حقيقه مؤلمه حكـايـات أسمـا ×4

بعد شهور طويلة من الهدوء النسبي… سلوى بدأت تخاف من حاجة غريبة جدًا.

الراحة.

لأنها طول عمرها عاشت على الجري. على القلق. على الإحساس إن فيه كارثة جاية لازم تلحق تمنعها.

حتى وهي قاعدة دلوقتي في معرض الرسم الصغير بتاعها، وسط لوحاتها وريحت الألوان والقهوة، كان جزء جواها مستني التليفون يرن بمصيبة جديدة.

لكن المرة دي… التليفون رن فعلًا.

والمصيبة كانت بصوت صغير.

— ماما… ممكن تيجي؟

اتجمد قلبها فورًا.

صوت كريم كان متكسر بطريقة رجعتها سنين لورا.

وقفت بسرعة: — مالك؟ حصل إيه؟

ثواني صمت عدت قبل ما يقول: — أنا في المستشفى.

الدنيا اسودت قدامها للحظة.

مافكرتش.

ماخدتش شنطتها حتى.

جريت.

طول الطريق وقلبها بيرجف بنفس الرعب القديم اللي كانت تحسه وهو صغير لما حرارته تعلى أو يتأخر بره البيت.

وصلت مستشفى صغيرة في المهندسين، وسألت عليه بلهفة.

الممرضة أشارت ناحية أوضة الكشف.

ولما دخلت…

لقته قاعد على السرير، إيده متجبسة، ووشه متخبط وفيه جرح جنب حاجبه.

شهقت: — يا نهار أبيض!

رفع عينه لها بسرعة… وفي اللحظة اللي شافها فيها، التعب اللي كان مخبيه وقع مرة واحدة.

قال بصوت مرهق: — العربية خبطتني بالموتوسيكل.

قربت منه فورًا تتحسس وشه كأنها بتتأكد إنه فعلًا قدامها.

— إنت كويس؟ الدكتور قال إيه؟ فيه حاجة خطيرة؟

هز راسه: — شرخ بسيط وكدمات.

لكنها كانت شايفة حاجة أخطر.

كان لوحده.

مافيش ياسمين.

مافيش أصحاب.

مافيش “ناس مناسبة.”

هي بس.

نفس الست اللي وقفها برا فرحه.

الدكتور دخل وقتها وقال: — الحمد لله الإصابة بسيطة… بس لازم حد يفضل معاه الليلة دي.

كريم بص لسلوى بخجل موجع.

وقالت فورًا: — أنا موجودة.

رجعوا البيت متأخر.

سلوى كانت ماشية جنبه ببطء، وإيدها متعلقة بذراعه كأنه لسه طفل بيتعلم المشي.

ولما دخلوا الشقة، قالت بصرامة أم قديمة: — اقعد. ماتتحركش.

رغم ألمه… ضحك.

بقاله سنين ماحدش اهتم بيه بالطريقة دي.

حضرتله شوربة سخنة، وقعدت قصاده تراقبه وهو بياكل.

قال بعد شوية بصوت هادي: — كنت خايف أموت لوحدي النهارده.

السخونية طلعت في قلبها فورًا.

— بعد الشر عليك.

هز راسه ببطء. — أول حد جه في بالي كان إنتِ.

سكتت.

وكريم بص لها بعينين مرهقين وقال: — عارف إني ما استاهلش… بس لما شوفت الدم افتكرت ليلة الفرح، وفكرت إن لو جرالي حاجة… آخر صورة بينا كانت إني بطردك.

الدموع لمعت في عينيها غصب عنها.

لكنها خبتها بسرعة وهي تقول: — كفاية كلام دلوقتي. كُل.

بعد ما نام على الكنبة بسبب الجبس، سلوى فضلت قاعدة جنبه تبصله.

نفس الرموش الطويلة من وهو صغير.

نفس الطريقة اللي بيكشر بيها وهو نايم.

وفجأة… افتكرت أول ليلة نام فيها في بيتها.

كان عنده ٣ سنين، وخايف لدرجة إنه ماكانش بيسيب طرف هدومها.

وفي نص الليل صحى مفزوع لأنه فاكر إنها اختفت.

وقتها حضنته وقالتله: — أنا هنا.

النهارده، بعد عشرات السنين…

كانت لسه هنا.

وفي الصبح…

صحى كريم على ريحة الفطار.

فتح عينه ببطء، ولقى سلوى واقفة في المطبخ بتقلب البيض.

لحظة بسيطة جدًا.

لكنها ضربته من جواه.

لأنه فجأة حس قد إيه كان قريب يخسر ده كله للأبد.

قال بهدوء: — ماما؟

لفت ناحيته.

ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة: — شكرًا إنك جيتي.

ردت بعفوية: — حتى لو الدنيا كلها سابتك… أنا مش هسيبك يا ابني.

وبمجرد ما قالتها…

سكتت.

لأنها خافت تكون بترجع لنفس الغلط القديم.

لكن كريم هز راسه بسرعة وقال: — لا… ماتقوليش كده.

استغربت.

قال وهو يقعد ببطء: — ماتربطيش حياتك بيا تاني… أنا مش عايزك ترجعي تضيعي نفسك علشاني.

الجملة خلتها تبصله طويل.

لأنه لأول مرة…

بيفكر فيها هي.

مش نفسه بس.

بعد أسبوعين، كريم بدأ يتحسن.

وفي نفس الوقت، علاقتُه بعادل بدأت تتغير بشكل غريب.

في الأول كان بيتعامل معاه بتحفظ.

رجل دخل حياة أمه فجأة بعد عمر كامل كانت هي فيه ملكه لوحده.

لكن عادل ماحاولش ينافسه.

ماحاولش ياخد مكانه.

وفي يوم، كانوا التلاتة قاعدين يتغدوا، لما سلوى دخلت المطبخ تجيب حاجة، وعادل بص لكريم وقال بهدوء: — إنت محظوظ.

كريم عقد حواجبه: — محظوظ؟

ابتسم عادل. — عندك أم بتحبك بالشكل ده.

نزل كريم عينه.

قال بصوت منخفض: — وأنا أذيتها أوي.

— كل الناس بتغلط.

— مش بالشكل ده.

سكت عادل لحظة… وبعدها قال: — سلوى فضلت سنين شايفة نفسها من خلالك إنت. دلوقتي هي بتحاول تشوف نفسها كبني آدمة لوحدها… ماتخليش إحساسك بالذنب يشدها لورا تاني.

الكلام دخل قلب كريم مباشرة.

لأنه كان حاسس فعلًا إنه كل ما يخاف يخسرها… يبدأ يتعلق بيها أكتر.

وخاف يكون بيكرر نفس الأنانية القديمة بشكل جديد.

وفي نفس الليلة…

كان واقف في البلكونة مع أمه.

الهوا ساقع، والقاهرة تحتهم مليانة دوشة وأنوار.

قال فجأة: — أنا فاكر اسم أمي الحقيقية.

اتجمدت سلوى للحظة.

عمره ما فتح الموضوع ده قبل كده.

قال بهدوء: — “منى.”

صوت الاسم كان غريب عليه.

بعيد.

كأنه اسم شخص شافه في حلم قديم.

سلوى سألته برفق: — فاكر منها حاجة؟

هز راسه ببطء. — ريحة برفان… وإيد كانت دايمًا مستعجلة.

سكت شوية.

— بس إنتِ… فاكر منك كل حاجة.

بصتله بصمت.

قال وعينه على الشارع: — فاكر صوت ماكينة الخياطة بالليل… فاكر إنك كنتِ تدفيني قبل ماتنامي حتى لو إنتِ بردانة… فاكر إنك كنتِ تدّعي إنك شبعانة علشان آخد آخر قطعة فراخ.

دموعها نزلت بهدوء.

وكريم كمل بصوت مكسور: — إزاي قدرت أختصر كل ده في كلمة “محرجاني”؟

ماعرفتش ترد.

لأن السؤال كان أكبر من أي إجابة.

بعد أيام…

سلوى راحت معرض فني كبير كانت مشاركة فيه بلوحتين.

ولأول مرة في حياتها، وقفت قدام ناس بيبصوا لشغلها بإعجاب حقيقي.

ست كبيرة وقفت قدام لوحة لها وسألت: — الفنانة دي مين؟

ولما عرفت إنها سلوى، قالت بانبهار: — اللوحة دي فيها وجع غريب… كأنها ست تعبت طول عمرها وقررت أخيرًا تختار نفسها.

الكلمات رجفت قلبها.

لأنها كانت الحقيقة.

وفي آخر المعرض، باعت أول لوحة في حياتها.

رجعت البيت والفرحة في عينيها شبه طفلة صغيرة.

أول واحد كلمته كان كريم.

رد بسرعة: — خير؟

ضحكت وهي شبه بتعيط: — بعت لوحة.

وسكت ثانية قبل ما تسمع صوته المليان فخر حقيقي:

— كنت عارف إنك موهوبة.

قفلت وهي قلبها بيدق.

لأنها فجأة استوعبت حاجة مهمة جدًا…

هو لأول مرة بيشوفها فعلًا.

مش مجرد “أمه.”

يشوفها كشخص.

كامرأة.

كإنسانة عندها حلم.

وفي الليلة دي…

كريم رجع شقته الصغيرة بعد الشغل، ولقى ظرف تحت الباب.

فتحه باستغراب.

وكانت صدمة.

دعوة قضائية جديدة من شركة قديمة مرتبطة بمشروعه المنهار.

قعد على الأرض فورًا.

التعب رجع ينهش صدره.

الفلوس اللي بيحاول يجمعها بالعافية مش هتكفي.

وحس للحظة بنفس الرعب القديم.

الرعب إنه يغرق.

أول فكرة جتله كانت يروح لسلوى.

كالعادة.

لكن قبل ما يتحرك…

وقف.

وافتكر كلامها.

“لو وقعت… اتعلم تقوم لوحدك.”

قفل عينه.

ولأول مرة…

ماطلبش منها تنقذه.

اتصل بمحامي.

قعد يراجع حساباته.

اشتغل ساعات زيادة.

باع الساعة الغالية اللي كان متمسك بيها كآخر رمز من حياته القديمة.

وكان موجوع.

لكن لأول مرة… واقف على رجله فعلًا.

وسلوى كانت شايفة ده كله من بعيد.

ومابتتدخلش.

رغم إن قلبها بيتقطع كل مرة تشوفه مرهق.

لكنها فهمت أخيرًا إن الحب مش دايمًا إنك تشيل الحمل عن اللي بتحبه.

أحيانًا الحب الحقيقي… إنك تسيبه يشيل نفسه.

وفي يوم جمعة هادي…

كانوا قاعدين سوا بيتغدوا، لما كريم قال فجأة: — فاكرة الجواب؟

رفعت عينها باستغراب: — أنهي جواب؟

— اللي كتبتيه يوم الفرح.

اتوترت ملامحها فورًا.

كانت مخبياه في درج مقفول، عمرها ما ادتهوله.

قال بهدوء: — ممكن أقراه؟

سكتت طويل.

ثم قامت ببطء، وراحت جابت الظرف القديم.

ناولتهوله بإيد مرتعشة.

كريم فتحه بحذر… وبدأ يقرأ.

ومع كل سطر…

وشه كان بيتكسر أكتر.

“يمكن ماكونش أمك بالدم… لكن عمري ما حسيت إن قلبي عرف معنى الأمومة غير معاك…”

“كل مرة كنت بتقولي يا ماما… كنت بحس إني اتخلقت علشان اللحظة دي…”

“أنا فخورة بيك حتى لو العالم كله شافك عادي…”

الورقة بدأت تهتز بين صوابعه.

ولما وصل لآخر سطر…

انهار.

“حتى لو في يوم كسرتني… هفضل أدعيلك بالسعادة، لأن الأم الحقيقية ما بتعرفش تبطل تحب.”

دفن وشه في إيده وعيط بصوت مخنوق.

وسلوى كانت قاعدة قدامه ساكتة، دموعها بتنزل هي كمان.

قال وسط دموعه: — أنا ماكنتش أستاهل الحب ده.

ردت بهدوء موجع: — الحب عمره ما كان بالجَدارة يا كريم… الحب الحقيقي بيتدي حتى وإنت مش مستحق.

رفع عينه ليها ببطء.

وقالت بابتسامة صغيرة حزينة: — بس لازم اللي بياخده يعرف قيمته قبل ما يضيع.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *