سابها بتموت حكايات اسما ×3

الجزء الأخير
بعد خمس سنين
الفصل الحادي عشر: الليلة اللي رجعت فيها من الموت
كانت الساعة تمانية إلا ربع بالليل.
ومسرح النور…
لأول مرة من خمسة وعشرين سنة…
كان منور بالكامل.
الثريات الكريستال القديمة رجعت تلمع.
الستارة المخمل الحمرا اتغسلت واتصلحت.
والاسم اللي فؤاد المنشاوي حاول يمحيه سنين…
رجع مكتوب بحروف دهبية فوق المدخل:
مؤسسة يوسف سالم للفنون والتنمية
العربيات الفخمة كانت واقفة في صفوف طويلة قدام المسرح.
رجال أعمال.
صحفيين.
محامين.
مسؤولين.
وأعضاء مجلس إدارة مجموعة المنشاوي.
الكل جاي يحضر حفل إعلان أكبر صفقة اندماج في تاريخ المجموعة.
لكن محدش كان يعرف…
إن الحفلة معمولة علشان تهد إمبراطورية كاملة.
في الدور العلوي…
كان فؤاد المنشاوي واقف في الشرفة الخاصة.
كبر خمس سنين.
وشعره بقى أبيض بالكامل.
لكن ملامحه لسه قاسية.
وبجانبه شريف المحامي.
شريف كان خرج بكفالة بعد ما اختفت أدلة كتير من القضية القديمة.
القضية اتقفلت مؤقتًا وقتها بسبب نقص الأدلة.
وفؤاد رجع أقوى من الأول.
استولى على شركات أكتر.
اشترى صحفًا وقنوات.
وحول محاولة قتل ليلى لقصة مختلفة تمامًا.
قال إنها زوجة مضطربة…
سرقت ملفات زوجها…
وهربت بعد خلاف عائلي.
أما ليلى…
فاختفت.
ما ظهرتش في الإعلام.
ولا حضرت جلسات علنية.
ولا ردت على الاتهامات.
فؤاد افتكر إنها خافت.
لكن الحقيقة…
إنها كانت بتبني نفسها من جديد.
في هدوء.
خطوة وراء خطوة.
فؤاد رفع كأس العصير.
وقال لشريف:
— بعد الليلة دي، كل أسهم يوسف سالم هتدخل رسميًا تحت سيطرتنا.
شريف كان متوتر.
— لسه الوصية ما اتفتحتش.
فؤاد ابتسم.
— الوصية الأصلية اتحرقت من خمستاشر سنة.
— والنسخة اللي في المسرح؟
ضحك فؤاد.
— المسرح كان مقفول.
ورجالنا فتشوه سنتيمتر سنتيمتر.
مفيش نسخة.
شريف بص ناحية المسرح.
— لكن ليه مجلس الأمناء طلب إن الاجتماع يبقى هنا؟
فؤاد ارتشف من كأسه.
وقال:
— حركة عاطفية سخيفة.
عايزين يفتكروا يوسف سالم قبل ما ندفن اسمه رسميًا.
وبعدين سأل:
— كريم جه؟
شريف هز رأسه.
— قاعد في آخر القاعة.
فؤاد لف ناحية المقاعد.
وفي آخر صف…
كان كريم قاعد لوحده.
لابس بدلة سودا بسيطة.
وشعره بقى فيه خصل بيضا عند الجانبين.
ملامحه فقدت غرورها القديم.
في الخمس سنين اللي فاتوا…
خسر منصبه.
خسر أغلب فلوسه.
وخسر اسمه.
لكن أكتر حاجة خسرها…
كانت ليلى.
من يوم المستشفى…
ما شافهاش.
كل محاولة منه يقرب…
كانت بتتقفل.
كل رسالة بعتها…
رجعت من غير ما تتفتح.
وكل مرة طلب يشهد في قضيتها…
المحامين قالوا إن شهادته مش كفاية من غير المستندات الأصلية.
كريم عاش خمس سنين وهو بيحاول يصلح اللي مايتصلحش.
لكنه كان عارف…
إن الندم ما بيمسحش فعلته.
رفع عينه ناحية المسرح.
الستارة لسه مقفولة.
لكن قلبه كان بيدق بطريقة غريبة.
مازن قعد بجانبه فجأة.
كان لابس بدلة رمادية.
والجرح القديم في وشه لسه واضح.
قال كريم:
— اتأخرت.
مازن رد:
— كنت بتأكد إن كل حاجة جاهزة.
— هي هنا؟
مازن ما ردش.
كريم بص له.
— خمس سنين يا مازن.
خمس سنين وأنا مش عارف هي عايشة إزاي.
مازن قال بهدوء:
— عاشت أحسن لما بعدت عنك.
الجملة وجعته.
لكنه ما اعترضش.
قال:
— عندك حق.
مازن بص ناحية الشرفة.
— فؤاد فاكر إنه كسب.
كريم سأل:
— والوصية؟
مازن قال:
— هتتفتح الليلة.
— وليلى هتظهر؟
مازن ابتسم ابتسامة خفيفة.
— استنى.
…
خلف الستارة…
كانت ليلى واقفة قدام المراية.
لابسة فستان كحلي طويل.
بسيط.
من غير مبالغة.
وشعرها مرفوع.
ملامحها اتغيرت.
مش جمالها…
لكن نظرتها.
مبقاش فيها خوف.
ولا انتظار لموافقة حد.
على الترابيزة قدامها…
كان سويت شيرت كريم القديم.
نفس السويت شيرت اللي كانت لابساه ليلة المطر.
احتفظت بيه خمس سنين.
مش لأنها اشتاقت لكريم.
لكن علشان تفتكر.
تفتكر البنت اللي زحفت في الطين.
والست اللي قامت بعدها.
أم حسن دخلت الأوضة.
كانت لابسة فستان أخضر غامق.
وقالت وهي تمسح دموعها:
— يا بنتي، كل ما أبصلك أفتكر يوم ما رمضان دخلك المطعم وهو شايلك.
ليلى ابتسمت.
— وأنا عمري ما هنسى إنكم فتحتوا لي الباب.
الحاج رمضان دخل وراهما.
قال:
— إحنا فتحنا الباب بس.
إنتِ اللي دخلتي برجلك ورجعتي وقفتي.
الدكتورة نادية كانت ماسكة ملفًا طبيًا.
قالت:
— صحتك كويسة.
ضغطك مستقر.
لكن ممنوع تجهدي نفسك.
ليلى ضحكت.
— بعد كل اللي عملناه، جاية تقوليلي ما أجهدش نفسي؟
نادية قربت منها.
— الليلة دي مش نهاية بس.
دي بداية.
وفي الركن…
كان يوسف سالم قاعد على كرسي متحرك.
ملامحه لسه تحمل آثار الحروق.
لكنه استعاد ذاكرته بالكامل تقريبًا.
رفع إيده ناحية ليلى.
قربت منه.
مسك إيدها.
وقال:
— أنا فخور بيكي.
ليلى نزلت على ركبتها قدامه.
— كل اللي عملته كان علشان اسمك يرجع.
هز رأسه.
— لأ.
اعمليه علشان اسمك إنتِ ما يضيعش تاني.
بصت له.
فقال:
— أنا اخترت أكون أبوكي.
وفؤاد اختار يتخلى عنك.
الأبوة مش تحليل.
الأبوة موقف.
دموعها نزلت.
باسَت إيده.
وفي اللحظة دي…
دخل المقدم هشام.
بقى عميد بعد خمس سنين.
قال:
— الشرطة في كل المداخل.
النيابة مستنية الإشارة.
والبث المباشر شغال على سبع قنوات.
ليلى وقفت.
— وشريف؟
— موجود مع فؤاد.
— التسجيل؟
— جاهز.
— والوثائق؟
هشام ابتسم.
— في مكان محدش يقدر يوصل له.
ليلى أخدت نفسًا طويلًا.
وفجأة…
صوت مقدم الحفل علا من خلف الستارة:
— سيداتي وسادتي…
نرحب بكم في الليلة التاريخية لإعادة افتتاح مسرح النور.
القاعة صفقت.
مقدم الحفل كمل:
— وقبل الإعلان عن قرارات مجلس المساهمين…
ندعو إلى المسرح رئيسة مؤسسة يوسف سالم…
والوريثة الشرعية لمجموعة النور القابضة…
السيدة…
ليلى يوسف سالم.
الستارة اتفتحت.
ليلى خرجت.
خطوة واحدة كانت كفاية…
علشان القاعة كلها تسكت.
فؤاد وقف من مكانه.
شريف شهق.
كريم رفع رأسه.
وشافها.
حية.
قوية.
ماشية على المسرح بثبات.
مش الست اللي سابها في الطين.
ولا الزوجة الضعيفة اللي كانت تستناه يديها الدوا.
كانت امرأة تانية تمامًا.
إيده اتهزت.
الكأس وقع منها.
اتكسر على أرضية الشرفة.
والصوت…
رغم إنه كان صغير…
سمعه فؤاد.
وسمعه شريف.
وسمعه كريم نفسه…
كأنه صوت آخر قطعة من حياته القديمة وهي بتتكسر.
ليلى وقفت في منتصف المسرح.
بصت ناحية كريم.
عينها جت في عينه للحظة.
لكنها ما ابتسمتش.
وما بكتش.
لفت ناحية فؤاد.
وقالت في الميكروفون:
— مساء الخير.
النهارده مش حفل اندماج.
ولا حفلة لتسليم شركة.
النهارده…
محاكمة علنية لعيلة بنت ثروتها على القتل والتزوير والسرقة.
القاعة انفجرت بالهمهمات.
فؤاد صرخ من الشرفة:
— اقفلوا الميكروفون!
لكن الصوت ما اتقفلش.
لأن المسرح…
ماكانش تحت سيطرته.
كان تحت سيطرة ليلى.
الفصل الثاني عشر: الوصية اللي اتخبّت جوه المسرح
فؤاد نزل من الشرفة بسرعة.
شريف ماشي وراه.
الحراس حاولوا يقربوا من المسرح.
لكن الشرطة ظهرت عند المداخل.
العميد هشام رفع إيده.
— محدش يتحرك من مكانه.
فؤاد وقف في الممر.
وقال بغضب:
— ده اجتماع خاص للمساهمين.
وجود الشرطة غير قانوني.
هشام رد:
— عندنا إذن من النيابة.
وتسجيلات تثبت وجود جرائم قتل وشروع في قتل وغسل أموال.
فؤاد ضحك.
— التسجيلات دي مزورة.
ليلى قالت من فوق المسرح:
— علشان كده مش هنبدأ بالتسجيلات.
هنبدأ بالوصية.
شريف رفع صوته:
— مفيش وصية.
الوصية الرسمية اتلغت.
ليلى ابتسمت.
— النسخة اللي عندكم اتلغت فعلًا.
لكن والدي يوسف سالم كان عارف إنك هتحاول تسرقها.
ضغطت زرًا صغيرًا.
خشبة المسرح في المنتصف بدأت تتحرك.
جزء منها ارتفع ببطء.
وظهر تحته صندوق حديد قديم.
القاعة كلها قامت.
فؤاد اتجمد.
يوسف سالم خرج على المسرح في كرسيه.
أول ما فؤاد شافه…
رجع خطوة للخلف.
قال بصوت مخنوق:
— مستحيل.
يوسف رد:
— كنت تتمنى.
ليلى نزلت عند الصندوق.
وحطت مفتاحًا قديمًا في القفل.
نفس المفتاح اللي كان معلقًا في سلسلة والدها.
فتحت الصندوق.
طلعت ملفًا جلديًا.
ودفتر حسابات.
وثلاثة أشرطة تسجيل قديمة.
قالت:
— والدي خبّى المستندات تحت الخشبة الرئيسية للمسرح.
مش في غرفة.
ولا في خزنة.
لأن المسرح نفسه كان أكتر مكان فؤاد بيكرهه.
كان فاكره مكان بلا قيمة.
لكن أبويا كان عارف إن الفن يحفظ الحقيقة أكتر من البنوك.
محامي مجلس الأمناء طلع على المسرح.
استلم الملف.
فتح الوصية.
وقال:
— الوصية موثقة أمام شاهدين، ومسجلة برقم رسمي قبل وفاة الموصي المزعومة بثلاثة أشهر.
شريف صرخ:
— دي مزورة!
المحامي بص له.
— الورق اتفحص من مصلحة الطب الشرعي.
والحبر عمره يطابق تاريخ التسجيل.
والبصمات تعود ليوسف سالم.
فؤاد قال:
— يوسف نفسه كان ميت وقتها.
يوسف ابتسم بمرارة.
— إنت اللي أعلنت موتي.
لكني ما متش.
المحامي بدأ يقرأ:
— “تنتقل ملكية مجموعة النور القابضة كاملة إلى ابنتي ليلى يوسف سالم عند بلوغها الثامنة والثلاثين، بشرط أن تكون على قيد الحياة، وألا تكون قد تنازلت بإرادتها الحرة أمام لجنة مستقلة.”
سكت لحظة.
ثم كمل:
— “وفي حال ثبوت تعرضها للإكراه أو التسميم أو التلاعب بأهليتها، تُلغى كل التنازلات السابقة تلقائيًا.”
أعضاء مجلس الإدارة بدأوا يبصوا لبعض.
فؤاد فقد هدوءه.
— الشركة دي اتغيرت واتقسمت واتدمجت.
الوصية مالهاش قيمة.
المحامي رفع الدفتر.
— الدفتر ده فيه أرقام الأسهم الأصلية.
وكل الشركات اللي حضرتك أنشأتها اتبنت بأموال وأصول تابعة لمجموعة النور.
يعني الاندماجات نفسها قابلة للإلغاء.
ليلى قالت:
— بمعنى أبسط…
كل اللي بتعتبره إمبراطوريتك…
مبني بفلوس أبويا.
وفؤاد…
إنت مش صاحب المكان.
إنت موظف سرق المفتاح.
التصفيق بدأ من آخر القاعة.
شخص واحد صفق.
الحاج رمضان.
وبعدين أم حسن.
ثم نادية.
وبهدوء…
أعضاء كتير بدأوا يصفقوا.
فؤاد صرخ:
— اسكتوا!
لكن محدش سكت.
…
شريف حاول ينسحب من الباب الجانبي.
لكن يوسف الضابط وقف قدامه.
— رايح فين يا أستاذ شريف؟
شريف قال:
— عندي مكالمة.
يوسف رفع كيس أدلة.
— المكالمة اللي مستنيها مش هتيجي.
الراجل اللي بعته يحرق مخزن الملفات اتقبض عليه.
واعترف.
شريف لونه اتغير.
فؤاد بص له.
— إنت قلتلي إنه خلص.
شريف همس:
— كان المفروض.
ليلى سمعت.
وقالت:
— متقلقش يا فؤاد.
مخزن الملفات ماكانش فيه حاجة.
كان طُعم.
النسخ الأصلية موجودة في خزنة النيابة من شهرين.
فؤاد بص لها بكراهية.
— فاكرة إنك ذكية؟
ليلى ردت:
— اتعلمت منك.
لكن الفرق…
إنك كنت بتستخدم ذكاءك علشان تقتل.
وأنا استخدمته علشان أعيش.
…
أشارت للشاشة خلفها.
ظهر فيديو قديم.
كريم في غرفة نومه.
بيحط الحبوب في علبة الدواء.
صوته واضح.
“الجرعة دي هتخليها ضعيفة، لكن مش هتموت.”
ثم ظهر شريف.
دخل بعده.
أخرج زجاجة ثانية.
وزاد كمية المادة.
قال:
“فؤاد قال لازم حالتها تسوء أسرع.”
الفيديو اتغير.
ظهر فؤاد في مكتبه.
قال لشريف:
“لو ليلى وصلت للمستشفى، خلّوا التقرير يقول تسمم ذاتي. ولو ماتت على الطريق، يبقى كريم يتحمل المسؤولية وحده.”
القاعة صمتت.
فؤاد بص لكريم.
لأول مرة…
بانت عليه صدمة حقيقية.
قال:
— إنت كنت بتسجل؟
كريم وقف من مكانه.
— من أول يوم فهمت إنك هتبيعني.
فؤاد قال:
— وأنا اللي ربيتك.
كريم رد:
— ربيتني علشان تستخدم اسمي.
حولتني لسلاح.
لكن أنا اللي اخترت أضغط الزناد.
أنا مش بريء.
ليلى بصت له.
هو كمل:
— أنا سممتها.
حتى لو كنت فاكر إني بقلل الجرعة.
وأنا اللي رميتها على الطريق.
حتى لو كنت عارف إن عربية رمضان هتعدي.
كان ممكن تموت.
وأنا لازم أتحاسب.
القاعة كلها بصت له.
كريم مشي ناحية المسرح.
وقف تحت ليلى.
وقال بصوت مسموع:
— أنا مش طالب سماحك.
ولا طالب فرصة.
أنا بس بقول الحقيقة.
إنتِ ما مرضتيش.
إنتِ ما اتوهمتيش.
إنتِ ما سرقتيش.
إحنا اللي سرقناكي.
ليلى فضلت ساكتة.
كريم نزل رأسه.
وقال:
— وأنا أكتر واحد أذاكي.
فؤاد استغل اللحظة.
طلع مسدسًا صغيرًا من داخل جاكيته.
وجهه ناحية ليلى.
صرخ:
— الوصية مش هتشتغل لو ماتت قبل نهاية الاجتماع!
الجميع صرخ.
لكن قبل ما يضرب…
كريم وقف قدام ليلى.
الطلقة خرجت.
وأصابته في صدره.
وقع على درجات المسرح.
ليلى اتجمدت.
وفؤاد حاول يضرب طلقة تانية.
لكن مازن ظهر من خلف الستارة.
ضرب إيده.
المسدس وقع.
الشرطة هجمت عليه.
وقع فؤاد على الأرض.
والكلابشات اتقفلت حوالين إيديه.
لكنه كان بيصرخ:
— أنا فؤاد المنشاوي!
محدش يقدر يحبسني!
يوسف قال وهو بيرفعه:
— النهارده اسمك مش هينقذك.
وفي وسط الفوضى…
ليلى نزلت على درجات المسرح.
قعدت جنب كريم.
الدم كان بينزل من صدره.
فتح عينه بصعوبة.
وقال:
— المرة دي…
ما سبتكيش لوحدك.
ليلى ضغطت بإيدها على الجرح.
وقالت:
— متتكلمش.
الإسعاف جاي.
كريم ابتسم.
— مش علشان أرجعك.
أنا عارف إننا انتهينا من زمان.
قالت بعصبية:
— اسكت يا كريم.
لكنه همس:
— بس كنت محتاج…
مرة واحدة…
أختار صح.
وعينه اتقفلت.
الفصل الثالث عشر: الحساب اللي اتأخر خمس سنين
كريم دخل العمليات.
وليلى وقفت بره.
نفس ريحة المطهر.
نفس الضوء الأبيض.
ونفس صوت الأجهزة.
لكن المرة دي…
هو اللي بين الحياة والموت.
وأول مرة…
ليلى ما كانتش عارفة هي عايزاه يعيش ليه.
هل علشان يتحاسب؟
هل علشان يقول كل الحقيقة؟
ولا علشان جزء قديم جواها…
لسه فاكر الرجل اللي كانت بتحبه قبل ما تعرف حقيقته؟
أم حسن قعدت جنبها.
قالت:
— مش لازم تفهمي مشاعرك دلوقتي.
ليلى بصت لها.
— لما وقع…
حسيت إني رجعت ليلة الطريق.
أنا على الأرض…
وهو واقف.
بس المرة دي الأماكن اتبدلت.
أم حسن قالت:
— الفرق إنك ما سبتِهوش.
— هل ده معناه إني سامحته؟
— لأ.
معناه إن قلبك لسه نضيف.
إنقاذه مش غفران.
والغفران مش رجوع.
ليلى حطت رأسها على كتفها.
…
بعد ثلاث ساعات…
الدكتور خرج.
قال:
— الرصاصة عدت قريب من القلب.
لكن العملية نجحت.
حالته مستقرة.
ليلى أغمضت عينيها.
ارتاحت.
لكنها ما دخلتش تشوفه.
وقفت من مكانها.
ومشت.
…
في اليوم التالي…
بدأت التحقيقات الرسمية.
فؤاد اتحبس احتياطيًا.
شريف اعترف بجزء من الجرائم بعد ما عرف إن فؤاد كان مجهز أوراق تحملّه المسؤولية وحده.
الممرضة القديمة والدكتور عادل اتقبض عليهم.
صبري سلّم نفسه.
واعترف إنه كان بيراقب كريم ليلة الطريق.
قال إن فؤاد أمره يتأكد إن ليلى ماتت.
لكنه شاف عربية الحاج رمضان وهي بتقف.
واتصل بشريف.
شريف أمره ما يتدخلش.
لأنهم كانوا عايزين يعرفوا ليلى هتروح فين…
ومن هيساعدها.
وبعدها بدأوا يطاردوا كل اللي قرب منها.
تم فتح قضية مقتل خبير الأدلة الرقمية.
وقضية محاولة قتل عم جابر.
وقضية تفجير سيارة يوسف سالم.
أما مازن…
فوقف قدام النيابة.
واعترف بكل الجرائم اللي شارك فيها.
لكنه قدم تسجيلات وعقودًا تثبت إن فؤاد وشريف كانوا بيبتزوه من صغره.
المحقق سأله:
— كان ممكن تهرب.
قال:
— هربت كتير.
لكن كل مرة…
كنت باخد الشر معايا.
أنا مش جاي أطلب براءة.
أنا جاي أوقف الكذبة.
…
بعد أسبوع…
ليلى دخلت غرفة كريم.
كان صاحي.
وشه شاحب.
أول ما شافها…
حاول يقوم.
لكن الألم منعه.
قال:
— ليلى.
وقفت بعيد.
بينها وبين سريره مسافة كبيرة.
قال:
— كنت فاكر إنك مش هتيجي.
ردت:
— جيت أقولك حاجة واحدة.
كريم استنى.
قالت:
— شهادتك أنقذت ناس كتير.
والطلقة اللي خدتَها منعت فؤاد يقتلني.
أنا مش هنكر ده.
عينيه اتمليت بدموع.
لكنها كملت:
— بس ده ما يمسحش اللي حصل.
إنت ما كنتش ضحية بس.
كنت شريك.
كنت تقدر تقول لي الحقيقة.
كنت تقدر تهرب بيا.
كنت تقدر تبلغ الشرطة.
لكن إنت اخترت تسممني.
اخترت تتحكم فيا.
واخترت ترميني على الطريق.
كريم همس:
— عارف.
— وأنا مش هعيش عمري أحاول أفهم إذا كنت حبيتني ولا كنت بتستخدمني.
لأن الحب اللي يخلي صاحبه يخوفك…
ويعزلك…
ويقرر بدل منك…
مش حب.
كريم نزل عينه.
— عندك حق.
ليلى طلعت ملفًا.
حطته على الترابيزة.
— دي أوراق الطلاق النهائية.
بص للملف.
قال:
— همضي.
— من غير شروط.
— من غير أي شروط.
سكتت.
ثم قالت:
— لما تخرج من هنا، هتتحاكم.
— عارف.
— وأنا هشهد.
رفع عينه لها.
— عارف.
— ومش هطلب تخفيف.
— حقك.
ليلى لفت علشان تمشي.
كريم ناداها:
— ليلى.
وقفت من غير ما تبص له.
قال:
— أنا حبيتك.
هي سكتت.
فكمل:
— بس كنت شخص مريض بالسيطرة والخوف.
حولت الحب لسجن.
أنا مش بقولك علشان ترجعي.
بس علشان تعرفي إن العيب ماكانش فيكي.
ليلى لفت له.
وقالت بهدوء:
— أنا عرفت ده من خمس سنين.
وخرجت.
كريم فضل يبص للباب.
وبكى لأول مرة…
من غير ما يكون مستني حد يسامحه.
الفصل الرابع عشر: حكم المطر
المحاكمة استمرت عشرة شهور.
كانت من أكبر القضايا الاقتصادية والجنائية في البلد.
كل جلسة كانت تكشف جريمة جديدة.
شركات وهمية.
أراضٍ مسروقة.
شهود اتعرضوا للتهديد.
تقرير وفاة مزور.
محاولة قتل.
تسميم بطيء.
تزوير أهلية.
واستغلال مرضى داخل مراكز علاجية خاصة.
في آخر جلسة…
القاضي وقف يقرأ الحكم.
فؤاد كان واقف في القفص.
كبر عشر سنين في شهور.
قال القاضي:
— حكمت المحكمة بمعاقبة المتهم فؤاد المنشاوي بالسجن المؤبد عن جرائم الشروع في القتل والاحتجاز غير القانوني وتكوين جماعة إجرامية، وبالسجن المشدد في قضايا التزوير وغسل الأموال والاستيلاء على أموال الغير.
فؤاد خبط على القفص.
صرخ:
— كله بتاعي!
يوسف سالم كان قاعد بجانب ليلى.
قال بصوت هادي:
— اللي يتسرق عمره ما يبقى ملك السارق.
القاضي كمل حكم شريف.
ثم الدكتور عادل.
ثم باقي المتهمين.
وجاء دور مازن.
حُكم عليه بالسجن سنوات بعد اعترافه ومساعدته في كشف الجرائم.
مازن بص لكريم.
ابتسم له ابتسامة صغيرة.
أما كريم…
فحُكم عليه بالسجن بعد إدانته بالتسميم والاعتداء والتزوير والمشاركة في إخفاء جرائم.
المحكمة أخذت باعترافه الكامل وإنقاذه ليلى وتعاونه في إسقاط الشبكة.
لكن الحكم صدر.
قبل ما الشرطة تاخده…
بص ناحية ليلى.
ما حاولش يكلمها.
ولا مد إيده.
بس حنى رأسه.
كأنه أخيرًا قبل الحساب.
ليلى فضلت ثابتة.
لا فرحت بسجنه.
ولا حزنت.
كانت حاسة بحاجة واحدة:
إن الباب اتقفل.
…
بعد الحكم…
رجعت ليلى للطريق الصحراوي.
نفس المكان.
الدنيا كانت بتمطر.
لكن المطر المرة دي كان خفيف.
وقفت عند جانب الطريق.
أم حسن كانت معاها.
والحاج رمضان.
والدكتورة نادية.
ووالدها يوسف.
ليلى نزلت من العربية.
مشيت ناحية المكان اللي وقعت فيه من خمس سنين.
الطريق اتغير.
لكنها عرفته.
ركعت.
وحطت إيدها على الطين.
افتكرت نفسها…
حافية.
سخنة.
ضعيفة.
بتصرخ ومحدش سامعها.
الحاج رمضان وقف وراها.
وقال:
— هنا لقيتك.
ليلى بصت له.
— إنت ما لقيتنيش بس.
إنت رجعتلي حياتي.
رمضان ابتسم.
— ربنا اللي رجعها.
هي طلعت السويت شيرت القديم من شنطة.
فضلت تبص له.
ثم حطته في صندوق زجاج صغير كانت مجهزاه.
على الصندوق لوحة مكتوب عليها:
“مش كل من ينجو يرجع كما كان… بعض الناجين يولدون من جديد.”
الصندوق اتحط بعد كده في مدخل مركز جديد افتتحته ليلى.
مركز اسمه:
بيت المطر
مكان لاستقبال السيدات المعرضات للعنف.
فيه سكن مؤقت.
ودعم قانوني.
وعلاج طبي ونفسي.
وتدريب على العمل.
أم حسن تولت المطبخ.
الحاج رمضان بقى مسؤول النقل والأمان.
نادية أدارت الوحدة الطبية.
ويوسف الضابط أشرف على برامج الحماية.
أما يوسف سالم…
فأسس مكتبة داخل المركز.
وكان كل يوم يقعد يحكي للأطفال.
…
في افتتاح المركز…
صحفية سألت ليلى:
— هل انتقمتِ من زوجك السابق؟
ليلى ردت:
— لا.
الانتقام كان هيخليني أفضل عايشة معاه حتى وهو بعيد.
أنا حاسبته بالقانون.
وبعدين خرجته من حياتي.
الصحفية سألت:
— وسامحتيه؟
ليلى ابتسمت.
— المسامحة مش فرض.
وأحيانًا السلام الحقيقي إنك تبطل تستنى اعتذار يشفيك.
أنا سامحت نفسي…
لأني سكت.
ولأني صدقته.
ولأني افتكرت ضعفي كان عيب.
وده كان أهم.
الفصل الخامس عشر والأخير: الحياة بعد الستارة
مرت ثلاث سنين تانيين.
مسرح النور بقى من أهم المسارح.
ومؤسسة يوسف سالم بدأت تمول مطاعم صغيرة ومراكز إيواء ومشاريع للسيدات.
مطبخ أم حسن اتحول لسلسلة مطاعم.
لكن أم حسن رفضت تغيّر أول فرع.
قالت:
— ده المكان اللي بدأ منه كل الخير.
الحاج رمضان كان يقعد كل ليلة على نفس الكرسي عند الباب.
ويراقب الداخلين.
وفي الحيطة…
علّق صورة ليلى يوم افتتاح المؤسسة.
تحتها كتب:
“البنت اللي المطر ما قدرش يطفيها.”
…
بعد ما خرج كريم من السجن بسنوات…
ما رجعش لعالم الأعمال.
رفض أي ميراث.
اشتغل في مؤسسة صغيرة لعلاج الإدمان ودعم ضحايا العنف.
مش بصفته بطلًا.
ولا شخصًا يستحق المدح.
لكن بصفته رجلًا أذى إنسانة…
وقرر يقضي ما تبقى من عمره وهو يمنع رجالًا آخرين من تكرار فعلته.
ما طلبش يقابل ليلى.
كان بيبعت تقريرًا سنويًا لمحاميها…
عن الأموال اللي تنازل عنها لصالح بيت المطر.
وهي عمرها ما ردت.
في يوم…
وصلها ظرف صغير.
جواه خاتم الزواج القديم.
نفس الخاتم اللي رماه كريم في كيس الزبالة ليلة اختفائها.
صبري كان احتفظ به كدليل.
وكريم استرده بعد خروجه.
مع الخاتم ورقة مكتوب عليها:
“ده آخر شيء كان رابطك بالبيت اللي أذاكي. القرار ليكي.”
ليلى أخدت الخاتم.
راحت شاطئ هادي.
رمته في البحر؟
لأ.
ما رمتوش.
لأنها ما كانتش عايزة تدي الماضي مشهدًا دراميًا جديدًا.
حطته في صندوق الأدلة داخل مركز بيت المطر.
وبجانبه كتبت:
“الأشياء لا تؤذينا وحدها… المعاني التي نعطيها لها هي التي تفعل.”
ثم قفلت الصندوق.
ومشت.
…
في مساء هادي…
كانت ليلى واقفة على مسرح النور.
القاعة فاضية.
يوسف سالم قاعد في الصف الأول.
كبر في السن.
لكن ابتسامته لسه دافية.
قال لها:
— فاكرة أول مرة طلعتي المسرح؟
ضحكت.
— فاكرة الكأس لما وقع من إيده.
— وإنتِ حسيتِ بإيه؟
فكرت شوية.
ثم قالت:
— كنت فاكرة إني هستمتع بصدمة كريم.
لكن لما شوفته…
ما حسيتش بانتصار.
حسيت إني ببص على حياة قديمة.
حياة مش بتاعتي.
يوسف قال:
— ودي كانت لحظة انتصارِك الحقيقية.
جلست بجانبه.
حط رأسه على كتفها.
وبصوا للمسرح.
فجأة…
دخلت طفلة صغيرة من باب جانبي.
عمرها حوالي سبع سنين.
جريت ناحية ليلى.
وقالت:
— ماما!
ليلى فتحت ذراعيها.
الطفلة حضنتها.
كانت اسمها نور.
ليلى تبنتها بعد ما جت للمركز مع أمها اللي توفيت بعد مرض طويل.
يوسف سأل الطفلة:
— حفظتي دورك؟
نور قالت بحماس:
— أيوه يا جدو.
هطلع أقول: “أنا مش ضعيفة… أنا بس كنت محتاجة حد يصدقني.”
ليلى عينيها لمعت.
قالت:
— أهم حاجة تقوليها وإنتِ مصدقاها.
نور جريت ناحية المسرح.
وقفت تحت النور.
ورفعت رأسها.
وقالت بصوت قوي:
— أنا مش ضعيفة…
أنا بس كنت محتاجة حد يصدقني.
ليلى صفقت لها.
ويوسف صفق.
وبعد لحظات…
أم حسن ورمضان ونادية ويوسف الضابط دخلوا من الباب الخلفي.
صفقوا كلهم.
نور ضحكت.
والمسرح الفاضي امتلأ بصوتهم.
ليلى بصت حوالين نفسها.
دول كانوا عيلتها.
مش العيلة اللي ربطها بها الدم أو ورقة زواج.
لكن الناس اللي اختاروها…
ووقفت هي معاهم.
خرجت من المسرح وهي ماسكة إيد نور.
كان المطر بينزل بره.
نور وقفت عند الباب.
قالت بخوف بسيط:
— هنمشي في المطر؟
ليلى بصت للمطر.
زمان…
كان صوته يرجعها للطريق.
للخوف.
للطين.
لصوت العربية وهي بتبعد.
لكن دلوقتي…
مدت إيدها تحت المطر.
وسابت النقط تنزل على كفها.
ابتسمت.
وقالت:
— أيوه.
هنمشي فيه.
نور مسكت إيدها.
الاتنين نزلوا السلم.
من غير مظلة.
الحاج رمضان نادى:
— هتتبلوا يا ليلى!
ضحكت وقالت:
— المطر مش بيخوفني خلاص.
ومشت.
كل خطوة كانت تبعدها عن المرأة اللي تُركت تموت.
وتقربها من الحياة اللي اختارتها بنفسها.
أما كريم…
ففي مكان بعيد…
كان واقف خلف شباك صغير.
المطر بينزل قدامه.
فتح التلفزيون.
وشاف تقريرًا عن افتتاح فرع جديد لبيت المطر.
ليلى ظهرت على الشاشة.
واقفة بين النساء.
بتضحك.
حية.
من غيره.
ابتسم بحزن.
وقفل التلفزيون.
لأنه أخيرًا فهم…
إن أعظم عقاب له…
مش السجن.
ولا ضياع المال.
ولا سقوط اسمه.
أعظم عقاب…
إن المرأة اللي حاول يمتلك حياتها…
بنت حياة كاملة…
ماكانش له فيها مكان.
وفي آخر لقطة…
كانت ليلى ماشية تحت المطر مع نور.
رفعت وشها للسما.
وقالت بصوت هادي:
— في الليلة دي افتكرت إني بموت…
لكن الحقيقة…
إني كنت بتولد.
تمت الرواية
بقلم الكاتبة أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *