ليث الريس اسما السيد ▪︎2

الفصل التالي
خرج ليث من الغرفة بخطوات ثابتة لكن نورا رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل
لم يكن خوفًا
ولم يكن غضبًا فقط
كان شيئًا أعمق
كأن خبر اختفاء كريم لم يفتح بابًا جديدًا للحرب بل أعاد فتح قبر قديم ظل ليث يحاول إغلاقه سنوات طويلة
سار في الممر والمستشفى كله بدا كأنه يحبس أنفاسه خلفه
الحراس تحركوا فورًا
أحدهم أغلق المصعد
وآخر انطلق نحو السلم
وثالث كان يتحدث في جهاز صغير بصوت منخفض وهو يقول
لا أحد يدخل ولا أحد يخرج
أما نورا فوقفت للحظة في مكانها لا تعرف هل تلحق به أم تعود إلى ليلى
كان قلبها ممزقًا بين أختها النائمة خلف الباب وبين الرجل الذي صار وجوده حولها مثل جدار نار
وفجأة توقفت خطوات ليث
استدار إليها من آخر الممر وقال بصوت لا يقبل الرفض
نورا
اقتربت منه ببطء
قال وهو ينظر إلى باب غرفة ليلى
أختك ستبقى هنا تحت حماية رجالي
هزت رأسها بعناد
لن أتركها
اقترب منها حتى صار صوته لا يسمعه غيرها
لو بقيت هنا سيعودون من أجلك
ولو عادوا هذه المرة فلن يأتوا برجل واحد مذعور يحمل مسدسًا
سيحرقون الطابق كله حتى يصلوا إليك
تجمدت ملامحها
ثم همست
إذن أنت تريدني أن أهرب معك
قال بهدوء
لا
أريدك أن تعيشي
كانت تلك الكلمة وحدها كافية لتسكتها
تعيش
منذ موت والديها وهي لا تفعل غير الركض
تركض بين المطاعم
تركض خلف فواتير العلاج
تركض خلف أجرة البيت
تركض خلف حياة لا تمنحها فرصة واحدة لالتقاط أنفاسها
ولأول مرة يقول لها شخص بصوت حاسم إنه يريدها أن تعيش
حتى لو كان هذا الشخص رجلًا لا تعرف هل هو منقذ أم خطر أكبر من كل ما هربت منه
عادت إلى غرفة ليلى وانحنت على أختها وقبلت جبينها برفق
كانت ليلى ما تزال غارقة في النوم
همست نورا قرب أذنها
هارجعلك يا ليلى
أوعدك
ثم تركت يدها بصعوبة وخرجت
في الخارج كان ليث ينتظرها عند المصعد الخاص
لم يقل شيئًا
لم يواسها
ولم يعدها بكلمات لطيفة
لكنه حين رأى يدها ترتجف خلع معطفه الأسود ووضعه على كتفيها
كان المعطف دافئًا وثقيلًا ويحمل رائحة عطره البارد
رائحة خشب ودخان وشيء لا تستطيع وصفه
قالت بصوت منخفض
مش محتاجة
أجاب دون أن ينظر إليها
أعرف
ومع ذلك لم يأخذه منها
نزلوا إلى الطابق الأرضي حيث كان المدخل الخلفي للمستشفى مزدحمًا برجال ليث
السيارات السوداء مصطفة مثل وحوش تنتظر أمرًا
فتح أحد الحراس الباب الخلفي لسيارة مصفحة
دخلت نورا أولا
ثم جلس ليث بجانبها
تحرك الموكب فورًا
كانت القاهرة خارج الزجاج مختلفة
الشوارع التي تعرفها نورا بدت غريبة تحت ضوء الفجر الباهت
الكباري فارغة تقريبًا
النيل ساكن كأنه لا يعرف شيئًا عن الدم الذي سال تلك الليلة
والمدينة التي كانت دائمًا صاخبة بدت كأنها تراقبهم بصمت
لم تتكلم نورا طويلًا
لكن الأسئلة كانت تأكل صدرها
وأخيرًا قالت
لماذا يكرهك أخوك لهذا الحد
ظل ليث ينظر إلى الطريق أمامه
لفترة ظنت أنه لن يجيب
ثم قال
لأن أبي اختارني
نظرت إليه
اختارك لماذا
ابتسم بسخرية خفيفة
لكل شيء
الشركات
الاسم
النفوذ
حتى الخطايا
لم تفهم نورا
فأكمل بصوت هادئ
كريم كان الابن الذي يضحك أمام الناس
كان وسيمًا محبوبًا خفيف الظل
أما أنا فكنت الابن الذي يرسله أبي لحل المشكلات
والمشكلات في بيت الريس لم تكن تُحل بالكلام
شعرت نورا بقشعريرة
قالت
كنت صغيرًا
أجاب
كنت أكبر مما يسمح لي بالخوف
سكت للحظة ثم أضاف
عندما مات أبي ترك وصيته لي
كل شيء باسمي
وكريم لم يغفر ذلك أبدًا
قالت نورا بحذر
وربما كان يشعر أنك أخذت مكانه
التفت إليها ببطء
لم يكن غاضبًا
بل كأنها لمست جرحًا لا يسمح لأحد برؤيته
قال
ربما
ثم عاد ينظر إلى الطريق
لكن نورا لم تسكت
ولماذا لم تعطه جزءًا مما يريد وتنهي الحرب
ضحك ليث ضحكة قصيرة باردة
لأن كريم لا يريد جزءًا يا نورا
كريم يريد أن يقف فوق قبري ويأخذ كل شيء
وفي اللحظة نفسها رن هاتفه
نظر إلى الشاشة
ثم أجاب
تكلم
استمع لثوان قليلة
ثم اشتدت أصابعه حول الهاتف
قال
أين
صمت
ثم أغلق الخط
نورا شعرت أن الهواء داخل السيارة تغير
سألته
ماذا حدث
قال ببرود
وجدوا سيارة كريم قرب المعادي
فارغة
وقبل أن تسأله أكثر دوى صوت قوي خلفهم
اهتزت السيارة فجأة
صرخت نورا وتمسكت بالمقعد
التفتت فرأت إحدى سيارات الحراسة تنحرف بعنف ثم تصطدم بالحاجز الحديدي
صرخ السائق
هجوم
وفي اللحظة التالية انطلقت الرصاصات على الزجاج المصفح مثل مطر معدني غاضب
انحنى ليث فوق نورا فورًا ودفع رأسها إلى الأسفل
قال بصوت حاد
لا ترفعي رأسك
كانت أنفاسه قريبة جدًا
وصدره يحجب عنها العالم
سمعت صوت الرصاص
صراخ الحراس
احتكاك الإطارات بالطريق
ثم صوت ليث وهو يعطي أوامر ببرود مخيف
يمين
اقطع الطريق
لا توقف السيارة
السيارة اندفعت بسرعة أكبر
نورا كانت محشورة بين المقعد وجسد ليث
لم تكن ترى شيئًا
لكنها كانت تشعر بكل شيء
ارتطام
فرملة
طلقات
زجاج يتشقق ولا ينكسر
ثم فجأة انحرفت السيارة بقوة حتى صدمت رأسها بكتفه
لم يتركها
بل شدها أكثر كأنه يحاول إدخالها داخل ضلوعه ليحميها
بعد دقائق من الجحيم بدأ الصوت يبتعد
ثم دخلت السيارة في طريق جانبي ضيق
ثم في مرآب تحت الأرض
توقفت أخيرًا
ظل ليث فوقها لثانيتين إضافيتين
ثم رفع رأسه ببطء
كان وجهه قريبًا جدًا
قريبًا لدرجة أنها رأت نقطة دم صغيرة على خده
همست
أنت تنزف
مسح الدم بإبهامه ونظر إليه
ليس دمي
لكنها رأت شقًا رفيعًا عند صدغه
رفعت يدها دون تفكير ولمست الجرح
تجمد هو
وتجمدت هي معه
كانت هذه أول مرة تلمسه دون خوف
أو ربما بخوف مختلف
سحبت يدها بسرعة
آسفة
نظر إليها طويلًا
ثم قال بصوت منخفض
لا تعتذري
فتح الباب ونزل
نزلت خلفه فوجدت نفسها في مرآب واسع أسفل مبنى لا تعرفه
كان هناك رجال ينتظرونهم
وأبواب حديدية
وكاميرات
ومصعد خاص
سألت
أين نحن
قال
مكان لا يعرفه كريم
صعدوا بالمصعد إلى طابق عال
وعندما فتح الباب وجدت نورا نفسها داخل شقة واسعة تطل على النيل
لم تكن مثل قصر الزمالك
لم تكن مليئة بالذهب والثريات
كانت هادئة وقاتمة وجدرانها رمادية وأثاثها قليل جدًا
بيت رجل لا يعيش حقًا
بل يختبئ حتى وهو يملك المدينة
دخل ليث أولًا وقال للحارس
لا أحد يصعد
ثم التفت إلى نورا
هذه الليلة ستبقين هنا
قالت فورًا
وأنت
أجاب
سأجد أخي
شعرت بانقباض غريب
هل ستخرج الآن بعد كل هذا
لماذا
كي لا يجدنا هو أولًا
اقتربت منه
أنت مصاب
قال
جرح بسيط
قالت بحدة
كل شيء عندك بسيط
القتل بسيط
الدم بسيط
الخوف بسيط
حتى حياتك بسيطة عندك
نظر إليها في صمت
ثم قال
وحياتك أنت
ارتبكت
ماذا
اقترب خطوة
ألم تفعلي الشيء نفسه طوال سنوات
تعملين حتى تسقطي
تجوعين كي تأكل أختك
تخافين ولا تقولين
تنهارين وحدك ثم تستيقظين في الصباح كأن شيئًا لم يحدث
أليست حياتك بسيطة عندك أيضًا يا نورا
صمتت
لأن كلماته أصابتها في مكان لا تعرف كيف تدافع عنه
ابتعدت عنه واتجهت نحو النافذة
النيل تحتها كان هادئًا
لكن داخلها كل شيء كان يغرق
قالت بصوت مكسور
أنا لم أختر هذا
سمعت خطواته خلفها
ثم صوته قريبًا
ولا أنا
استدارت إليه بعينين لامعتين
لكن الفرق أنك تستطيع إنهاءه
هز رأسه ببطء
بعض الحروب لا تنتهي عندما نريد
تنتهي عندما يموت آخر شخص مستعد لإشعالها
وفجأة رن هاتفه مرة أخرى
كان الرقم مجهولًا
فتح المكالمة ووضعها على السماعة
جاء صوت رجل هادئ ناعم
ليث
تصلبت ملامحه
كريم
تجمدت نورا
الصوت ضحك بخفة
سمعت أن خادمتك الصغيرة ما زالت حية
عين ليث اشتعلت ببرود قاتل
إياك أن تذكرها
ضحك كريم
إذن الخبر صحيح
لقد صارت مهمة
يا لها من مفاجأة
ليث الريس صار لديه نقطة ضعف
تقدمت نورا خطوة من الهاتف دون وعي
قال ليث
ماذا تريد
قال كريم
أريد ما كان يجب أن يكون لي من البداية
كل شيء
الشركات
القصر
اسم الريس
وأنت تختفي
أجاب ليث
تعال وخذه
ضحك كريم مرة أخرى
دائمًا تحب التمثيل دور الوحش
لكنني أعرفك يا أخي
أعرف الطفل الذي كان يقف خلف باب مكتب أبي ويرتجف
لم يتغير وجه ليث
لكن نورا رأت أصابعه تنقبض
قال كريم
هل أخبرت نورا عن أمك
ساد صمت قاتل
شعرت نورا أن شيئًا مظلمًا جدًا مر في الغرفة
قال ليث بصوت منخفض
أغلق فمك
لكن كريم تابع
هل أخبرتها لماذا ماتت
وفجأة أغلق ليث الهاتف بقوة كادت تكسره
لم يتحرك أحد
حتى الهواء توقف
نورا نظرت إليه بحذر
كان واقفًا وظهره إليها
كتفاه مشدودان
يده تقبض على الهاتف حتى ابيضت مفاصلها
قالت بهدوء
ليث
لم يرد
اقتربت خطوة
ما الذي كان يقصده
استدار إليها بسرعة
لا تسألي
كان صوته قاسيًا جدًا لدرجة أنها تراجعت
لكنها لم تهرب هذه المرة
قالت
حسنًا
سكتت لحظة ثم أضافت
لكن لا تصرخ في وجهي لأن أخاك يعرف كيف يؤذيك
تغير وجهه
كأن كلماتها فاجأته أكثر من الرصاص
اقترب منها بخطوة بطيئة
أنت لا تعرفين شيئًا
قالت
صحيح
أنا لا أعرف
لكنني أعرف شكل الإنسان عندما يضربه أحدهم في أضعف مكان فيه
ظل ينظر إليها
كانت تتوقع غضبه
لكن ما ظهر في عينيه كان تعبًا عميقًا
تعب رجل ظل واقفًا طويلًا حتى نسي كيف يسقط
أدار وجهه عنها وقال بصوت خافت
أمي ماتت بسببي
شعرت نورا بأن قلبها انقبض
لم تقل شيئًا
فأكمل
كنت في الرابعة عشرة
أبي كان يريدني أن أتعلم الطاعة
كنت قد رفضت تنفيذ أمر له
أمر لا يجب أن يطلب من طفل
فسجنني في غرفة ثلاثة أيام
أمي حاولت إخراجي
تشاجرت معه
وفي تلك الليلة خرجت بالسيارة وهي تبكي
ولم تعد
كان صوته ثابتًا
لكن الثبات نفسه كان مؤلمًا
قال
قالوا حادث
لكنني أعرف أن أبي كان السبب
وكريم يعرف أنني ألوم نفسي منذ ذلك اليوم
نورا شعرت بدموعها تقترب
قالت برفق
كنت طفلًا
نظر إليها بعينين مظلمتين
في بيتنا لا يوجد أطفال
اقتربت منه دون أن تفكر
ثم قالت
هذا ليس ذنبك
ضحك بمرارة
أنت تقولين ذلك لأنك لا تعرفيننا
أجابت بثبات
بل أقول ذلك لأنني أعرف الذنب
رفعت عينيها إليه
أنا أيضًا ألوم نفسي على موت أبي وأمي
تغيرت ملامحه
قالت بصوت يرتجف
كنت معهم في السيارة يوم الحادث
ليلى كانت في البيت
كنت أنا في الخلف
طلبت من أبي أن يتوقف لأشتري شيئًا من الاستراحة
تأخرنا خمس دقائق
وبعدها على الطريق جاءت الشاحنة
لو لم أطلب ذلك ربما كنا عبرنا قبلها
صمتت وهي تحاول ابتلاع دموعها
كل ليلة أفكر في نفس الشيء
لو سكت
لو لم أطلب
لو لم أكن هناك
كان ليث ينظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى
همست
لكن الحقيقة أنني كنت طفلة
وأنت كنت طفلًا
والأطفال لا يقتلون آباءهم لأنهم بكوا أو خافوا أو طلبوا شيئًا
الصمت الذي تبع كلماتها كان مختلفًا
لم يكن صمت خطر
بل صمت انكشاف
كأنهما وقفا فجأة بلا دروع
مد ليث يده ببطء ومسح دمعة كانت قد أفلتت من عينها
لمسته كانت خفيفة جدًا
أخف مما توقعت من يد رجل يحمل السلاح كجزء من جسده
قال بصوت منخفض
أنت لا تشبهين أحدًا عرفته
قالت وهي تحاول أن تبتسم
ربما لأنك تعرف أسوأ الناس فقط
ظهر شيء يشبه الابتسامة على فمه
ربما
لكن اللحظة انكسرت سريعًا عندما دخل الحارس ووجهه مشدود
سيدي
التفت ليث إليه
تكلم
قال الحارس
وصل طرد إلى القصر باسم الآنسة نورا
بردت أطرافها
قال ليث
افتحوه في غرفة العزل
الحارس تردد
تم فتحه بالفعل
تصلبت عينا ليث
من أمر بذلك
قال الحارس بصوت منخفض
كان مكتوبًا عليه أنه يحتوي على دواء خاص بليلى
أغمضت نورا عينيها برعب
قال ليث
ماذا كان بداخله
أخرج الحارس هاتفه وعرض صورة
اقتربت نورا
كان داخل الصندوق عقد قديم من الذهب
وبجانبه صورة ممزقة
نورا شهقت
هذا عقد أمي
نظر إليها ليث فورًا
متأكدة
أومأت ببطء ووجهها شاحب
نعم
كان ضائعًا منذ الحادث
كانت أمي ترتديه يوم ماتت
ثم لم نجده أبدًا
أخذ ليث الهاتف من الحارس وحدق في الصورة
ثم قال ببطء
كريم لا يملك هذا العقد إلا إذا كان يعرف شيئًا عن الحادث
شعرت نورا أن الأرض انسحبت من تحتها
لا
لا لا
هذا مستحيل
اقترب منها ليث بسرعة عندما كادت تسقط
أمسكها من ذراعيها
نورا
رفعت عينيها إليه وهي تلهث
هل له علاقة بموت أهلي
لم يجب فورًا
وهذا كان أسوأ من أي إجابة
قالت بصوت أعلى
أجبني
قال بهدوء حذر
لا أعرف
لكنني سأعرف
ابتعدت عنه بعنف
لا تقولها كأنها قضية من قضاياك
هؤلاء أهلي
أمي وأبي
كانا كل شيء
وأنا عشت سنوات ألوم نفسي
سنوات يا ليث
لو كان أحدهم قتلهم
لو كان هذا كله مدبرًا
انكسر صوتها
لم تستطع إكمال الجملة
اقترب منها لكنه توقف قبل أن يلمسها
كأنه فهم أنها لا تريد أن يهدئها
قال
سأحضر لك الحقيقة
قالت وهي تبكي بغضب
وماذا ستفعل بها
ستقتل من فعلها
ستدفنه في مخزن مثل الآخرين
ثم ماذا
هل سيعود أبي
هل ستعود أمي
لم يرد
لأنها كانت محقة
الحقيقة لا تعيد الموتى
والانتقام لا يغسل الوجع
لكنه الشيء الوحيد الذي يعرفه
بعد ساعة جلسوا في غرفة مظلمة أمام شاشة كبيرة
ظهر على الشاشة تسجيل قديم من كاميرا محطة وقود على طريق الصعيد
كان التاريخ قبل سبع سنوات
نورا وقفت كأن أحدًا سحب روحها من جسدها
رأت سيارة أبيها البيضاء تتوقف
رأت نفسها صغيرة تنزل من الباب الخلفي
شعرها كان مربوطًا بضفيرة طويلة
كانت تضحك
رأت أمها تفتح النافذة وتناديها
رأت أباها يبتسم
وضعت نورا يدها على فمها وهي ترتجف
كان ليث يقف خلفها صامتًا
ثم ظهر في زاوية التسجيل رجل يرتدي قبعة سوداء
اقترب من السيارة بينما كانت نورا داخل المتجر
انحنى قرب العجلة الخلفية لثوان
ثم ابتعد
قال أحد رجال ليث
التسجيل الأصلي كان محذوفًا من أرشيف المحطة
وجدنا نسخة في خادم قديم
ليث سأل
من الرجل
الحارس ضغط زرًا فكبرت الصورة
لم تكن واضحة تمامًا
لكن الوشم على يده ظهر للحظة
ليث تجمد
نورا لاحظت ذلك فورًا
تعرفه
قال ليث بصوت ميت
نعم
من
أجاب
رجل كان يعمل مع أبي
ثم مع كريم
شعرت نورا بأن ركبتيها لا تقويان على حملها
قالت
إذن الحادث لم يكن حادثًا
لم يجب أحد
لكن الصمت كان اعترافًا
خرجت نورا من الغرفة بسرعة
لم تستطع التنفس
ركضت إلى الشرفة وفتحت الباب الزجاجي
هواء الفجر ضرب وجهها
لكن صدرها ظل مغلقًا
كل تلك السنوات
كل ليالي الذنب
كل مرة نظرت فيها إلى ليلى وهي نائمة وشعرت أنها السبب في يتمهما
كل ذلك ربما كان كذبة زرعها قاتل مجهول ثم مضى يعيش حياته
بكت
لكن بكاءها لم يكن هادئًا
كان موجعًا
غاضبًا
كأنه يخرج من عظامها
دخل ليث بعدها لكنه وقف بعيدًا
للمرة الأولى لم يفرض وجوده عليها
ترك لها المسافة
قالت دون أن تلتفت
كنت أكره نفسي
كل يوم
كنت أقول إنني السبب
قال بصوت منخفض
لست السبب
استدارت إليه
عيناها حمراوان
من فعل هذا
قال
سأعرف
قالت
لا
أريد أن أعرف أنا
نظر إليها طويلًا
هذا الطريق سيغيرك
ضحكت بمرارة
أكثر من هذا
اقترب خطوة
نورا
قالت بحزم
أريد اسم الرجل
أريد أن أنظر في عينيه وأسأله لماذا
أريد أن أعرف من دفع له
ولماذا نحن
لماذا أبي وأمي
ليث كان يرى شيئًا يتغير فيها
الخادمة التي همست له بجملة أنقذت حياته لم تعد تقف أمامه الآن
أمامه امرأة انكسر آخر شيء كان يمنعها من دخول النار
قال بهدوء
اسمه صابر الديب
كان منفذًا قديمًا لأوامر قذرة
اختفى منذ خمس سنوات
قالت
اعثر عليه
قال
سأفعل
قالت
لا
سنفعل
تغيرت عيناه
هذا ليس عالمك
أجابت
أصبح عالمي عندما وصل عقد أمي في صندوق إلى قصر يخضع لحراستك
لم يجد ردًا
لأنها كانت محقة مرة أخرى
في تلك اللحظة دخل الحارس سريعًا
سيدي
التفت ليث بضيق
ماذا
قال الحارس
وصلت رسالة جديدة
على هاتف الآنسة نورا
نورا بحثت عن هاتفها بيد مرتجفة
لم تكن قد انتبهت إليه منذ الهجوم
كانت هناك رسالة من رقم مجهول
فتحتها
كان النص قصيرًا
اسألي ليث لماذا كان والدك في طريقه لمقابلة أبيه ليلة الحادث
تجمدت نورا
رفعت عينيها إلى ليث
وكان وجهه قد تغير تمامًا
قالت ببطء
ماذا يعني هذا
لم يرد
قالت بصوت أعلى
ليث
تنفس بعمق
ثم قال
والدك لم يكن مجرد سائق كما تعتقدين
شعرت بأن العالم يميل مرة أخرى
ماذا
قال
كان يعمل محاسبًا سريًا عند أبي
محاسب ماذا
قال بصوت ثقيل
كان يحتفظ بدفاتر لا يعرف بوجودها إلا عدد قليل من الناس
دفاتر فيها أسماء
تحويلات
صفقات
جرائم
أبوكي كان سيقابل أبي تلك الليلة ليسلمه شيئًا
نورا شعرت بيد باردة تعصر قلبها
وأنت كنت تعرف
قال بسرعة
لم أعرف أنه والدك إلا الليلة
لكنها تراجعت عنه وكأنه صفعها
كنت تعرف أن هناك رجلًا مات في حادث بسبب أسرار عائلتك
قال
كنت أعرف القصة ناقصة
كنت وقتها خارج مصر
قالت بمرارة
طبعًا
دائمًا هناك تفسير
اقترب منها
نورا اسمعيني
لكنها رفعت يدها تمنعه
لا
أنا منذ ساعة كنت أظن أن حياتي انقلبت لأنني أنقذتك
والآن أكتشف أن حياتي مدمرة منذ سبع سنوات بسبب عائلتك
صمت
لم يحاول الدفاع
وهذا جعل غضبها يتعثر
قالت بصوت مكسور
أنت قلت إنني لا أشبه أحدًا عرفته
وأنا أقول لك الآن إنك تشبه كل ما دمرني
الكلمة أصابته بوضوح
رغم أنه لم يتحرك
لكن عينيه انطفأ فيهما شيء
استدارت وغادرت الغرفة
لم يمنعها
أمر الحراس فقط ألا يقتربوا منها
دخلت غرفة صغيرة في آخر الشقة وأغلقت الباب
جلست على الأرض وأسندت ظهرها إليه
كانت ترتجف
ليس خوفًا هذه المرة
بل غضبًا ووجعًا وخيانة
في الخارج وقف ليث أمام الباب طويلًا
رفع يده مرة كأنه سيطرق
ثم أنزلها
لم يكن يعرف كيف يعتذر
لم يتعلم ذلك
في عالمه الاعتذار ضعف
والضعف موت
لكنه الآن شعر أن صمته قد يكون موتًا من نوع آخر
ابتعد أخيرًا واتجه إلى غرفة مكتبه
قال للحارس
أريد كل شيء عن صابر الديب
أين اختفى
من يحميه
من رآه آخر مرة
ثم توقف وأضاف
وأريد ملفات والد نورا
كلها
قال الحارس
أوامرك
جلس ليث وحده بعد أن غادر الجميع
فتح درجًا سريًا في مكتبه وأخرج صورة قديمة
كان فيها صبيان يقفان بجانب رجل صارم
ليث وكريم ووالدهما
نظر إلى وجه كريم الصغير
كان يبتسم في الصورة
ابتسامة بريئة تقريبًا
لكن ليث يعرف الآن أن البراءة في هذا البيت تموت مبكرًا
رن هاتفه مرة أخرى
هذه المرة لم يكن الرقم مجهولًا
كان اسم كريم ظاهرًا
أجاب ليث
قال كريم بسعادة خافتة
هل أعجبتها الهدية
ليث لم يتكلم
تابع كريم
أتعرف ما الممتع في الأمر يا أخي
أنك دائمًا تحاول إنقاذ من حولك
لكن وجودك وحده لعنة
أمك ماتت
والدها مات
والآن خمن من التالية
وقف ليث ببطء
قال بصوت قاتل
لو اقتربت من ليلى
ضحك كريم
ليلى
يا لك من رجل عاطفي فجأة
لا تقلق
أنا لا أكرر اللعبة نفسها مرتين
ثم انقطع الخط
في اللحظة نفسها فتح أحد الحراس الباب بعنف
سيدي
المستشفى يتصل
توقف قلب ليث للحظة
قال الحارس
ليلى اختفت من غرفتها
ساد صمت لم يدم أكثر من ثانية
لكن في تلك الثانية مات شيء داخل ليث
ثم انفجر كل شيء
خرج من المكتب بسرعة
وصل إلى باب الغرفة التي دخلتها نورا
طرقه بقوة
نورا افتحي
لم تجب
فتح الباب بالمفتاح الاحتياطي
كانت واقفة قرب النافذة ووجهها شاحب
قالت
ماذا حدث
لم يستطع أن يكذب
قال بصوت منخفض
ليلى اختفت
للحظة لم تفهم
ثم تغير وجهها
لا
اقترب ليث
نورا
صرخت
لا
اندفعت نحوه تضرب صدره بيديها
أنت وعدتني
قلت إنها بأمان
قلت إن رجالك سيحمونها
أمسك يديها لكنه لم يمنعها بعنف
تركها تنهار عليه
كانت تضربه وتبكي وتصرخ باسم ليلى
وهو يقف ثابتًا
يتلقى كل ضربة كأنها حق لها
ثم حين ضعفت وسقطت قواها أمسكها قبل أن تسقط
قال قرب أذنها
سأعيدها
قالت وهي تبكي
لو ماتت يا ليث
أقسم لو ماتت
انقطع صوتها
قال
لن تموت
رفعت وجهها إليه وعيناها مليئتان بكراهية وخوف ورجاء في الوقت نفسه
قالت
لا تعدني
افعل
أومأ
ثم التفت إلى رجاله بصوت جعل الجميع يتراجع خطوة
أغلقوا المدينة
أريد كاميرات المستشفى
كل مخرج
كل شارع
كل سيارة
أريد اسم من لمس باب غرفتها
ومن تنفس في الممر
ثم نظر إلى نورا
وستأتين معي
كانت مكسورة لكنها لم تتردد
مسحت دموعها بظهر يدها
وقالت
نعم
بعد دقائق كانوا داخل غرفة مراقبة المستشفى
نورا وقفت أمام الشاشات وكأن روحها معلقة بكل لقطة
ظهر تسجيل الممر
ليلى على السرير
ممرضة تدخل
ثم يختفي الضوء لثلاثين ثانية
عندما عاد الضوء كانت ليلى غير موجودة
قال مسؤول الأمن برعب
الكاميرات تعطلت
ليث أمسكه من ياقة قميصه ورفعه تقريبًا عن الأرض
ثلاثون ثانية تكفي لقتل مدينة
من قطع الكهرباء
الرجل تلعثم
لا أعرف يا فندم
تركه ليث بعنف
نورا اقتربت من الشاشة
أعد التسجيل
أعاد الحارس اللقطة
قالت
توقف
توقفت الصورة قبل انقطاع الضوء بثانية
أشارت إلى الزجاج العاكس في آخر الممر
هناك
اقترب الجميع
في الانعكاس ظهر ظل رجل يرتدي بالطو طبيب
لم يظهر وجهه
لكن يده كانت واضحة
وعلى معصمه ساعة فضية غريبة
قالت نورا
كبر الصورة
كبرها التقني
ليث حدق في الساعة
ثم قال
هذه ساعة كريم
نورا شعرت بأن الدم ينسحب من وجهها
كان هنا بنفسه
قال ليث
نعم
وهذا يعني أنه لا يريد الاختباء
يريدنا أن نتبعه
بعد دقائق وصل تسجيل آخر من كاميرا خارجية
سيارة إسعاف خرجت من البوابة الخلفية في وقت انقطاع الكهرباء
لم تكن مسجلة في نظام المستشفى
سأل ليث
إلى أين اتجهت
قال التقني
نحو طريق السويس
قال ليث فورًا
المطار الخاص
نورا نظرت إليه
ماذا
قال
كريم لن يبقيها في القاهرة
تحركوا
ركضوا نحو السيارات
وفي الطريق أمسك ليث هاتفه وأجرى اتصالات متتالية
صوته كان ثابتًا لكن نورا شعرت أن داخله جحيم
وصلوا إلى طريق السويس بسرعة جنونية
كانت الشمس قد بدأت تشرق
والضوء البرتقالي ينسكب على المدينة كأنه يكشف كل الأسرار دفعة واحدة
داخل السيارة كانت نورا صامتة
يداها متشابكتان بقوة حتى ابيضت أصابعها
ليث نظر إليها مرة ثم قال
ليلى ورقته الأخيرة
لن يقتلها الآن
قالت دون أن تنظر إليه
أنت لا تعرف ذلك
قال
أعرف كريم
التفتت إليه بعينين محمرتين
وأنا عرفت في ليلة واحدة أن كل ما كنت أعرفه عن حياتي كذب
فلا تطلب مني أن أصدق معرفتك
سكت
ثم قال
معك حق
لم تتوقع ذلك
نظر إلى الطريق
قال
أنا أخطأت عندما ظننت أنني أستطيع حمايتك بإصدار الأوامر فقط
نظرت إليه بصمت
تابع
كنت أظن أن السيطرة تعني الأمان
لكنها لا تعني إلا أنني أتأخر دائمًا خطوة عن الألم
لم ترد
لكن غضبها هدأ للحظة صغيرة
ثم ظهر صوت الحارس من الأمام
سيدي
وجدنا سيارة الإسعاف
كانت متروكة قرب مخزن قديم على الطريق
ولا أثر للفتاة
أغلق ليث عينيه لحظة
ثم قال
أرسلوا الموقع
وصلوا إلى المخزن بعد ربع ساعة
كان مكانًا مهجورًا تحيط به الرمال والأسوار الصدئة
نزل ليث أولًا
ثم نورا
أمسكها من ذراعها
خلفي
لم تعترض
دخلوا المخزن بحذر
الرائحة كانت خانقة
غبار وزيت قديم ورطوبة
الحراس انتشروا في الداخل
ثم سمعوا صوتًا خافتًا
نورا تجمدت
ليلى
ركضت نحو الصوت لكن ليث سبقها
وجدوا هاتفًا صغيرًا موضوعًا فوق كرسي معدني
كان يصدر تسجيلًا لصوت ليلى وهي تبكي وتنادي
نورا
انهارت نورا على ركبتيها
أمسكت الهاتف كأنه جسد أختها
ثم ظهرت رسالة على الشاشة
تأخرتما
تبعها مقطع فيديو
ظهر كريم للمرة الأولى
رجل في منتصف الثلاثينات
وسيم بطريقة باردة
عيناه تشبهان عيني ليث لكن فيهما جنونًا ناعمًا
خلفه كانت ليلى على سرير طبي داخل غرفة مجهولة
حية لكنها مخدرة
قال كريم في الفيديو
صباح الخير يا ليث
وصباح الخير يا نورا
آمل أن تكون الرحلة ممتعة
نورا شهقت وهي ترى أختها
تابع كريم
لا تخافي
أختك بخير حاليًا
لكن الوقت بدأ ينفد
ثم اقترب من الكاميرا
أريد الدفاتر التي أخفاها والدك يا نورا
ليث يعرف عنها أكثر مما يقول
وإذا لم تصلني قبل منتصف الليل
ستدفع ليلى ثمن أسرار الموتى
انتهى الفيديو
ساد صمت مميت
نورا رفعت عينيها نحو ليث
الدفاتر
قالت بصوت مبحوح
أي دفاتر
ليث كان شاحبًا
قال
دفاتر والدك
قلت لك إنه كان يحتفظ بسجلات
قالت
وأين هي
قال ببطء
لا أحد يعرف
ضحكت نورا ضحكة مكسورة
إذن أختي ستموت بسبب شيء لا نعرف مكانه
ليث أخذ الهاتف من يدها وأعاد تشغيل الفيديو
نظر إلى الخلفية
إلى الجدار
إلى انعكاس الضوء
إلى صوت بعيد لم ينتبه له أحد
ثم قال فجأة
ليس في الخارج
نورا نظرت إليه
ماذا
قال
كريم ما زال في القاهرة
هذا الصوت في الخلفية
أعاد المقطع ورفع الصوت
كان هناك صوت أذان بعيد
ثم صوت قطار
قال ليث
هذا ليس طريق السويس
هذا قرب خطوط السكة الحديد
قال أحد الحراس
شبرا
قال ليث
أو إمبابة
نورا نهضت بسرعة
إذن نذهب
قال ليث
سنذهب
لكن الدفاتر أولًا
صرخت
لا توجد دفاتر
اقترب منها وقال بحزم
بل توجد
والدك لم يكن غبيًا
رجل يحتفظ بأسرار قادرة على إسقاط عائلة الريس لن يتركها في مكان يستطيعون الوصول إليه
فكري يا نورا
أين كان سيخفي شيئًا لا يريد أن يجده أحد
ارتجفت
لا أعرف
قال
مكان قريب منك
قريب من ليلى
قريب من شيء لا يشك فيه أحد
أغمضت نورا عينيها تحاول أن تتذكر
بيتهم القديم احترق بعد الحادث
أغراض والدها بيعت
أوراقه اختفت
لكن فجأة تذكرت شيئًا
صندوق أمها الخشبي
الصندوق الذي أخذته الجارة بعد الحادث ثم أعادته لهم
كان في شقتهم الصغيرة منذ سنوات
لم تفتحه إلا مرات قليلة
لأنه كان يؤلمها
فتحت عينيها بسرعة
الصندوق
قال ليث
أي صندوق
قالت
صندوق أمي
في شقتنا
تحرك ليث فورًا
إلى بيتها
وصلوا إلى الحي الشعبي بعد أقل من نصف ساعة
كان وجود سيارات ليث السوداء في الشارع الضيق كافيًا ليخرج الناس إلى الشرفات
نورا لم تهتم
صعدت السلم بسرعة حتى وصلت إلى شقتها
فتحت الباب بيد مرتجفة
الشقة الصغيرة كانت كما تركتها
أطباق في الحوض
بطانية ليلى على الكنبة
صورة والديها على الحائط
توقفت لحظة أمام الصورة
ثم دخلت غرفة النوم وركعت أمام الخزانة
سحبت الصندوق الخشبي القديم
كان مغطى بالغبار
فتحته
وجدت داخله فساتين قديمة
صورًا
رسائل
رائحة أمها
كادت تنهار لكنها أجبرت نفسها على البحث
ليث وقف عند الباب ولم يدخل
كأنه فهم أن هذه اللحظة ليست له
نورا رفعت قاع الصندوق
لكن لا شيء
ضربت الخشب بيدها في يأس
لا يوجد شيء
اقترب ليث أخيرًا
قال
انتظري
أخذ الصندوق وفحصه
ثم ضغط على أحد جوانبه
صدر صوت خافت
انفتح قاع سري صغير
شهقت نورا
داخل القاع كانت هناك ذاكرة صغيرة ملفوفة في قماش
ومفتاح نحاسي قديم
ورسالة باسمها
أمسكت الرسالة بيد مرتجفة
كان خط والدها
ابنتي نورا
إذا كنت تقرئين هذا فأنا لم أعد موجودًا
آسف لأنني تركت لك حملًا أكبر من عمرك
لكنني لم أجد أحدًا أثق به غيرك
الحقيقة مخبأة في مكان لا يفتحه إلا هذا المفتاح
لا تثقي بعائلة الريس
ولا تسلمي الدفاتر إلا لمن يحمي أختك أولًا
أحبك
أبي
سقطت الرسالة من يدها
نظرت إلى ليث
ولا تثقي بعائلة الريس
الكلمات وقفت بينهما كجدار
ليث لم يدافع عن نفسه
قال فقط
والدك كان محقًا
نورا ابتلعت دموعها
ثم أمسكت المفتاح
قالت
إذن لن أثق بك
أومأ ببطء
لا تفعلي
لكن دعيني أساعدك على استعادتها
نظرت إليه طويلًا
كان يمكنه أخذ المفتاح منها بالقوة
كان يمكنه أن يأمر رجاله
كان يمكنه أن يكون الرجل الذي حذرها والدها منه
لكنه لم يتحرك
مدت يدها بالمفتاح نحوه ثم توقفت
لا
سأحتفظ به أنا
قال
جيد
ثم نظر إلى الذاكرة الصغيرة
أما هذه فيجب أن نفتحها الآن
فتحوا الحاسوب القديم في الشقة
استغرقت الذاكرة لحظات حتى ظهرت الملفات
كانت مقفلة بكلمة مرور
على الشاشة ظهر سؤال أمان واحد
اسم الشيء الذي لا ينام
نورا عبست
الشيء الذي لا ينام
فكرت في والدها
كان يحب الألغاز
كان يقول لها دائمًا إن القاهرة لا تنام
كتبت
القاهرة
خطأ
حاولت
النيل
خطأ
توتر ليث
تبقى محاولة واحدة
نورا أغمضت عينيها
تذكرت صوت أبيها وهو يضحك في الليالي القديمة
كان يقول لها عندما تخاف من الظلام
لا تخافي يا نورا
ضمير الإنسان هو الشيء الوحيد الذي لا ينام
فتحت عينيها وكتبت
الضمير
انفتح الملف
ظهرت مجلدات كثيرة
أسماء
تواريخ
تحويلات
صور
وتسجيل صوتي بعنوان
ليث
نظر كلاهما إلى الملف
نورا ضغطت عليه
خرج صوت والدها واضحًا رغم السنوات
إذا وصل هذا التسجيل إلى ليث الريس
فاعلم أن أباك لم يكن فقط مجرمًا
بل كان يخاف منك
كان يعرف أنك قد تنقلب عليه يومًا
ولهذا صنع عدوك الأقرب بيده
كريم ليس أخاك من أمك فقط
كريم كان سلاح أبيك ضدك
والحادث الذي قتل زوجتي وأنا لم يكن فقط لإسكاتي
كان لإخفاء شيء أكبر
أمك لم تمت في حادث يا ليث
أمك قُتلت لأنها عرفت ما كان أبوك يفعله بالأطفال الذين اختفوا من دور الرعاية
توقف التسجيل لحظة
نورا شعرت بالرعب
ليث لم يتحرك
لكن وجهه صار أبيض كالرخام
تابع صوت والدها
الدفاتر في الخزانة رقم سبعة عشر في بنك مصر فرع وسط البلد
والمفتاح مع نورا
احمها إن كان بقي فيك شيء من أمك
انتهى التسجيل
لم يتكلم أحد
كانت الشقة الصغيرة تبدو فجأة أضيق من أن تحتمل كل تلك الحقائق
ليث أدار وجهه نحو النافذة
نورا رأت يده ترتجف للمرة الأولى
قالت بصوت خافت
أمك
أغمض عينيه
كل حياتي ظننت أنها ماتت بسببي
قالها بصوت لا يشبهه
صوت رجل سقط عنه درعه فجأة
نورا لم تعرف ماذا تقول
لأن ألمهما اختلط الآن بطريقة مخيفة
أهلها ماتوا بسبب أسرار عائلته
وأمه ماتت بسبب السر نفسه
كريم يريد الدفاتر
والدفاتر قد تدمر اسم الريس إلى الأبد
قالت نورا
سنذهب إلى البنك
قال ليث
كريم يتوقع ذلك
قالت
وماذا نفعل
نظر إليها
نعطيه ما يريد
شهقت
ماذا
قال
نعطيه نسخة مزيفة تكفي ليخرج ليلى
قالت
ثم
عادت عيناه باردتين
ثم أنهي هذا
لكن نورا اقتربت منه وقالت بحزم
لا تقتله قبل أن أعرف الحقيقة كلها
نظر إليها
كريم لن يسمح لنا بالحقيقة
قالت
إذن نجبره
لثانية بدت الدهشة في عينيه
ثم قال
بدأت تتكلمين مثلي
أجابته بمرارة
وهذا ما يخيفني
رغم كل شيء
رغم ليلى المخطوفة
رغم الدم والحقيقة والخذلان
شعر ليث أن هذه الفتاة صارت أقرب إلى قلبه من أي شخص عرفه
وهذا كان أخطر من كريم
أخطر من الدفاتر
أخطر من الموت نفسه
لأن الرجل الذي لا يخاف على حياته يصبح ضعيفًا فقط عندما يبدأ بالخوف على حياة شخص آخر
رن هاتف نورا
هذه المرة مكالمة فيديو
ظهر كريم على الشاشة
وخلفه ليلى
قال بابتسامة
اقترب منتصف النهار يا نورا
هل وجدت هدية والدك
ضغطت نورا على الهاتف بقوة
قالت
أريد أن أرى أختي
أشار كريم بيده
اقتربت الكاميرا من ليلى
كانت عيناها نصف مفتوحتين
همست بصوت ضعيف
نورا
انهار قلب نورا
قالت بسرعة
أنا هنا يا حبيبتي
سأعيدك
ضحك كريم
كم هذا مؤثر
ثم قال
الخزانة رقم سبعة عشر
بنك مصر
فرع وسط البلد
أرى أن والدك كان منظمًا
ليث أمسك الهاتف من يد نورا
قال
قابلني أنا
قال كريم
لا
هذه المرة الخادمة الصغيرة تأتي وحدها
نورا قالت فورًا
سآتي
ليث نظر إليها بحدة
لا
لكن كريم ابتسم
لو رأيت رجلًا واحدًا من رجالك يا ليث سأجعلها تسمع صراخ أختها حتى آخر يوم في عمرها
ثم أضاف
العنوان سيصل بعد ساعة
وأغلقت المكالمة
التفت ليث إلى نورا
مستحيل
قالت
سأذهب
قال
قلت مستحيل
اقتربت منه وعيناها مشتعلتان
أختي معه
قال
وسيأخذك أنت أيضًا
قالت
إذن جهز خطة
لكنه لم يرد
لأنه في تلك اللحظة كان يريد شيئًا واحدًا فقط
أن يحبسها في مكان بعيد عن العالم كله
وهذه الرغبة أخافته
لأنها ليست حماية فقط
كانت امتلاكًا
وخوفًا
وشيئًا لا يحق له أن يشعر به
قالت نورا بصوت أهدأ
ليث
أنا لا أثق بك بالكامل
ولا أعرف إن كنت سأستطيع يومًا
لكنني أعرف أنك تريد إسقاط كريم مثلي
فلا تمنعني من إنقاذ أختي
نظر إليها طويلًا
ثم قال
لن تذهبي وحدك
قالت
هو طلب ذلك
اقترب منها ووضع شيئًا صغيرًا في يدها
سماعة دقيقة جدًا
قال
لن يراك أحد معي
لكنني سأكون هناك
أغلقت أصابعها على السماعة
وللحظة شعرت أن الخوف أقل وحشة
قالت
ولو اضطررت للاختيار بين الدفاتر وبيني
تصلبت ملامحه
لا تضعي هذا السؤال
قالت
أجب
اقترب منها حتى صار صوته همسًا
سأختارك
كل شيء في داخلها ارتجف
أرادت أن تصدقه
وخافت أن تصدقه
لأن تصديق رجل مثل ليث قد يكون أخطر من كراهية عدوه
بعد ساعات كانت نورا تقف أمام مبنى قديم قرب وسط البلد
في حقيبتها نسخة من ملفات مزيفة
وفي يدها المفتاح الحقيقي
وفي أذنها صوت ليث الخافت
تنفسي
قالت بصوت لا يكاد يظهر
أنا أتنفس
أجاب
كذابة
رغم الرعب كادت تبتسم
ثم جاءت رسالة من كريم
ادخلي الزقاق خلف المبنى
لا تلتفتي
سارت
كل خطوة كانت تأخذها أبعد عن الحياة التي عرفتها
وأقرب إلى حقيقة قد تقتلها
في نهاية الزقاق وقفت سيارة بيضاء
فتح الباب الخلفي
ظهر رجل ضخم
قال
الهاتف
أعطته الهاتف
فتش حقيبتها
وجد الملفات
ثم أشار لها أن تدخل
قبل أن تصعد سمعت صوت ليث في أذنها
أنا معك
أغمضت عينيها لحظة
ثم دخلت السيارة
تحركت
ولم تكن تعرف أن كريم لم يكن ينتظرها فقط
بل كان ينتظر اللحظة التي يثبت فيها لليث أن الحب يمكن أن يكون السلاح الأكثر قسوة في العالم كله
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *