سفره ملوكي حكـايـات أسمـا ×2
قبل ما أوصل لباب الشقة لاحظت إن الباب مفتوح.
مش موارب.
مفتوح على آخره.
وقفت مكاني ثواني.
أنا متأكدة إني قفلته الصبح.
دخلت بحذر.
أول حاجة شفتها كانت شنطتي مرمية على الأرض.
وبعدين لمحت باب أوضة النوم مفتوح.
ولما دخلت جوا حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
الدولاب كله متبهدل.
الأدراج مفتوحة.
الهدوم متكركبة.
وصندوق المجوهرات اللي بابا جابهولي يوم فرحي مرمي على السرير.
جريت عليه بسرعة.
فتحته.
لقيته فاضي.
فاضي تمامًا.
في اللحظة دي سمعت صوت ضحك جاي من الصالة.
خرجت بسرعة.
لقيت الحاجة نادية قاعدة بكل أريحية.
وريهام جنبها.
وأحمد واقف بيشرب شاي.
كأنهم أصحاب البيت الحقيقيين.
أول ما شافوا وشي سكتوا.
قلت وأنا ببص للصندوق الفاضي:
“ده إيه؟”
أحمد رد ببرود:
“إيه اللي إيه؟”
رفعت الصندوق قدامه.
“ده.”
بصله ثانيتين.
وبعدين قال:
“آه… ماما خدت الدهب.”
افتكرت إني سمعت غلط.
قلت:
“خدت إيه؟”
قال:
“الدهب.”
الحاجة نادية شربت رشفة شاي وقالت:
“ما هو دهب ابننا برضه.”
بصيتلها مصدومة.
قالت:
“إنتي عاملة الأزمة دي كلها على شوية مصاغ؟”
ريهام ضحكت وقالت:
“ده حتى نصه متجاب من فلوس أحمد.”
ساعتها حسيت إن حاجة جوايا انكسرت نهائي.
مش بسبب الدهب.
ولا بسبب الفلوس.
لكن بسبب كمية الاستحقاق اللي عندهم.
كمية الإيمان إن كل حاجة أملكها حق مكتسب ليهم.
قعدت على الكرسي بهدوء.
وده كان أغرب رد فعل بالنسبة لهم.
أحمد قال:
“مالك ساكتة؟”
ابتسمت.
وقلت:
“معاكم فاتورة بكل حاجة؟”
اتلخبط.
“يعني إيه؟”
قلت:
“يعني عندكم إثبات إن الدهب بتاعكم؟”
سكت.
الحاجة نادية قالت:
“إحنا عيلة واحدة.”
هززت راسي.
وقلت:
“تمام.”
وبعدها طلعت موبايلي.
وفتحت تطبيق الكاميرات.
الهدوء اختفى من وشوشهم فجأة.
لأن البيت كله كان فيه كاميرات.
حاجة أنا مركباها من سنة بعد ما البيت اتسرق مرة.
وأنا الوحيدة اللي عندها صلاحية الدخول عليها.
فتحت التسجيل.
ورجعت لوقت الظهر.
وبدأت أشغل الفيديو.
فيه الحاجة نادية داخلة أوضة نومي.
وراها ريهام.
بعدها بعشر دقايق خرجوا بالصندوق.
الصمت نزل على المكان.
ريهام وشها اصفر.
أحمد قال بسرعة:
“إحنا أهل.”
قلت:
“وأهل بيكسروا الدولاب ويفتشوا في حاجات الناس؟”
محدش رد.
قمت بهدوء.
وخدت شنطتي.
وقلت:
“خلاص.”
أحمد استغرب.
“خلاص إيه؟”
قلت:
“بكرا تعرف.”
ونمت الليلة دي في أوضة مريم.
لكن قبل ما أنام عملت حاجة واحدة بس.
بعت الفيديو للمحامي بتاعي.
محامي الشركة.
واحد من أشطر المحامين في القاهرة.
وفي أقل من ساعة كل التسجيلات كانت عنده.
تاني يوم الساعة عشرة الصبح كنت قاعدة في مكتبه.
حكيتله كل حاجة.
من أول التحويلات الشهرية.
لحد الدهب.
لحد اللي حصل مع مريم.
الرجل فضل ساكت لحد ما خلصت.
وبعدين قال جملة واحدة.
“إنتي عارفة إن الشقة دي باسم مين؟”
قلت:
“أنا وأحمد.”
ابتسم.
وقال:
“راجعي العقد كويس.”
طلع نسخة إلكترونية من الملفات.
وقعد يقلب فيها.
وبعدين لف الشاشة ناحيتي.
بصيت.
واتجمدت.
لأن الحقيقة اللي اكتشفتها كانت صادمة.
الشقة كلها.
مش نصها.
كلها.
باسمي أنا.
أنا فقط.
أحمد كان ضامن في القرض القديم قبل ما يتقفل.
لكن الملكية النهائية اتحولت باسمي بالكامل بعد السداد.
وأنا أساسًا اللي سددت كل الأقساط.
رفعت عيني للمحامي.
قلت:
“يعني إيه؟”
قال:
“يعني قانونًا… كل الموجودين في البيت ضيوف عندك.”
ولأول مرة من أيام طويلة جدًا…
ابتسمت من قلبي.
لأن اللعبة بدأت تتغير.
ولأن أحمد وأمه وأخته كانوا لسه فاكرين إنهم بيتعاملوا مع نفس شهيرة القديمة.
وماكانوش يعرفوا إن شهيرة الجديدة كانت بتحضر لهم مفاجأة أكبر بكتير من إلغاء بطاقة أو وقف تحويل.
مفاجأة هتخليهم يفتكروا اليوم اللي خلوا فيه طفلة عندها 3 سنين تاكل عيش ناشف في البلكونة… طول عمرهم.
يتبع…خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن الأرض ثابتة تحت رجلي.
طول عمري كنت بشتغل وأجري وأصرف وأحل المشاكل وأقول لنفسي إن التعب هيقابله تقدير.
لكن الحقيقة إن الناس لما بتتعود تاخد منك كل حاجة ببلاش بتنسى إنك صاحب الفضل أصلًا.
ركبت عربيتي وروحت الشركة.
اشتغلت يومي عادي جدًا.
حضرت اجتماعين.
راجعت حملة إعلانية.
وقعت عقود جديدة.
وكنت كل شوية أبص لصورة مريم على الموبايل.
وأفتكر وشها وهي قاعدة لوحدها في البلكونة.
كل مرة أفتكر المشهد ده كنت أخد قرار جديد.
وأشيل فرصة جديدة من إيديهم.
الساعة أربعة العصر اتصلت بمكتب محاسبة متخصص.
طلبت كشف كامل بكل التحويلات اللي خرجت من حساباتي خلال آخر سنتين.
الراجل بعتلي التقرير بعد يومين.
ولما قعدت أراجعه حسيت إني بقرأ رواية خيال علمي.
أكتر من مليون ومتين ألف جنيه خرجوا لعيلة أحمد بشكل مباشر.
شبكة ريهام.
مصاريف فرح ريهام.
علاج حمايا.
رحلات مصيف.
أقساط عربية أحمد.
أجهزة كهربائية لشقة أخت أحمد.
ومبالغ نقدية متفرقة تحت بند “ظروف طارئة”.
ضحكت وأنا بقلب الصفحات.
لأن كل الظروف الطارئة دي كانت بتحصل لهم هما بس.
أما أنا فكنت لما أتعب أو أمرض أو أحتاج مساعدة أسمع نفس الجملة.
“إنتي قوية وهتعرفي تتصرفي.”
في نفس الليلة رجعت البيت.
أول ما دخلت لقيت الجو متوتر.
الحاجة نادية قاعدة مكشرة.
ريهام ساكتة.
وأحمد بيلف في الصالة.
أول ما شافني قال:
“إحنا محتاجين نتكلم.”
حطيت شنطتي وقعدت.
قلت:
“اتفضل.”
قال:
“إنتي مكبرة الموضوع أوي.”
ابتسمت.
“أنهي موضوع؟”
“موضوع مريم.”
سكت ثواني.
وبعدين كمل:
“أمي عمرها ما كانت تقصد.”
بصيتله.
“بنتي أكلت إيه يومها؟”
سكت.
“جاوب.”
بص ناحية أمه.
وأمه بصت ناحية الأرض.
عرفت إنه عارف.
كان عارف كل حاجة.
وعارف إن بنته اتسابت جعانة.
لكنه اختار يسكت.
وده كان أسوأ من أي حاجة تانية.
قلت:
“أحمد… أنا مش زعلانة من أمك.”
رفع حاجبه باستغراب.
قلت:
“أنا زعلانة منك.”
سكت.
وأول مرة شفته مش لاقي كلام يقوله.
كملت:
“أمك مش مسؤولة عن بنتي.”
“إيه؟”
“أيوة. أمك مش مسؤولة عنها.”
“أمال مين؟”
بصيتله في عينه.
“أبوها.”
ساعتها لف وشه.
لأنه ماكانش عنده رد.
وفي اليوم اللي بعده بدأت المرحلة التانية.
قدمت طلب نقل مريم لحضانة خاصة قريبة جدًا من شركتي.
حضانة فيها كاميرات مباشرة.
وأخصائية أطفال.
وبرنامج تغذية كامل.
وألغيت تمامًا فكرة إن حد من عيلته يقعد معاها.
الحاجة نادية عملت أزمة.
صوتها كان مسموع في العمارة كلها.
“يعني إنتي شايفانا مش قد المسؤولية؟”
بصيتلها بهدوء.
وقلت:
“لا.”
اتنهدت براحة.
لكن كملت كلامي.
“أنا متأكدة من كده.”
وشها احمر.
وأحمد دخل بينا بسرعة قبل ما الخناقة تكبر.
لكن الحقيقة إن الضرر كان حصل.
لأن الحاجة نادية لأول مرة فهمت إن مصدر الفلوس اللي كانت عايشة عليه بدأ يبعد.
وبدأت تظهر شخصيتها الحقيقية أكتر.
بقت تتعمد تتجاهلني.
وتتكلم عليا قدام الجيران.
وتقول إني اتغيرت بعد ما الفلوس زادت.
وأنا كنت بسيبها تتكلم.
لأن اللي كنت بحضره أهم بكتير.
بعد أسبوع كامل.
رجعت البيت بدري شوية.
ولقيت ظرف أبيض كبير فوق مكتبي.
من غير اسم.
من غير عنوان.
فتحت الظرف.
وكانت الصدمة.
صور.
كتير جدًا.
صور لأحمد.
لكن مش لوحده.
مع واحدة ست.
في مطعم.
في عربية.
على البحر.
في كافيه.
صور من شهور طويلة.
يمكن سنة كاملة.
إيدي بدأت ترتعش.
وبدأت أقلب الصور واحدة واحدة.
وفي آخر ظرف لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط نسائي:
“أنا ما أعرفكيش شخصيًا… لكن حسيت إن من حقك تعرفي الحقيقة. الراجل اللي إنتي بتصرفي عليه ومتعلقة بيه بقاله سنة كاملة بيقول للناس إنه منفصل عنك وبيجهز للجواز.”
فضلت باصة للورقة وقت طويل.
الغريب إني ماعيطتش.
ولا صرخت.
ولا حتى اتفاجئت أوي.
كأن كل اللي حصل قبل كده كان بيجهزني للحقيقة دي.
رفعت صورة من الصور.
وبصيت لوش أحمد وهو بيضحك مع الست التانية.
نفس الضحكة اللي اختفت من سنين لما كان بيبصلي أنا.
وقتها بس فهمت.
إن قصة العيش الناشف ما كانتش بداية المشكلة.
كانت مجرد اللحظة اللي كشفت كل حاجة مستخبية تحت السطح.
وأدركت إن اللي جاي مش هيكون مجرد خلاف عائلي.
اللي جاي هيكون نهاية زواج كامل.
لكن النهاية دي…
هتكون بالشروط بتاعتي أنا.
يتبع…
