عمري الضائع أسمـا السيـد حصري _1

بعد ما كتبت لجوزي كل ورثي من اهلي باع ورثي واتجوز عليا..ولما اتكلمت واعترضت كان رده الشرع حلل…
بعد ما كتبت لجوزي كل ورثي من أهلي… باع الأرض والبيت واتجوز عليّا… ولما واجهته وقلتله إنه كسرني، بصلي ببرود وقال: “الشرع محلل أربعة… ولو مش عاجبك الباب يفوّت جمل.”
وقتها بس… فهمت إن أغلى حاجة خسرتها ماكنتش الفلوس… كانت عمري اللي ضاع مع راجل عمره ما اعتبرني شريكة… بس سلّمته كل حاجة بإيديا.
اسمي “أميرة”. عندي ٤٦ سنة. واتجوزت “محمود” من ٢٢ سنة.
لما شافني أول مرة كنت بنت لسه خارجة من صدمة وفاة أبويا. أمي كانت ست غلبانة، وأخويا الكبير كان شايل مسؤولية البيت بالعافية. ومحمود وقتها ظهر في حياتنا كأنه طوق نجاة.
راجل هادي… بيصلي… وكلامه كله عن الستر وبناء بيت محترم.
أمي حبّته بسرعة. قالتلي: “الراجل ده ابن حلال… وشه فيه قبول.”
وأخويا وافق عليه لأنه كان موظف ثابت ومحترم وسط ناس كتير كانت داخلة تطمع في ورثنا بعد وفاة أبويا.
ورثي وقتها كان قطعة أرض كبيرة على أطراف الإسماعيلية… وبيت قديم ورثناه عن جدي. ماكنتش بفهم في البيع والشراء… ولا حتى كنت مهتمة. كل اللي كنت عايزاه وقتها راجل يحتوي خوفي.
وفي أول سنة جواز… محمود لعب دوره بإتقان.
كان يصحى يجيبلي الفطار. يشتريلي هدوم من غير ما أطلب. لو تعبت يشيل البيت كله فوق دماغه.
كنت بقول لنفسي: “الحمد لله… ربنا عوضني.”
لحد ما بدأت أول جملة تغيّر حياتي كلها.
قالها بعد جوازنا بسنتين وإحنا قاعدين في البلكونة نشرب شاي.
“بصي يا أميرة… الأرض اللي باسمك دي واقفة من غير فايدة. لو بعنا جزء منها وفتحنا مشروع… مستقبلنا هيبقى أحسن.”
ماكنتش مقتنعة. الأرض دي كانت آخر حاجة تربطني بأبويا.
لكن محمود فضل شهور يكلمني بالعقل والدين والخوف على المستقبل.
“هو أنا غريب عنك؟” “إحنا واحد.” “كل اللي معايا ليكي.”
وفي الآخر وافقت.
بعنا أول قطعة.
وبالفعل فتح معرض أدوات صحية صغير.
الغريب إن المشروع نجح بسرعة. والفلوس بدأت تكتر. ومحمود بقى معروف وسط التجار.
وقتها حسيت إني اخترت صح.
لكن اللي ماخدتش بالي منه… إن محمود بدأ يتغيّر بهدوء. بهدوء مرعب.
بقى يرجع متأخر. تليفونه مايفارقش إيده. وعصبيته تزيد لأي سبب.
ولو سألته: “كنت فين؟”
يرد بحدة: “أنا طول اليوم بتعب علشانك!”
كنت بسكت. أقول أكيد ضغط شغل.
لحد يوم ما دخل عليا بالأوراق.
“امضي هنا.”
بصيت لقيتها توكيل عام.
اتوترت فورًا. “ليه؟”
ابتسم وهو بيقرب الكرسي مني. “علشان نسهّل الشغل يا أميرة… بدل كل شوية إمضى وتعالي وروحي.”
ترددت. لكن بعدها قال الجملة اللي كسرت مقاومتي: “هو إنتِ لسه مش واثقة في جوزك بعد العمر ده؟”
ومضيت.
يا ريت إيدي اتكسرت قبل ما أمضي.
بعدها بسنة… البيت القديم اتباع. وبعدها الأرض كلها راحت. ومحمود نقلنا لفيلا كبيرة في الشيخ زايد.
الناس كلها كانت تحسدني.
“يا بختك بجوزك.” “الراجل نقلك نقلة.”
لكن محدش كان شايف الوحدة اللي بدأت تاكلني.
محمود بقى شخص تاني. بقى يتعامل معايا كأني ست كبيرة انتهت صلاحيتها.
ينتقد شكلي. سني. حتى ضحكتي.
ولو اتكلمت يقول: “ما تكبري بقى… مش ناقص وجع دماغ.”
وفي يوم… لقيت رسالة على تليفونه بالصدفة.
“وحشتني يا حبيبي… إمتى هتسيب العجوزة وتيجي؟”
حسيت إن الأرض اتشالت من تحتي.
إيديا تلجت. وقلبي دق بطريقة وجعتني.
فضلت مستنية يرجع.
دخل البيت آخر الليل وهو بيصفّر. أول ما شاف وشي فهم.
قلتله بصوت مكسور: “مين دي؟”
سكت ثانيتين… ثم قال بمنتهى البرود: “هتجوز.”
افتكرت إني ما سمعتش صح. “إيه؟”
كررها وهو بيقلع ساعته….
حصري للكاتبه أسمـا السيـد لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

@أبرز المعجبين

كررها وهو بيقلع ساعته وقال ببرود كأنه بيبلغني إن عنده اجتماع الصبح: “هتجوز.”
وقفت مكاني وأنا حاسة إن ضهري اتسند على حيط مش موجود. الكلمة دخلت صدري زي سكينة باردة. مش لأن الشرع محلل، ولا لأن فكرة الجواز التاني ماكنتش بتتقال في بيوت كتير، لكن لأن الراجل اللي واقف قدامي ده كان واخد عمري وورثي وبيتي وأرض أبويا، وبعد ما شبع ووقف على رجليه، قرر يرميلي الفتات ويقول لي بمنتهى الثقة: “لو مش عاجبك الباب يفوّت جمل.”
سألته بصوت طالع بالعافية: “هتتجوز عليا؟ بعد كل ده؟”
بصلي وهو بيحط الساعة على الكومود وقال: “بعد كل إيه يا أميرة؟ ماتعمليش فيها ضحية. إنتي عايشة في فيلا، وراك عربية بسواق، وحساب البيت مفتوح، واسمك مراتي قدام الناس. عايزة إيه تاني؟”
ضحكت. ضحكة قصيرة مخنوقة، يمكن كانت أقرب للبكاء. قلتله: “عايزة جوزي. عايزة احترامي. عايزة أحس إن السنين اللي فاتت ماكنتش صفقة.”
اتنهد بضيق وقال: “الدراما دي مش هتفيدك. أنا راجل، ومن حقي أتجوز. الشرع محلل أربعة.”
قربت منه خطوة وقلت: “والشرع محلل تاكل حق مراتك؟ الشرع محلل تبيع ورثها بتوكيل وهي فاكرة إنك بتحافظ عليه؟ الشرع محلل تخليها تمضي وهي واثقة فيك وبعدها تعاملها كأنها عبء؟”
وشه اتغير للحظة. كانت أول مرة أذكر التوكيل بصوت واضح. أول مرة ما أخبيش شكي تحت خجلي. لكنه رجع تماسك بسرعة وقال: “كل حاجة اتعملت بعلمك. إنتي مضيتي بإيدك. مفيش حاجة اسمها اتضحك عليا بعد العمر ده.”
الجملة دي وقعت عليا أقسى من الخيانة نفسها.
مضيت بإيدي.
آه. أنا فعلًا مضيت بإيدي. بس مضيت وأنا فاكرة إني بمضي لجوزي، مش لخصمي. مضيت وأنا فاكرة إن البيت بيتنا، والمستقبل مستقبلنا، والنجاح نجاحنا. مضيت وأنا ست بتحب، مش محامية بتراجع بنود عقد.
قلتله: “هي مين؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة سخيفة وقال: “اسمها نسرين.”
الاسم كان عادي، لكن وقعُه كان مهين. نسرين. الست اللي في الرسالة بتقول عليا العجوزة. الست اللي مستنية محمود يسيبني ويروح لها. الست اللي غالبًا كان بيصرف عليها من فلوس أبي ومن أرض جدي ومن تعب أمي اللي ماتت وهي مطمنة إن بنتها في أمان.
سألته: “بتحبها؟”
رد من غير تردد: “مرتاح معاها.”
قلت: “وأنا؟”
بصلي كأنه مش فاهم السؤال. “إنتي أم عيالي.”
“عيالي؟” رددت الكلمة بمرارة.
كان عندنا ولدين. ياسين، عنده واحد وعشرين سنة، بيدرس هندسة في جامعة خاصة. وسلمى، عندها ستاشر سنة، في ثانوي. الاتنين عاشوا في نعمة محمود الجديدة، لكنهم ماكانوش يعرفوا إن النعمة دي مبنية على ورث أمهم. كانوا شايفين أبوهم رجل ناجح، ذكي، تعب وعمل نفسه بنفسه. وأنا؟ كنت بالنسبة لهم الأم الطيبة اللي ساكتة دايمًا، اللي بتخاف من الزعل، اللي بتعدي وتهون.
محمود قال: “ومش عايز عياط قدام الولاد. الموضوع هيتم بهدوء. نسرين هتعيش في شقة لوحدها، وإنتي هنا. وكل واحدة تعرف حدودها.”
حسيت إني مش سامعة. قلت: “حدودها؟”
قال: “آه. وأنا مش هقبل فضايح. لو عايزة تفضلي في المستوى اللي إنتي فيه، خليكي عاقلة.”
وقتها بس فهمت إن التهديد بدأ. مش تهديد بصوت عالي، لكنه تهديد ناعم. يعني اسكتي علشان الفيلا. اسكتي علشان المصاريف. اسكتي علشان العيال. اسكتي علشان الناس. اسكتي لأنك بعد ستة وأربعين سنة هتروحي فين؟
دخل الحمام وسابني واقفة في نص الأوضة.
فضلت مكاني كتير. لا عيطت ولا صرخت. كنت حاسة إن جسمي كله اتحول لحجر. ولما سمعت صوت الميه من الحمام، بصيت حواليا. الأوضة الكبيرة، الستائر الغالية، الدولاب الخشب، السرير اللي اخترته بنفسي، كل ده فجأة بقى غريب. كأنه مش بيتي. كأنه ديكور في حياة اتسرقت مني.
في الصبح، محمود نزل بدري. قبل ما يمشي قاللي وهو بيظبط ياقة قميصه: “فكري بعقلك. إنتي مش صغيرة، ومش هتلاقي حد يشيلك غيري.”
ابتسمت له. لأول مرة ابتسامة هادية ماكنتش ضعف.
قلت: “ماشي يا محمود.”
استغرب من هدوئي. بصلي شوية، يمكن كان مستني انهيار. مستني أترجاه. مستني أقول له بلاش. لكنه ما لقاش غير واحدة واقفة قدامه بملامح ساكنة.
مشي.
أول ما الباب اتقفل، طلعت فوق. فتحت درج قديم كنت بحط فيه ورق البيت. طلعت ملفات، عقود، صور توكيلات، إيصالات، أي ورقة كنت محتفظة بيها من غير ما أعرف ليه. يمكن ربنا كان سايبلي خيط نجاة وأنا مش حاسة.
قعدت على الأرض وسط الورق. كنت بدور زي الغرقانة. لقيت صورة من عقد بيع أول قطعة أرض. الإمضاء بتاعي موجود. ولقيت توكيل عام. ولقيت ورق بيع البيت القديم. لكن في وسط الورق، لقيت حاجة وقفت قلبي.
ظرف بني قديم مكتوب عليه بخط أخويا: “مهم جدًا يا أميرة.”
افتكرته فورًا.
قبل وفاة أمي بسنة، أخويا مصطفى كان زارني في الشيخ زايد. يومها كان بينه وبين محمود كلام ناشف. محمود ماكانش بيحب مصطفى، لأنه كان الراجل الوحيد اللي ما انخدعش فيه بالكامل. كان دايمًا يقول لي: “أخوكي عينه على فلوسك.” وأنا للأسف صدقته سنين.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
لقيت جواه صورة ورقة بختم الشهر العقاري. عقد قديم. قرأته مرة واتنين وتلاتة. كانت الأرض الكبيرة اللي افتكرت إنها اتباعت كلها، فيها جزء صغير ماكانش داخل في التوكيل، جزء كان أبويا كاتبه لي بشرط خاص، ماينفعش يتصرف فيه إلا بحضوري الشخصي وبإقرار منفصل. قطعة صغيرة على الطريق الجديد، قيمتها وقتها ماكانتش كبيرة، لكن دلوقتي بعد التوسعات بقت تساوي ملايين.
وتحت العقد، جواب بخط أخويا.
“أميرة، أنا عارف إنك زعلانة مني وبتصدقي محمود أكتر مني، بس الورقة دي لازم تفضلي محتفظة بيها. أبوكي كان عامل بند يحميكي، وأنا سجلته زي ما هو. محمود مايعرفش عنه حاجة. لو في يوم حسيتِ إنك لوحدك، افتكري إن أبوكي ما ماتش وسابك من غير ضهر.”
فضلت أبص للجواب، ودموعي نزلت لأول مرة.
يا بابا.
حتى بعد ما مشيت، كنت بتحميني.
حضنت الورق لصدري وعيطت بصوت مكتوم. مش بس على الفلوس، ولا على الأرض، لكن على نفسي. على البنت اللي صدقت إن الحب يغني عن الحذر. على الست اللي سمحت لراجل يعزلها عن أخوها ويقنعها إن كل اللي حواليها طمعانين فيها، بينما هو أكتر واحد كان طمعان.
مسحت دموعي وقومت.
اتصلت بمصطفى.
أول ما سمع صوتي، سكت لحظة. علاقتنا كانت باردة من سنين. مكالمات أعياد، عزومات قليلة، كلام رسمي. أنا اللي بعدته بإيدي علشان محمود كان بيكره وجوده.
قلت بصوت مبحوح: “مصطفى… محتاجاك.”
ما سألنيش ليه. ما عاتبنيش. ما قالش افتكرتيني دلوقتي. قال بس: “أنا جايلك.”
بعد ساعتين، كان قاعد قدامي في الصالون. شعره شاب أكتر، ووشه تعب، لكنه كان لسه أخويا الكبير. أول ما شاف الورق، عينه لمعت بغضب حزين.
قال: “أنا كنت خايف اليوم ده ييجي.”
قلت: “كنت عارف؟”
قال: “كنت شايف. بس كل ما أحاول أكلمك، محمود يقف بينا. وإنتي كنتي بتزعلي مني.”
نزلت عيني في الأرض. “أنا آسفة.”
قال: “الأسف بعدين. دلوقتي نفهم هو عمل إيه.”
حكيت له كل حاجة. الرسالة. نسرين. الجواز. جملة الشرع. التهديد. التوكيل. البيع.
مصطفى فضل ساكت، لكن صوابعه كانت مقفولة على بعض. لما خلصت، قال: “إنتي هتروحي لمحامي النهارده.”
قلت بخوف: “ينفع؟ بعد كل السنين دي؟”
قال: “ينفع نعرف حقوقك. مش هنرمي كلام. هنشوف الورق. أي بيع تم بإيه، والفلوس دخلت فين، والتوكيل اتستخدم إزاي. ولو في تزوير أو استغلال أو إخفاء، القانون له كلام.”
اترددت. “والولاد؟”
مصطفى بصلي بحزم وقال: “الولاد لازم يعرفوا إن أمهم مش سجادة في بيت أبوهم.”
الجملة هزتني.
في نفس اليوم، روحنا لمحامية اسمها دكتورة هالة. ست في الخمسينات، عينها قوية وصوتها هادي. سمعتني من غير ما تقاطعني. راجعت الورق، وبعدين قالت: “أول حاجة، ما توقعيش على أي ورقة تاني. تاني حاجة، هنعمل إنذار بإلغاء التوكيل فورًا. تالت حاجة، هنراجع كل التصرفات اللي تمت بموجبه. رابع حاجة، قطعة الأرض اللي لسه باسمك دي لازم تتحمي فورًا.”
سألتها: “هو ممكن ياخدها؟”
قالت: “لو مايعرفش عنها، يبقى أهم حاجة مايعرفش دلوقتي غير وإحنا سابقينه بخطوة.”
خرجت من مكتبها وأنا لأول مرة من سنين أحس إن رجلي على أرض. مش قوية بالكامل، لكن مش غرقانة.
رجعت البيت قبل المغرب. محمود كان لسه مرجعش. سلمى كانت قاعدة في أوضتها بتذاكر، وياسين في الجامعة. دخلت المطبخ وعملت لنفسي شاي. إيدي كانت ثابتة بشكل غريب.
رجع محمود الساعة عشرة. أول ما دخل، قال: “الأكل فين؟”
بصيت له من مكاني وقلت: “في المطبخ.”
استغرب. “مش محضراه؟”
قلت: “تحضره لنفسك. أنا تعبانة.”
ضحك بسخرية. “واضح إن موضوع الجواز مأثر عليكي.”
قلت: “لا. موضوع التوكيل هو اللي مأثر عليا.”
وشه اتجمد.
رفع عينه ببطء وقال: “قصدك إيه؟”
قلت بهدوء: “لغيت التوكيل النهارده.”
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب. لثواني، محمود ما اتحركش. وبعدين ابتسم ابتسامة باهتة وقال: “ومين قالك تعملي كده؟ أخوكي؟”
قلت: “أنا.”
ضحك. “إنتي؟ إنتي عمرك ما خدتي قرار لوحدك.”
القديمة كانت هتتوجع من الجملة. الجديدة سمعتها كدليل إدانة.
قلت: “يبقى اعتبرني بدأت أتعلم.”
قرب مني وقال بصوت واطي: “بلاش تلعبي لعبة أكبر منك يا أميرة.”
رفعت عيني له وقلت: “اللعبة بدأت يوم ما خلتني أمضي وأنا مش فاهمة. دلوقتي أنا بس بقرأ القواعد.”
اتغير وشه. لأول مرة شفت الخوف مستخبي ورا الغضب. قال: “إنتي فاكرة المحامين هيعملولك حاجة؟ كل حاجة قانونية. وكل حاجة بإمضتك.”
قلت: “يبقى ما تقلقش.”
الكلمة استفزته. خبط بإيده على الترابيزة وقال: “إنتي اتجننتي؟”
سلمى خرجت من أوضتها مفزوعة. “في إيه؟”
سكتنا إحنا الاتنين. محمود بص لها وقال: “ادخلي يا سلمى.”
لكنها بصتلي. “ماما؟”
كنت على وشك أقول لها مفيش، زي كل مرة. لكني وقفت نفسي. قلت: “مفيش يا حبيبتي. بابا بس زعلان علشان أنا قررت أراجع شوية ورق يخصني.”
محمود بصلي كأنه هيقتلني. سلمى فهمت إن في حاجة كبيرة، لكنها دخلت أوضتها وهي قلقانة.
قرب محمود مني وقال من بين سنانه: “إياكي تدخلي العيال في قرفك.”
قلت: “قرفي؟ ده ورثي يا محمود. ده بيت أبويا وأرضه. ده عمري.”
قال: “ده كله اتحول لحياة إنتي عايشاها دلوقتي.”
قلت: “حياة بتعايرني بيها؟”
رد بسرعة: “لأنك ناكرة للجميل.”
ساعتها حسيت إن آخر خيط بيني وبينه اتقطع. ناكرة للجميل؟ أنا اللي بعته شبابه من غير ما أطلب مقابل. أنا اللي سبتله فلوس أبويا تبني اسمه. أنا اللي لما اتأخر وابتعد وسهر وكذب، كنت أدافع عنه قدام نفسي. وفي الآخر أنا ناكرة للجميل.
دخلت أوضتي وقفلت الباب.
الليلة دي ما نمتش. فضلت قاعدة أكتب. كتبت كل حاجة حصلت من أول يوم. كل تاريخ، كل بيع، كل كلمة فاكرة إنها اتقالت. كنت بحاول أرجع لنفسي ذاكرتها، لأن محمود طول السنين كان بيخليني أشك في نفسي. كل ما أقول “إنت قلت”، يرد “إنتي بتتهيألك”. كل ما أفتكر موقف، يقول “ذاكرتك ضعيفة”. لكن الورق ما بيتهيألوش. التواريخ ما بتنساش.
تاني يوم الصبح، وأنا في مكتب المحامية، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
صوت ست ناعم قال: “مدام أميرة؟”
قلبي قبض. “مين؟”
قالت بثقة: “أنا نسرين.”
سكت. مش من الخوف. من الصدمة إن البجاحة وصلت إنها تكلمني.
قالت: “محتاجين نتكلم بهدوء. أنا مش داخلة أخرب بيتك زي ما إنتي متخيلة.”
ضحكت غصب عني. “لا؟ أمال داخلة تعملي إيه؟ ترمميه؟”
قالت: “محمود بيحبني. وده نصيب. وأنا مش ذنبي إن علاقتكم ماتت.”
قلت: “علاقتنا ما ماتتش لوحدها. هو دفنها وهو ماسك فلوسي في إيده.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت: “بصي، خلينا واضحين. محمود قاللي إن كل حاجة باسمه، وإنك عايشة معززة مكرمة، وإنك بس رافضة الواقع علشان سنك.”
كلمة سنك لسعتني، لكني تماسكت. قلت: “محمود قالك كمان إن المعرض اتفتح من ورثي؟ وإن الفيلا اللي هيدخلك منها بعربية فارهة اتبنت على أرض أبويا؟”
صمت طويل.
ثم قالت بنبرة أقل ثقة: “أنا ماليش دعوة بالماضي.”
قلت: “هيبقى ليكي دعوة لما الماضي يطلع في المحكمة.”
قفلت المكالمة.
المحامية هالة كانت قاعدة قدامي وسمعت آخر جملة. ابتسمت وقالت: “واضح إن الطرف التاني بدأ يتحرك.”
قلت لها: “أنا خايفة.”
قالت: “الخوف طبيعي. بس ما تخليش الخوف يرجعك لنفس القفص.”
بعد يومين، محمود انفجر. عرف إنذار إلغاء التوكيل وصله، وعرف إن المحامية بدأت تطلب صور رسمية من الشهر العقاري. دخل البيت زي العاصفة.
“إنتي فاكرة نفسك هتفضحيني؟”
كنت واقفة في المطبخ. سلمى فوق، وياسين كان رجع من الجامعة وقاعد في الصالون. لأول مرة، محمود ماقدرش يتحكم في صوته.
قلت: “أنا بطالب بحقي.”
قال: “حقك؟ حقك تاكلي وتشربي وتقعدي في بيت محترم. غير كده انسي.”
ياسين دخل علينا. “في إيه يا بابا؟”
محمود حاول يلم نفسه، لكن الغضب سبقه. “أمك عايزة تخرب البيت.”
بصلي ياسين بصدمة. “ماما؟”
حطيت الفوطة من إيدي وقلت: “أبوك اتجوز عليا أو ناوي يتجوز، وباع ورثي كله بتوكيل كنت مديّاهوله، ولما اعترضت قال لي الباب يفوت جمل.”
وش ياسين شحب. بص لأبوه. “الكلام ده حقيقي؟”
محمود صاح: “دي مواضيع كبار ماتدخلش فيها.”
ياسين قال: “دي أمي.”
سكت محمود لحظة، وبعدين قال بحدة: “أمك عايشة من خيري.”
ما أعرفش إيه اللي حصل جوايا، لكني حسيت إن ربنا بعتلي اللحظة دي علشان كل الأقنعة تقع مرة واحدة.
قلت: “من خيرك؟ قول له يا محمود المعرض اتفتح منين. قول له أول عربية جبتها كانت من فلوس مين. قول له أول صفقة كبرت اسمك كانت من بيع قطعة أرض مين. قول له الفيلا دي تمنها طلع منين.”
ياسين بص لأبوه مستني إجابة.
محمود قال: “كل البيوت كده. الراجل يشيل ويدير.”
قلت: “لا. الراجل يحفظ الأمانة. مش يبلعها.”
ياسين كان واقف مصدوم. سلمى نزلت على السلم وسمعت آخر جملة. عينيها دمعت. “بابا هيتجوز؟”
محمود بص لها واتوتر. “سلمى، اطلعي فوق.”
قالت بصوت مكسور: “هو السؤال صعب؟”
لأول مرة محمود ماعرفش يرد.
اليوم ده انتهى بخروج محمود من البيت وخبط الباب وراه. لكن خروجه ماكانش انتصار. كان بداية حرب.
بدأ يقلل المصاريف. قفل كارت البيت. بعتلي رسالة: “شوفي أخوكي ومحاميتك يصرفوا عليكي.” كنت متوقعة أتهز. لكن مصطفى كان مجهزني. فتحت حساب باسمي، والمحامية ساعدتني أتصرف قانونيًا. والأرض الصغيرة اللي لسه باسمي بدأت إجراءات تثبيتها وحمايتها.
بعد أسبوع، جالي خبر نزل عليا زي الرعد.
محمود كتب كتابه على نسرين.
ما استناش. ما راعاش ولاده. ما حاولش حتى يلم اللي اتكسر. بالعكس، نشر صورة إيده بإيدها، وكتب: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”
فضلت أبص للجملة كتير.
الصالحات.
هو شايف اللي عمله صالحات.
ياسين كسر تليفونه من الغضب. سلمى قفلت على نفسها يومين. وأنا؟ أنا ما عيطتش. يمكن الدموع خلصت. أو يمكن قلبي أخيرًا فهم إن محمود اللي في الصورة ده ماكانش جوزي. ده الخصم اللي اتربى جوه بيتي وأنا مش واخدة بالي.
بعد شهر، بدأت أول جلسات القضية. محمود دخل المحكمة ببدلة غالية وثقة مصطنعة، ونسرين كانت معاه بره، لابسة شيك وواقفة كأنها انتصرت. أول ما شافتني، بصتلي من فوق لتحت. يمكن كانت مستنية تشوف ست منهارة. لكني دخلت وأنا رافعة راسي، جنبي مصطفى، وقدامي هالة.
في الجلسة، محامي محمود حاول يصورني كزوجة جاحدة بتنتقم من جوزها لأنه مارس حقه الشرعي. لكن دكتورة هالة وقفت وقالت بهدوء: “نحن لا نناقش زواج المدعى عليه من عدمه. نحن نناقش أموال المدعية وممتلكاتها والتصرف فيها، ومصير عوائد البيع، واستغلال الثقة الزوجية للحصول على توكيلات عامة، ثم إقصائها من كل شيء.”
لأول مرة، حسيت إن حكايتي اتقالت صح. من غير صراخ. من غير فضيحة. من غير استعطاف. اتقالت كحق.
ومع كل ورقة كانت بتطلع، محمود كان بيتغير. حسابات، تحويلات، عقود، تواريخ. اتضح إن بعض المبيعات دخلت حسابه الشخصي مباشرة، وإن في عقار اتسجل باسم شركة جديدة هو شريك فيها مع شخص قريب من نسرين. هنا القضية بقت أكبر من مجرد وجع زوجة.
في يوم من الأيام، بعد جلسة طويلة، محمود استناني عند باب المحكمة. قال لمصطفى: “سيبني أكلمها.”
مصطفى رفض، لكني قلت: “خليه.”
وقفنا على جنب. محمود بصلي بنظرة مختلفة. مش ندم. قلق.
قال: “إنتي كده بتضيعي كل حاجة.”
قلت: “كل حاجة ضاعت يوم ما خنت الأمانة.”
قال: “أنا ممكن أرجعك.”
كدت أضحك. “ترجعني فين؟ على الرف؟ جنب مراتك الجديدة؟”
قال بسرعة: “أنا ممكن أطلقها.”
للحظة، تخيلت نسرين وهي تسمع الجملة دي. نفس الراجل اللي باعني بعد عشرين سنة، مستعد يبيعها بعد شهرين لو حس بالخطر. ساعتها ماحستش بغيرة. حسيت بقرف.
قلت له: “مشكلتي عمرها ما كانت نسرين. مشكلتي إنت.”
اتنرفز. “إنتي فاكرة نفسك هتعيشي من غيري؟”
ابتسمت. “أنا عشت من غير نفسي سنين. من غيرك أسهل.”
وسبته ومشيت.
الطريق ماكانش سهل. كان في ليالي برجع فيها البيت وأقع من التعب. كان في ناس تلومني: “ما كان سابك في الفيلا وخلاص.” وناس تقول: “الست الشاطرة تكسب جوزها مش تحاكمه.” وناس تهمس: “أكيد هي قصرت.”
لكن في كل مرة كنت أضعف، أبص لبنتي سلمى. كنت بشوفها وهي بتراقبني. لو سكت، هعلمها إن الست تتحمل الإهانة علشان البيت. لو وقفت، حتى لو خسرت، هعلمها إن كرامتها مش رفاهية.
بعد شهور، المحكمة حكمت بإجراءات تحفظية على بعض الممتلكات والحسابات لحين الفصل، وقطعة الأرض الصغيرة اتثبتت باسمي بالكامل. محمود اتجنن. اتصل بيا عشرات المرات، وبعت وسايط، وبعدين بدأ يهدد.
“هطلعك من الفيلا.”
رديت: “الفيلا هتتراجع ملكيتها.”
“هخلي الولاد يكرهوكي.”
قلت: “إنت بدأت تخسرهم من غير مساعدتي.”
وفعلًا، ياسين ابتعد عنه. سلمى بطلت تكلمه إلا للضرورة. مش لأني حرضتهم، لكن لأن الحقيقة لما بتظهر، بتاخد مكانها لوحدها.
أما نسرين، فبعد ما عرفت إن الدنيا مش أموال سهلة وفيلا جاهزة، بدأت مشاكلها معاه. وصلتني أخبار إنها بتضغط عليه يكتب لها شقة، وهو مش قادر بسبب القضايا. سبحان الله. اللي دخلت على خراب بيت غيرها، اكتشفت إن الخراب مش بيتسكن بسهولة.
بعد سنة كاملة، وقفت قدام قطعة الأرض اللي أبويا سابهالي. كانت فاضية، عليها شوية حشائش، لكن بالنسبة لي كانت قصر. مصطفى وقف جنبي وقال: “هتعملي فيها إيه؟”
بصيت للمكان وقلت: “هعمل مشروع صغير. حاجة باسمي. مش باسم جوزي، ولا ابني، ولا أي راجل. باسمي أنا.”
عملت دار مناسبات بسيطة ومركز صغير لتعليم البنات الحرف اليدوية. ناس كتير استغربت. قالوا: “بعد الملايين تعملي مشروع صغير؟”
بس هما ماكانوش فاهمين. المشروع ماكانش علشان الفلوس بس. كان علشان أرجع أصدق إن إيدي تعرف تبني من غير إذن محمود.
في يوم الافتتاح، ياسين وسلمى كانوا واقفين جنبي. سلمى حضنتني وقالت: “أنا فخورة بيكي يا ماما.”
الجملة دي عوضتني عن سنين.
محمود ماجاش طبعًا. لكنه بعت رسالة: “لسه في فرصة نلم الموضوع.”
بصيت للرسالة ومسحتها.
لأول مرة، ماحسيتش بحاجة.
لا وجع. لا غضب. لا حنين.
بس هدوء.
بعدها بشهور، الحكم النهائي رجعلي جزء كبير من حقي، وأثبت حقي في عوائد بعض التصرفات، وفضلت قضايا تانية ماشية. ماخدتش كل حاجة، ومش هكذب وأقول إن العدل رجع كامل. لكني رجعت أنا. وده كان أكبر من أي حكم.
في آخر مرة شفت محمود، كان واقف قدام المحكمة، شعره شاب، ووشه مطفي. قال لي: “إنتي اتغيرتي.”
قلت له: “لا. أنا رجعت.”
سألني: “يعني خلاص؟”
بصيت له طويلًا. شفت الراجل اللي حبيته، والراجل اللي استغلني، والراجل اللي حاول يكسرني، وكلهم في وش واحد. قلت: “خلاص يا محمود. الباب اللي قلتلي يفوت جمل… أنا خرجت منه. بس الفرق إني خرجت واقفة على رجلي.”
مشيت وسايباه ورايا.
يمكن خسرت أرض وبيت وسنين، لكني كسبت الحقيقة. كسبت بنتي وهي بتتعلم إن السكوت مش فضيلة لما يكون على الظلم. كسبت ابني وهو بيشوف إن الرجولة مش صوت عالي ولا شرع يتقال نصه ويتنسي نصه. وكسبت نفسي، بعد ما كنت فاكرة إنها ماتت من زمان.
والنهارده، وأنا بكتب حكايتي، مش بكتبها علشان أقول للستات ما تثقوش في أزواجكم. لا. في رجالة أمان بجد. لكن بكتبها علشان أقول: الثقة ما تلغيش الوعي، والحب ما يمنعش الورق، والعشرة ما تديش حد حق يمسحك من حياتك.
وأي راجل يقولك “الشرع محلل” وهو ظالمك، اسأليه عن العدل قبل العدد، وعن الأمانة قبل الرخصة، وعن حقك قبل طاعته.
لأن الدين اللي بيحلل له، هو نفسه اللي هيحاسبه.
وأنا؟ أنا أميرة بنت الحاج عبد الرحمن. كنت فاكرة إن اسمي مجرد اسم قديم في بطاقة. لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إن أبويا سماني صح.
أنا أميرة.
حتى لو اتأخرت سنين علشان أفتكر.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *