الارمل الوسيم حكايات اسما السيد 1

وسيم أرمل بعت 300 جواب يدور فيهم على زوجة ترضى تربي أولاده الأربعة بعد موت مراته… كل البنات ضحكوا عليه… الا بنت بسيطة لقت جوابه مرمي في الزبالة، وبدل ما تسخر منه… مشت 10 كيلو على رجليها لحد بيته.
ولما وصلت، لقت الراجل راكع في وسط الحوش، وعياله بيعيطوا حوالينه، والبيت كله منهار…
وفي اللحظة اللي رفع فيها عينه وشافها، قال لها بكسرة عمره كله: لو جاية تضحكي… يبقى شوفتي اللي يكفي وزياده… لكن ردها خلاه ينهار لأول مرة بعد موت زوجته
،،،،،،،،،،،،،
يقولوا إن أعظم قصص الحب ما بتبدأش تحت الأضواء ولا وسط الناس الأغنياء… لكنها بتتولد من قلب الوجع، لما روحين مكسورين يلاقوا بعض من غير ما يحتاجوا يشرحوا أي حاجة.
في قرية صغيرة اسمها “النجيلة”، في إحدى قرى الصعيد، كان الكل بيتكلم عن الحاج رائف البدري كأنه راجل قلبه حجر.
كان عنده 38 سنة، وورث أرض كبيرة اسمها “عزبة البدري”، لكنها كانت غرقانة في الديون، ومعاه 4 أطفال سابتهم له الدنيا بعد ما مراته، رحمة، ماتت وهي بتولد التوأم.
من يوم الليلة دي… رائف مبقاش راجل طبيعي.
بقى مجرد شبح بيتحرك في البيت.
ابنه الكبير، عمر، عنده 14 سنة، حول حزنه لغضب.
ما بقاش يتكلم، يكسر أي حاجة قدامه، ويبص لأبوه كأنه بيحمله ذنب إن أمه ماتت.
أما سلمى، اللي عندها 10 سنين، فكانت بتحاول تبقى ست البيت بدري جدًا.
تغسل الهدوم، تولع الفرن البلدي، وتخبي الحروق اللي في إيديها علشان محدش يقلق عليها.
أما التوأم، ياسين وملك، عندهم 3 سنين، فكانوا يصحوا كل فجر يعيطوا وينادوا على أم عمرهم ما عرفوها غير من صورة قديمة فوق التسريحة.
البيت الكبير في عزبة البدري ما بقاش ريحته عيش طالع من الفرن ولا ريحة ورد…
بقى ريحته تراب، ولبن بايظ، وحزن مقفول عليه بالأبواب.
وفي يوم حر نار، كل حاجة انهارت مرة واحدة.
ياسين وملك كانت حرارتهم مولعة.
سلمى جرحت إيديها وهي بتقشر البطاطس.
وعمر رجع من المدرسة بقميص مقطوع بعد خناقة مع ولدين اتريقوا على حال عيلته.
دخل رائف المطبخ… وشاف دم، ومواعين متكومة، وعيال بتعيط، وبيت كأنه بيقع من جواه.
وقع على ركبته لأول مرة… واعترف إن حب الأب لوحده مش كفاية.
وفي نفس الليلة، قعد قدام ماكينة كتابة قديمة، وكتب 300 جواب، والدموع بتنزل على الورق.
“اسمي رائف البدري. عندي 38 سنة، وعندي عزبة بتغرق في الديون، و4 أطفال محتاجين أم.
أنا مش بدور على خدامة… أنا بدور على زوجة شجاعة.
مش هقدر أوفر رفاهية، لكن أوفر احترام، وأمان، وراجل قلبه تعب لكنه لسه يعرف يحمي اللي بيحبهم.
اللي عندها استعداد تحب أولادي كأنهم أولادها… هتفضل متشالة جوه قلبي لآخر نفس.”
تاني يوم، بعت الجوابات لبنات كتير في القرى اللي حوالين البلد.
لكن الرد كان قاسي.
في الكوافيرات، البنات كانوا يضحكوا.
وفي المخابز، واحدة قرت الجواب بصوت عالي والكل انفجر ضحك.
— “نتجوز الراجل الأرمل المجنون ونربي 4 عيال مش بتوعنا؟ هو إحنا ناقصين هم؟”
الجواب بقى مادة للسخرية…
ولا حد شاف إنه كان استغاثة راجل بيغرق.
لكن واحد من الجوابات انتهى مرمي جنب صندوق الزبالة ورا مخبز “الرحمة”.
وهناك كانت بتشتغل دلال عبدالعاطي.
بنت عندها 27 سنة، إيديها خشنة من العجين، لكن عينيها مليانة طيبة عمرها ما اتحولت لقسوة رغم كل اللي شافته.
دلال كانت شبه invisible وسط الناس.
أختها الكبيرة، سامية، اللي اتجوزت موظف بنك كبير، استولت على بيت أبوهم بعد موته، وخلت دلال تنام في أوضة ضيقة جنب الفرن القديم.
ومن وهي صغيرة، وهي تسمع نفس الكلام:
“إنتِ محدش هيحبك.”
“إنتِ بسيطة زيادة.”
“هادية زيادة.”
“إنتِ ولا حاجة.”
ماكانش عند دلال فساتين غالية ولا دهب.
كان عندها 3 غيارات، ومصحف صغير، وقلب مليان رحمة توزعها على أي حد محتاج.
كانت تدي العيش للغلابة، وتأكل الكلاب اللي في الشارع، وتساعد الأطفال اللي أهلهم يطلبوا بالدين.
وفي الليلة دي، وهي بترمي الزبالة، شافت الورقة المكرمشة.
فتحتها تحت نور اللمبة الصفراء… وقرأت الجواب كله.
ما ضحكتش.
حست إن حاجة خبطت قلبها بقوة.
الناس شافوا مصيبة… لكنها شافت عيلة بتستنجد.
الناس شافوا 4 أطفال غرب… لكنها شافت 4 قلوب مكسورة مستنية حضن حقيقي.
ومع أول ضوء للفجر، حطت هدومها في شنطة كرتون قديمة، لبست حذائها المتهالك، ومشت أكتر من 10 كيلو على الطريق الترابي لحد ما وصلت لعزبة البدري.
ولما فتحت البوابة الحديد القديمة… وقفت مصدومة.
رائف كان راكع وسط الحوش، والتوأم متعلقين في هدومه وهم بيعيطوا.
سلمى قاعدة في الركن بتمسح دموعها.
وعمر بيزعق من باب البيت بغضب.
رفع رائف وشه، وشاف الست الغريبة واقفة قدامه في أسوأ لحظة في حياته.
قال بصوت خشن مليان خجل:لو جاية تضحكي… خلاص شوفتي اللي يكفي. اتفضلي امشي.
قربت دلال بهدوء، وطلعت الجواب المكرمش من جيبها ووووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الأول
قربت دلال بخطوات هادية، ومدّت الجواب المكرمش ناحية رائف، وإيديها كانت بترتعش من التعب وطول الطريق، لكن صوتها خرج ثابت بشكل غريب:
— أنا ماجتش أضحك يا حاج رائف… أنا جيت لأن قلبي وجعني عليكم.
سكت المكان كله للحظة.
حتى عياط التوأم خف كأنهم بيحاولوا يسمعوا.
رائف بصّ لها بعدم تصديق.
ست بسيطة، هدومها متواضعة، وشها شاحب من الشمس والتعب، ماسكة شنطة قديمة، واقفة قدامه كأنها نازلة من دعوة رحمة في عز الخراب.
عمر زم شفتيه وقال بعصبية: — وإحنا ناقصين ناس تتفرج علينا؟
لكن دلال ما ردتش عليه بعصبية.
بصت له بحنان غريب خلاه يتوتر أكتر.
— إنت زعلان… ومن حقك تزعل.
الجملة نزلت على عمر كأنها خبطته.
لأن محدش من ساعة موت أمه كان بيقوله إن من حقه يحزن.
رائف قام ببطء، شايل ملك على دراعه، وياسين متعلق في جلابيته، وقال بتعب: — الطريق طويل… أكيد جعانة.
ابتسمت دلال بخفة: — أنا خبازة يا حاج… الجوع صاحبي القديم.
لأول مرة من شهور… زاوية صغيرة جدًا من فم رائف اتحركت كأنها هتبتسم، لكنه بسرعة خبّى ده.
دخلت دلال البيت.
ريحة الرطوبة والحزن كانت خانقة.
المواعين متكومة.
هدوم مرمية.
بقايا أكل بايظة فوق الترابيزة.
لكن أكتر حاجة كسرت قلبها… كانت صورة رحمة.
صورة كبيرة معلقة فوق الحائط.
ست جميلة بعينين دافيين… كأنها لسه عايشة وبتبص على البيت وهو بيقع حتة حتة.
وقفت دلال قدام الصورة ثواني، وهمست جواها: “اطمني… هحاول.”
وفجأة، ملك شدت طرف جلابيتها الصغيرة.
— جعانة…
الصوت كان ضعيف لدرجة قلبها وجعها.
نزعت دلال طرحتها بسرعة وربطتها حوالين وسطها، وقالت: — المطبخ فين؟
رائف أشار بصمت.
دخلت المطبخ… واتصدمت.
كان فاضي تقريبًا.
كيس دقيق نصه فاضي.
بصلتين ناشفين.
وشوية جبنة قديمة.
لكنها ما اشتكتش.
غسلت إيديها، ولمّت شعرها، وبدأت تتحرك بسرعة.
بعد أقل من ساعة… ريحة العيش المحمص والبصل بالسمنة بدأت تملا البيت.
ريحة دافية… منسية.
سلمى خرجت من أوضتها تبص بعدم تصديق.
— هو… في أكل؟
دلال ابتسمت: — وتعالي تساعديني كمان.
البنت وقفت مترددة.
واضح إنها ناسية يعني إيه حد يحتويها بلطف.
لكن دلال مدت إيدها بهدوء: — الشاطرة اللي زيك أكيد تعرف تقطع الطماطم أحسن مني.
سلمى لأول مرة من شهور… ابتسمت.
أما عمر، فكان واقف عند الباب يراقب بصمت، بعينيه المليانة شك.
وفي الليل…
بعد ما العيال أكلوا وناموا لأول مرة من غير عياط، خرج رائف للحوش.
لقى دلال قاعدة على الأرض جنب البير، بتغسل المواعين في صمت.
قال بخشونة: — مش لازم تعملي كل ده.
ردت وهي بتكمل شغل: — لو البيت هيرجع يعيش… لازم حد يبدأ.
سكت شوية، وبعدين قال: — الناس كلها ضحكت على الجواب.
رفعت عينيها له: — الناس دايمًا تضحك على الوجع اللي ما عاشتهوش.
الجملة دخلت قلبه بشكل موجع.
لأنه من يوم موت رحمة… محدش فهمه.
محدش شاف الرعب اللي كان بيعيشه كل ليلة وهو سامع عيال صغيرة بتعيط عليه وعلى أمهم في نفس الوقت.
قعد على الكرسي الخشب قدامها وقال بصوت واطي: — ليه جيتي فعلًا يا دلال؟
لأول مرة… عينيها اتمَلوا دموع.
— علشان أنا كمان كنت بغرق يا حاج رائف.
وسكتت.
لكن السكوت المرة دي كان مليان أسرار موجوعة.
في نفس اللحظة…
باب العزبة اتفتح بعنف.
ودخلت عربية سوداء فخمة وسط التراب.
نزلت منها ست لابسة دهب كتير ونظارتها فوق راسها، تبص للمكان بقرف واضح.
سامية.
أخت دلال.
بمجرد ما شافتها، وش دلال شحب.
أما سامية، فأول ما لمحِتها… ضحكت بسخرية وقالت بصوت عالي:
— يا نهار أسود!
يعني هربتي من عندي علشان تيجي تعيشي مع أرمل مفلس وعنده 4 عيال؟!
إنتِ فعلًا رخصتي نفسك يا دلال!
العيال صحوا مفزوعين على صوتها.
ورائف وقف فورًا، عينيه بقت باردة بشكل مخيف.
لكن سامية ما سكتتش.
بصت لدلال باحتقار: — فاكرة إنه هيتجوزك؟ ده شكله جابك خدامة ببلاش!
في اللحظة دي…
دلال حست بالإهانة تخنقها.
لكن قبل ما تتكلم…
اتفاجأت برائف بيتقدم خطوة قدامها لأول مرة، ويقول بصوت ثابت:
— مدام دلال ضيفة عندي… يبقى محدش يقدر يهينها في بيتي.
سامية اتصدمت.
ودلال نفسها رفعت عينيها له بعدم تصديق.
لأن دي كانت أول مرة من سنين… حد يدافع عنها.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *