الم الفراق حكايات اسما ×5
بعد تلك الليلة التي وجدت فيها ياسمين الحذاءين الصغيرين داخل العلبة القديمة، لم تنم.
ظلت جالسة على الشرفة حتى طلوع الشمس.
تقلب الحذاءين بين يديها.
وتتذكر.
تتذكر الفتاة التي كانت في الخامسة والعشرين.
الفتاة التي خرجت من شقة آدم وهي حامل وخائفة ومكسورة.
ثم نظرت إلى نفسها الآن.
امرأة في الثالثة والثلاثين.
أقوى.
أهدأ.
وأقل اندفاعًا.
وفهمت شيئًا مهمًا.
هي لم تعد تهرب منه.
بل كانت تهرب من الماضي.
وهناك فرق كبير.
في الأيام التالية لاحظ عمر تغيرًا بسيطًا.
أمه لم تعد تتوتر عندما يأتي آدم.
ولم تعد تغلق الموضوع كلما ذُكرت السنوات الماضية.
بل أصبحت تتحدث معه.
تضحك أحيانًا.
وتختلف معه أحيانًا.
مثل شخصين يحاولان التعرف على بعضهما من جديد.
وفي إحدى الأمسيات كانوا يجلسون على الشاطئ.
وكان عمر يجمع الأصداف بالقرب منهم.
فقال آدم فجأة:
“لو رجع الزمن ألف مرة… كنت هختارك كل مرة.”
أخفضت ياسمين عينيها.
ثم قالت بهدوء:
“بس الزمن مرجعش.”
هز رأسه.
“عارف.”
ثم أضاف:
“عشان كده بحاول أصلح اللي أقدر عليه.”
سكتت.
ولأول مرة لم تجد ردًا.
مرت ثلاثة أشهر أخرى.
وفي يوم الجمعة كانت المدرسة تقيم احتفالًا عائليًا.
وكان على كل طفل أن يصعد مع والديه إلى المسرح.
وقفت ياسمين بجوار عمر.
ووقف آدم في الجهة الأخرى.
وكان عمر سعيدًا بشكل لا يوصف.
لكن قبل صعودهم للمسرح أمسك أيديهما معًا.
وقال:
“ممنوع تسيبوها.”
ضحك الاثنان.
لكن عمر لم يكن يمزح.
شد على أيديهما بقوة.
وصعد بهما إلى المسرح.
وسط تصفيق الحضور.
وفي تلك اللحظة فقط شعرت ياسمين بشيء دافئ داخل قلبها.
شعور افتقدته طويلًا.
شعور الانتماء.
بعد الحفل بأسبوع.
كانت ياسمين في مكتبها عندما دخلت مريم.
ألقت حقيبتها على الكرسي.
وقالت مباشرة:
“هسألك سؤال.”
تنهدت ياسمين.
“قولي.”
ابتسمت مريم.
“لسه بتحبيه؟”
تجمدت ياسمين.
ولم تتكلم.
فقالت مريم:
“سكوتك ده إجابة.”
حاولت الإنكار.
لكن صديقتها قاطعتها.
“بصيلي.”
رفعت رأسها.
فابتسمت مريم بحنان.
“أنا أعرفك من وإنتي عندك سبعتاشر سنة.”
وسكتت لحظة.
“إنتي مسامحتيه من زمان.”
نزلت دمعة من عين ياسمين.
لأنها كانت تعرف أن جزءًا من الكلام صحيح.
أما آدم فكان يحارب معركة مختلفة.
مع نفسه.
كان يريد أن يطلب منها الزواج كل يوم.
لكنه كان يخاف.
لأن طلبًا كهذا لا يحق له بسهولة.
ليس بعد ما حدث.
لذلك انتظر.
شهرًا.
ثم شهرين.
ثم ستة أشهر كاملة.
حتى جاء عيد ميلاد عمر التاسع.
أقاموا حفلة كبيرة على الشاطئ.
حضر الأصدقاء.
والأقارب.
ومريم.
وحتى بعض أفراد عائلة المنصوري الذين تغيروا كثيرًا بعد ظهور الحقيقة.
وكان عمر يركض بين الجميع بسعادة.
وفجأة أمسك الميكروفون.
وقال:
“عندي إعلان مهم.”
ضحك الحضور.
أما ياسمين فقالت:
“يا نهار أبيض.”
لأنها تعرف ابنها جيدًا.
وأي جملة تبدأ بـ”عندي إعلان مهم” تعني مصيبة غالبًا.
رفع عمر إصبعه.
وقال:
“أنا تعبت.”
ضحك الجميع.
وسأله آدم:
“تعبت من إيه؟”
رد عمر:
“من إن بابا وماما بقالهم سنة بيتصرفوا كأنهم متجوزين وهما مش متجوزين.”
انفجرت القاعة بالضحك.
أما ياسمين فتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها.
وأما آدم فغطى وجهه بيده.
لكن عمر لم ينتهِ بعد.
قال:
“عشان كده أنا عندي حل.”
ثم نزل من فوق المنصة.
وركض نحو آدم.
وأخرج من جيبه علبة صغيرة.
فتجمد الجميع.
حتى آدم نفسه.
“دي إيه؟”
ابتسم عمر.
“الخاتم اللي كنت مخبيه في درج مكتبك.”
شهقت ياسمين.
أما آدم ففتح فمه من الصدمة.
ثم قال:
“إنت فتشت مكتبي؟”
رد عمر بفخر:
“آه.”
انفجر الحضور بالضحك.
وقف آدم ببطء.
والعلبة بين يديه.
وكانت عيناه لا تفارقان ياسمين.
ثم اقترب منها.
وسط صمت المكان كله.
وقال:
“كنت ناوي أعمل ده بطريقة أذكى.”
ضحك الجميع.
أما ياسمين فبدأت دموعها تنزل.
وأكمل:
“بس واضح إن ابني عنده خطط تانية.”
ثم فتح العلبة.
وظهر خاتم بسيط وأنيق.
كان يشبهها.
هادئًا.
وجميلًا.
وحقيقيًا.
مثلها تمامًا.
ركع أمامها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة ارتجف صوته.
“أنا ضيعت سنين كان المفروض أعيشها جنبك.”
دموعها ازدادت.
“وخذلتك في وقت كنتِ محتاجة لي فيه.”
اقترب أكثر.
“ومفيش يوم بيعدي من غير ما أندم.”
ثم نظر إلى عمر.
الذي كان يراقب المشهد وكأنه يشاهد المباراة النهائية لكأس العالم.
فعاد بعينيه إليها.
وقال:
“بس لو ربنا اداني فرصة تانية…”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
“أقسم إني هقضي باقي عمري كله أحاول أستحقها.”
كان الصمت كاملاً.
والبحر خلفهم يلمع تحت أضواء المساء.
والناس كلها تنتظر.
أما عمر فصرخ:
“قولي موافقة بسرعة يا ماما!”
انفجر الجميع بالضحك.
حتى ياسمين نفسها.
ثم نظرت إلى آدم طويلًا.
إلى الرجل الذي كسر قلبها يومًا.
ثم أمضى سنوات يحاول جمع القطع بنفسه.
ونظرت إلى ابنهما.
إلى العائلة التي ولدت من الألم.
لكنها نجت.
وأخيرًا…
ابتسمت.
وقالت:
“موافقة.”
بكى عمر قبل أي شخص آخر.
وركض نحوهما.
وقفز بينهما.
حتى سقط الثلاثة تقريبًا على الرمال وسط الضحك والتصفيق.
وبعد أربعة أشهر…
امتلأت قاعة الزفاف بالورود البيضاء.
وكانت ياسمين ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا.
أما آدم فلم يرفع عينيه عنها طوال الحفل.
وفي اللحظة التي تم فيها عقد القران…
التفت عمر إلى المأذون وسأله بجدية:
“دلوقتي خلاص بقوا متجوزين رسمي؟”
ضحك المأذون.
وقال:
“آه.”
تنفس عمر براحة كبيرة.
ثم قال:
“الحمد لله… أخيرًا.”
وفي تلك الليلة…
بعد انتهاء الحفل.
وبعد مغادرة الجميع.
وقفت ياسمين في شرفة منزلهما الجديد.
تنظر إلى البحر.
فشعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف.
صوت آدم جاء هادئًا:
“عارفة إيه أكتر حاجة ندمت عليها؟”
ابتسمت.
“إيه؟”
قال وهو يقبل رأسها:
“إني ضيعت سنين كنت ممكن أقضيها معاكي.”
ثم نظر إلى عمر النائم على الأريكة بعد أن قاوم النوم حتى آخر لحظة.
وأضاف:
“بس شكلي ربحت العمر كله في الآخر.”
فابتسمت ياسمين.
وأراحت رأسها على كتفه.
بينما كان البحر أمامهم هادئًا…
لأول مرة منذ سنوات طويلة.
ولأول مرة دون خوف.
ودون أسرار.
ودون وداع.
كانت هذه حقًا…
بداية حياتهم السعيدة. ❤️
الفصل التالي: بعد سنة من الزفاف
مر عام كامل.
عام لم يكن مثاليًا.
ولم يكن خاليًا من المشاكل.
لكنه كان حقيقيًا.
وهذا وحده كان كافيًا.
فالحياة التي حلمت بها ياسمين وهي في الخامسة والعشرين لم تكن موجودة أصلًا.
لا توجد حياة بلا خلافات.
ولا زواج بلا عثرات.
ولا حب بلا ندوب.
لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف.
كلما ظهرت مشكلة…
لم يعد أحد يهرب.
في صباح أحد الأيام.
استيقظ آدم على صوت صراخ في المنزل.
قفز من السرير مذعورًا.
وركض إلى الخارج.
ليجد عمر واقفًا في منتصف الصالة.
ذراعاه متشابكتان.
ووجهه مليء بالغضب.
بينما كانت ياسمين تقف أمامه وهي تحاول ألا تضحك.
قال آدم بقلق:
“في إيه؟”
التفت عمر نحوه فورًا.
وقال:
“ماما ظلمتني.”
تنهد آدم.
“إيه اللي حصل؟”
رفع عمر ورقة امتحان.
وقال بغضب:
“جبت 98.”
انتظر آدم بقية الجملة.
لكنها لم تأت.
فقال باستغراب:
“ودي مشكلة؟”
صرخ عمر:
“أكيد مشكلة!”
ثم أشار إلى أمه.
“هي فرحانة!”
ضحكت ياسمين أخيرًا.
أما آدم فجلس على الأريكة.
“طب وإنت زعلان ليه؟”
رد عمر:
“عشان ضاعت درجتين.”
نظر آدم إلى زوجته.
ثم قال:
“أنا شايف إن الولد محتاج أجازة من المذاكرة.”
هزت ياسمين رأسها موافقة.
فصرخ عمر:
“محدش فاهمني في البيت ده.”
وغادر الغرفة بطريقة درامية جعلتهما ينفجران ضحكًا.
بعد الظهر.
كان آدم في مكتبه داخل الشركة.
عندما دخلت عليه سكرتيرته.
وقالت:
“في حد مستني حضرتك.”
رفع رأسه.
“مين؟”
ترددت للحظة.
ثم قالت:
“مدام نادية.”
ساد الصمت.
مرت سنة كاملة منذ آخر مواجهة حقيقية بينهما.
ورغم أن العلاقة أصبحت أفضل.
إلا أن آثار الماضي لم تختفِ بالكامل.
دخلت نادية ببطء.
وبدت أكبر سنًا.
وأهدأ كثيرًا.
جلست أمامه.
ثم قالت:
“أنا جاية أتكلم.”
أغلق الملف الذي أمامه.
“سامعك.”
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
“أنا تعبانة يا آدم.”
ولأول مرة لاحظ ارتعاش صوتها.
“الدكتور اكتشف مشكلة في القلب.”
شعر بشيء ينقبض داخله.
رغم كل شيء.
كانت عمته.
الشخص الذي رباه بعد وفاة والدته.
والشخص الذي أخطأ كثيرًا.
لكنه كان جزءًا من حياته.
قال بهدوء:
“خير إن شاء الله.”
نظرت إليه.
ثم قالت:
“أنا عايزة أطلب حاجة.”
“إيه؟”
دمعت عيناها.
“قبل ما أموت… عايزة ياسمين تسامحني.”
في المساء.
جلست نادية أمام ياسمين للمرة الأولى منذ أشهر.
في منزل آدم وياسمين.
بين الصور العائلية.
وألعاب عمر المنتشرة في كل مكان.
وبقايا حياة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستكون جزءًا منها.
قالت نادية بصوت مرتجف:
“أنا كنت شايفة نفسي بحمي العيلة.”
سكتت.
ثم أكملت:
“بس الحقيقة إني كنت بدمرها.”
لم ترد ياسمين.
فواصلت المرأة كلامها.
“أنا خسرت أخويا زمان.”
دمعت عيناها.
“ولما آدم كبر بقيت بخاف عليه بشكل مرضي.”
ثم ابتسمت بحزن.
“خوفت عليه منك… وأنا المفروض كنت أخاف عليكي معاه.”
ساد الصمت.
طويلًا.
حتى قالت ياسمين أخيرًا:
“أنا سامحتك من زمان.”
شهقت نادية.
أما ياسمين فأكملت:
“عشان لو فضلت شايلة الغضب ده كنت هعيش سجينة له طول عمري.”
وبكت نادية لأول مرة أمامها.
بكاءً حقيقيًا.
بكاء شخص فهم متأخرًا ثمن أخطائه.
وفي تلك الليلة.
عاد الهدوء إلى المنزل.
وكان عمر نائمًا.
فجلس آدم بجوار ياسمين في الشرفة.
كما اعتادا دائمًا.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“شكراً.”
ابتسمت.
“على إيه؟”
“إنك سامحتي الكل.”
ضحكت بخفة.
“مش الكل.”
رفع حاجبه.
“مين يعني؟”
نظرت إليه بمكر.
ثم قالت:
“لسه عندي شوية حسابات معاك.”
انفجر ضاحكًا.
وجذبها نحوه.
فقالت:
“بقولك إيه…”
“إيه؟”
ابتسمت ابتسامة غامضة.
ثم وضعت يده على بطنها.
تجمد.
لم يفهم.
في البداية.
ثم فهم.
وفجأة توقف الزمن.
نظر إلى بطنها.
ثم إليها.
ثم عاد ينظر إليها.
وعيناه اتسعتا بصدمة كاملة.
همس:
“ياسمين…”
ابتسمت والدموع تلمع في عينيها.
وأومأت برأسها.
“آه.”
ارتجفت شفتاه.
“بجد؟”
ضحكت وسط دموعها.
“بجد.”
جلس مكانه كأنه فقد القدرة على الوقوف.
ثم أخفى وجهه بين كفيه.
وبكى.
هذه المرة لم يكن ندمًا.
ولا حسرة.
ولا ألمًا.
كانت دموع رجل منحه الله فرصة ثانية…
ثم منحه معجزة أخرى فوقها.
وبينما كانا يحتضنان بعضهما تحت ضوء القمر…
كان داخل الغرفة طفل صغير نائم لا يعلم بعد…
أنه بعد عدة أشهر…
سيصبح أخًا أكبر. ❤️
تمت
