سبوع ابن صديقتي حكـايـات أسمـا ×5
الفصل الثاني عشر
صوت الطرق على الباب هز الفيلا كلها.
آدم كان بيعيط.
وياسمين واقفة مكانها ووشها فقد لونه بالكامل.
أما أنا فكنت بحاول أستوعب اللي بيحصل.
من ساعات قليلة كنت في حفل سبوع فاخر.
دلوقتي واقفة في فيلا معزولة.
مطاردة من ناس مجهولين.
وبحاول أفهم مؤامرة امتدت لسنين.
الطرق تكرر مرة تالتة.
أعنف من قبل.
وبعدين سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الناحية الخلفية.
ياسمين جريت ناحية الطفل وشالته بسرعة.
وقالت:
“لازم نمشي.”
سألتها:
“منين؟”
قالت:
“في مخرج خلفي.”
وفي اللحظة دي تحديدًا ظهر رجل من آخر الممر.
اتجمدت مكاني.
لأنني لم أسمع أي باب يفتح.
ولا أي خطوات.
الرجل كان في أواخر الستينات.
شعره أبيض بالكامل.
بدلة رمادية أنيقة.
وعصا سوداء في يده.
وكان هادئًا بشكل مرعب.
هادئ لدرجة خلت قلبي يدق أسرع.
ياسمين شحب وجهها أكثر.
وهمست:
“مستحيل…”
الرجل ابتسم.
وقال:
“واضح إنكم اتأخرتوا.”
عرفته فورًا.
رغم أنني رأيته مرات قليلة جدًا.
فؤاد السيوفي.
أحد أكبر المستثمرين في البلد.
والرجل الذي كان الجميع يصفه بأنه صديق قديم للعائلة.
لكن نظرة ياسمين أكدت أن الموضوع أكبر من ذلك بكثير.
قال بهدوء:
“سيبوا الطفل.”
ضمت ياسمين آدم لصدرها أكثر.
وقالـت:
“مستحيل.”
ابتسم.
وقال:
“إذن مازال عندك نفس العناد.”
ثم التفت ناحيتي.
ولأول مرة شعرت أن الرجل ينظر خلالي.
ليس إليّ.
بل خلالي.
وقال:
“أنتِ علياء.”
لم يكن سؤالًا.
بل حقيقة.
أومأت دون كلام.
فابتسم.
“أخيرًا التقينا.”
في الخارج كان صوت الرجال يقترب.
لكن الغريب أن فؤاد لم يكن خائفًا.
بل بدا وكأنه صاحب المكان.
وصاحب الموقف.
وصاحب اللعبة كلها.
قال:
“الحقيقة التي تبحثين عنها ليست عند ياسمين.”
“ولا عند شريف.”
“ولا عند عمرو.”
ثم أشار بعصاه ناحية نفسه.
وقال:
“عندي أنا.”
الصمت ملأ المكان.
وأنا بدأت أشعر أن كل ما عرفته حتى الآن ربما كان مجرد طبقة صغيرة فوق طبقات أكبر.
قال فؤاد:
“قبل ثلاثين سنة بدأت قصة لن يفهمها أحد إذا سمع نصفها فقط.”
ثم نظر إلى آدم.
وأضاف:
“والولد ده هو آخر فصل فيها.”
في تلك اللحظة دخل أحد الرجال من الممر الخلفي.
اقترب من فؤاد.
وهمس في أذنه بشيء.
فأومأ الرجل العجوز بهدوء.
ثم عاد ينظر إلينا.
وقال:
“فيه شخص جاي.”
سألت:
“مين؟”
ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال:
“عمرو.”
الفصل الثالث عشر
بعد أقل من عشر دقائق سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام الفيلا.
ثم خطوات سريعة.
ثم الباب الرئيسي يُفتح بعنف.
ودخل عمرو.
كان أول مرة أشوفه بالشكل ده.
مرهق.
غاضب.
ومرتبك.
وكأنه جري وراء الحقيقة طول الليل.
أول ما شافني اتجه ناحيتي فورًا.
“علياء!”
لكن عينيه توقفت فجأة عند فؤاد.
وتجمد مكانه.
الصمت نزل على المكان كله.
قال عمرو بصوت منخفض:
“حضرتك…”
فؤاد ابتسم.
“كبرت.”
الجملة كانت غريبة.
غريبة جدًا.
لأنها لم تكن جملة شخص يعرف رجل أعمال أصغر منه.
كانت أقرب لجملة شخص يعرف طفلًا رآه يكبر.
لاحظت أن عمرو نفسه فهم ذلك.
لأن ملامحه تغيرت.
وقال:
“إحنا نعرف بعض؟”
رد فؤاد:
“أكتر مما تتخيل.”
ثم جلس بهدوء.
ووضع العصا بجواره.
وقال:
“أظن إن الوقت جه.”
نظر الجميع إليه.
حتى آدم توقف عن البكاء تقريبًا.
وكأن اللحظة نفسها فرضت الصمت.
قال فؤاد:
“الحقيقة إن كل الناس اللي في القصة دي كانوا بيلعبوا.”
“لكن محدش كان شايف اللوحة كاملة.”
ثم أخرج ظرفًا قديمًا من حقيبته الجلدية.
وضعه على الطاولة.
وقال:
“دا السبب.”
الظرف بدا قديمًا جدًا.
مختومًا بالشمع.
عليه تاريخ يعود لأكثر من ثلاثين سنة.
قال:
“دي وصية.”
عمرو عقد حاجبيه.
“وصية مين؟”
رد فؤاد:
“وصية محمود السيوفي.”
الاسم أعاد التوتر للمكان كله.
فؤاد أكمل:
“الرجل اللي مات وهو فاكر إن سره هيدفن معاه.”
ثم نظر مباشرة إلى عمرو.
وقال:
“لكنه ما اتدفنش.”
سكت ثواني.
ثم أضاف:
“لأنك أنت السر نفسه.”
رأيت الدم ينسحب من وجه عمرو.
وقال بصوت شبه مبحوح:
“يعني إيه؟”
فؤاد فتح الظرف ببطء.
وأخرج مستندات صفراء.
وصورًا قديمة.
ثم قال:
“لأن محمود السيوفي لم يكن والدك فقط.”
“كان عنده ولد تاني.”
اتسعت أعين الجميع.
حتى ياسمين.
حتى أنا.
حتى الرجل الواقف خلف فؤاد بدا مصدومًا.
أما عمرو فبقي ثابتًا مكانه.
كأنه لا يفهم.
أو لا يريد أن يفهم.
وقال:
“ولد تاني؟”
فؤاد أومأ.
ثم رفع صورة قديمة.
ووضعها على الطاولة.
وفي الصورة ظهر طفلان صغيران.
متشابهان بشكل يكاد يكون مستحيلًا.
أحدهما عمرو.
أما الآخر…
فكان شخصًا أعرفه جيدًا جدًا.
شريف.
وفي اللحظة نفسها فهمت لماذا كان التشابه بينهما مخيفًا.
ولماذا حاولت العائلة إخفاء شريف.
ولماذا كان وجود آدم خطرًا.
لأن شريف وعمرو لم يكونا أبناء عمومة كما قيل لنا طوال السنين.
بل كانا شقيقين.
أشقاء كاملين.
والسر الذي بُنيت عليه إمبراطورية المنصوري كلها…
كان على وشك الانفجار أمام الجميع.
نهاية الفصل الثالث عشر
الفصل الرابع عشر
الصدمة خيمت على المكان بالكامل.
عمرو كان واقفًا كأنه فقد القدرة على الحركة.
شريف الذي وصل بعد دقائق إلى الفيلا وقف أمام الصورة القديمة غير قادر على الكلام.
أما أنا فكنت أشاهد كل شيء وكأنني أتابع حياة أشخاص آخرين.
فؤاد السيوفي وضع الصورة على الطاولة وقال بهدوء:
“الحقيقة اتدفنت سنين طويلة.”
ثم نظر إلى عمرو وشريف.
“أنتم مش أبناء عمومة.”
“أنتم إخوات.”
شريف جلس على أقرب مقعد.
أما عمرو فبقي واقفًا.
عيناه تتحركان بين الصورة وبين فؤاد.
وأخيرًا قال:
“ليه؟”
سؤال واحد فقط.
لكن وراءه عمر كامل من الأكاذيب.
أجاب فؤاد:
“لأن محمود السيوفي كان على علاقة بفوزية قبل زواجها.”
“ولما حملت…”
“اختارت تحافظ على اسم المنصوري.”
“وتدفن الحقيقة.”
ثم أشار إلى الوصية.
“لكن محمود كتب كل حاجة.”
“وخاف المستندات تضيع.”
“فسابها عندي.”
سألته:
“وليه ظهرت دلوقتي؟”
ابتسم بحزن.
وقال:
“لأن الوقت خلص.”
ثم فتح ملفًا آخر.
وفيه كل الأدلة.
الاختلاسات.
الشركات الوهمية.
العقارات المسروقة.
الحسابات السرية.
الأسماء.
التواريخ.
كل شيء.
ولأول مرة لم يعد هناك مجال للإنكار.
وفي نفس الليلة وصلت نسخ من الملفات إلى الجهات المختصة.
ووصلت نسخ أخرى إلى أعضاء مجلس الإدارة.
ووصلت نسخ ثالثة إلى المحامين.
الإمبراطورية التي بدت صلبة لعقود بدأت تتشقق خلال ساعات.
أما الحاجة فوزية…
فحين واجهتها الأدلة حاولت الإنكار.
ثم الصراخ.
ثم الاتهام.
ثم البكاء.
لكن لم يعد أحد يصدقها.
حتى عمرو نفسه.
لأول مرة وقف أمام أمه دون أن يدافع عنها.
ولأول مرة رأى الحقيقة كما هي.
ليس كابن.
بل كرجل خُدع عمره كله.
الفصل الأخير
مرّت سبعة أشهر.
سبعة أشهر كانت كافية لتغيير كل شيء.
مجموعة المنصوري أعادت هيكلتها بالكامل.
تمت مراجعة كل العقود.
كل الحسابات.
كل الممتلكات.
وتم استرداد أجزاء كبيرة من الأموال.
أما دينا…
فقد اعترفت بكل شيء.
اعترفت بأنها دخلت اللعبة بدافع الغيرة.
ثم استمرت فيها بدافع الطمع.
وحين أدركت حجم الكارثة كان الوقت قد فات.
لم أكرهها.
لكنني لم أستطع أن أسامحها أيضًا.
بعض الجروح لا تلتئم بالكلمات.
فقط نتعلم كيف نعيش معها.
أما ياسمين…
فبعد سنوات من الخوف أخيرًا أصبحت حرة.
لم تعد مضطرة للكذب.
ولا للاختباء.
ولا للتظاهر.
وآدم كبر وسط أمه وأبيه الحقيقي.
شريف.
الرجل الذي حارب سنوات ليحصل على حقه.
أما عمرو…
فكان أصعبهم جميعًا.
لأنه خسر أكثر مما ربح.
خسر صورته عن نفسه.
وخسر ثقته بأمه.
وخسر الوهم الذي عاش فيه سنوات.
لكنه أخيرًا عرف الحقيقة.
وفي يوم هادئ من أيام الشتاء وقف أمامي في الحديقة.
بعد شهور طويلة من الصمت.
وقال:
“أنا عارف إني ظلمتك.”
لم أرد.
فأكمل:
“وعارف إن الاعتذار متأخر.”
“وعارف إن بعض الحاجات ما ينفعش تتصلح.”
كانت أول مرة أراه صادقًا بالكامل.
بدون أقنعة.
بدون تبريرات.
بدون أكاذيب.
نظر إلى الأرض للحظة.
ثم قال:
“لكن فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها.”
رفعت عيني إليه.
فقال:
“أنا فعلًا حبيتك.”
سكت المكان كله.
وكانت تلك الجملة في الماضي كفيلة بأن تهز عالمي.
أما الآن…
فلم تعد تغير شيئًا.
ابتسمت بهدوء.
ليس شماتة.
ولا انتقامًا.
بل راحة.
راحة شخص انتهى من حمل ثقيل ظل فوق كتفيه سنوات.
وقلت:
“وأنا كنت بحبك.”
ثم أضفت:
“لكن الحب لوحده عمره ما كان كفاية.”
لم يحاول إيقافي.
ولم يحاول تبرير المزيد.
فقط أومأ برأسه.
لأنه أخيرًا فهم.
استدرت ورحلت.
وفي الطريق إلى سيارتي تذكرت ليلة السبوع.
تذكرت الورود البيضاء.
والقاعة الفاخرة.
والطفل الصغير.
والجملة التي بدأت كل شيء:
“الولد ده هيورث كل حاجة.”
وابتسمت.
لأن الحقيقة في النهاية كانت مختلفة تمامًا.
آدم لم يرث المال فقط.
ولا الشركات.
ولا العقارات.
آدم ورث الحقيقة.
والحقيقة وحدها كانت أثمن من كل الثروات التي قاتل الجميع من أجلها.
أما أنا…
فلم أخرج من الحرب مكسورة.
خرجت منها أقوى.
أكثر حكمة.
وأخيرًا…
حرة.
تمت.