته؟

 

…

 

وقبل ما حد فيهم يتكلم.

 

…

 

دخلت ندى أخت أحمد.

 

…

 

وفي إيدها كيس قديم.

 

…

 

وقالت:

 

“لقيت ده وأنا بنضف البيت.”

 

…

 

وحطته فوق السرير.

 

…

 

أحمد فتحه باستغراب.

 

…

 

كان صندوق خشب صغير.

 

…

 

قديم.

 

…

 

مغبر.

 

…

 

وعليه اسمه.

 

…

 

“أحمد.”

 

…

 

فتح الغطا ببطء.

 

…

 

وفي اللحظة التالية.

 

…

 

شحب وجه سارة بالكامل.

 

…

 

لأن الصندوق كان مليان صورها.

 

…

 

رسائلها.

 

…

 

وهداياها القديمة.

 

…

 

وخاتم الخطوبة.

 

…

 

كل حاجة.

 

…

 

كل شيء احتفظ به أحمد عشر سنين كاملة.

 

…

 

وفوق كل الذكريات.

 

…

 

كان فيه ظرف أصفر لم يفتح أبدًا.

 

…

 

مكتوب عليه بخط واضح:

 

…

 

“إلى أحمد.”

 

…

 

“الحقيقة اللي لازم تعرفها.”

 

…

 

وتاريخ الظرف كان قبل اختفائه بثلاثة أيام فقط.

 

يتبع…

 

الفصل الرابع

 

الظرف كان قديم.

 

أطرافه صفراء.

 

والورق متآكل من الزمن.

 

لكن الشيء الغريب.

 

إنه ما كانش مفتوح.

 

أبدًا.

 

…

 

أحمد قلبه بدأ يدق بسرعة.

 

…

 

سارة كانت واقفة.

 

مش قادرة تبعد عينيها عنه.

 

…

 

لأنها لأول مرة تشوف الظرف ده.

 

…

 

وأول مرة تعرف إنه ما اتفتحش.

 

…

 

ندى قالت باستغراب:

 

“إيه ده؟”

 

…

 

لكن محدش رد.

 

…

 

أحمد بص للتاريخ المكتوب عليه.

 

…

 

قبل اختفائه بثلاثة أيام.

 

…

 

يعني قبل ما كل حاجة تنهار.

 

…

 

قبل ما سارة تفتكر إنه خانها.

 

…

 

وقبل ما هو يختفي من حياتها.

 

…

 

فتح الظرف ببطء.

 

…

 

وطلع منه ورقتين.

 

…

 

أول سطر خلا سارة تتجمد.

 

…

 

لأن الرسالة ما كانتش منها.

 

…

 

ولا من أحمد.

 

…

 

كانت من شخص تالت.

 

…

 

شخص اسمه:

 

“محمود عبدالرحمن.”

 

…

 

والد سارة.

 

…

 

سارة شهقت.

 

…

 

وقالت:

 

“بابا؟”

 

…

 

أحمد بدأ يقرأ بصوت مرتعش:

 

…

 

“يا أحمد.”

 

…

 

“لو وصلت لك الرسالة دي فأرجوك ما تسيبش بنتي.”

 

…

 

“أنا عارف إن اللي هقوله صعب.”

 

…

 

“لكن لازم تعرف الحقيقة.”

 

…

 

الغرفة كلها سكتت.

 

…

 

أحمد أكمل.

 

…

 

“أنا مريض.”

 

…

 

“وأيامي معدودة.”

 

…

 

“والناس اللي أنا مديون لهم بدأوا يهددوا سارة.”

 

…

 

“لو حصلي حاجة.”

 

…

 

“خدها وامشوا بعيد.”

 

…

 

“ما تسيبهاش لوحدها.”

 

…

 

أحمد توقف.

 

…

 

والصدمة كانت واضحة على وشه.

 

…

 

أما سارة.

 

…

 

فكانت بتبكي بصمت.

 

…

 

لأنها ما كانتش تعرف أي حاجة عن الرسالة.

 

…

 

ولا عن مرض أبوها.

 

…

 

ولا عن الديون.

 

…

 

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

 

…

 

لأن أحمد قلب الصفحة الثانية.

 

…

 

وكان فيها سطر واحد فقط.

 

…

 

بخط مختلف.

 

…

 

خط متعجل.

 

…

 

واضح إنه اتكتب تحت ضغط.

 

…

 

السطر كان:

 

…

 

“لو وصلك الظرف بعد يوم 12 مايو.”

 

…

 

“ما ترجعش البيت.”

 

…

 

“فيه حد من أقرب الناس ليك باعك.”

 

…

 

إيدي أحمد بدأت ترتعش.

 

…

 

لأن التاريخ المكتوب.

 

…

 

كان نفس اليوم اللي اختفى فيه من حياة سارة.

 

…

 

نفس اليوم بالضبط.

 

…

 

قال أحمد ببطء:

 

“مين اللي كان المفروض يديني الرسالة؟”

 

…

 

ندى ردت بسرعة:

 

“أكيد حد من أصحابك.”

 

…

 

لكن سارة كانت مركزة في حاجة تانية.

 

…

 

قالت:

 

“استنى.”

 

…

 

“الصندوق ده كان فين؟”

 

…

 

ندى قالت:

 

“في أوضة أحمد.”

 

…

 

“جوه الدولاب.”

 

…

 

“في الرف اللي فوق.”

 

…

 

أحمد فجأة اتجمد.

 

…

 

لأن حاجة بدأت تظهر في ذاكرته.

 

…

 

مشهد صغير.

 

…

 

شخص داخل الورشة.

 

…

 

ظرف أصفر.

 

…

 

وصوت بيقول:

 

“دي أمانة.”

 

…

 

ثم ظلام.

 

…

 

ثم مشهد تاني.

 

…

 

واحد من أقرب أصحابه.

 

…

 

واقف جنبه.

 

…

 

وبيتكلم في التليفون.

 

…

 

ويقول:

 

“متقلقش.”

 

…

 

“هو مش هيعرف حاجة.”

 

…

 

أحمد وضع يده على رأسه.

 

…

 

الألم ضربه بقوة.

 

…

 

وسارة قامت بسرعة.

 

…

 

لكن قبل ما تتكلم.

 

…

 

قال أحمد جملة خلت الجميع يسكت.

 

…

 

“أنا أفتكرت اسمه.”

 

…

 

ندى شهقت.

 

…

 

وسارة قربت منه.

 

…

 

وقال ببطء:

 

…

 

“حسام.”

 

…

 

حسام العطار.

 

…

 

أقرب صاحب لأحمد وقتها.

 

…

 

الرجل اللي كان بيعتبره أخوه.

 

…

 

والشخص الوحيد اللي كان يعرف كل تفاصيل حياته.

 

…

 

بما فيها موعد الفرح.

 

…

 

ومكان البيت.

 

…

 

وحتى مشاكل سارة العائلية.

 

…

 

لكن المفاجأة كانت أكبر من كده.

 

…

 

لأن ندى شحبت فجأة.

 

…

 

وقالت:

 

“مستحيل.”

 

…

 

أحمد بص لها.

 

…

 

“ليه؟”

 

…

 

ندى بلعت ريقها.

 

…

 

وقالت:

 

“لأن حسام مات.”

 

…

 

الصمت نزل على الأوضة كلها.

 

…

 

أما ندى فأكملت.

 

…

 

“من سبع سنين.”

 

…

 

“في حادثة غامضة.”

 

…

 

“والشرطة وقتها قفلت الملف.”

 

…

 

أحمد شعر بقشعريرة تسري في جسمه.

 

…

 

لأن الراجل الوحيد اللي ممكن يجاوب على كل الأسئلة.

 

…

 

مات.

 

…

 

أو على الأقل.

 

…

 

ده اللي الناس كلها كانت مصدقاه.

 

…

 

لكن في نفس اللحظة.

 

…

 

دخل أحد الممرضين بسرعة.

 

…

 

وقال لسارة:

 

“في راجل برة بيسأل على الأستاذ أحمد.”

 

…

 

سارة قالت:

 

“مين؟”

 

…

 

الممرض رد:

 

“بيقول إن اسمه…”

 

…

 

وتردد لحظة.

 

…

 

ثم قال:

 

…

 

“حسام العطار.”

 

…

 

وتحت اسم الزائر.

 

…

 

كانت الكاميرات تعرض صورة رجل حي.

 

…

 

واقف عند استقبال المستشفى.

 

…

 

وينظر مباشرة نحو كاميرا المراقبة.

 

…

 

كأنه يعرف أن أحمد يراه.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *