فارس حكـايـات أسمـا ×1
الملياردير فارس المنصور وقف بعربيته في عز المطر عشان يساعد أم فقيرة على الطريق… لكنه ما كانش يعرف إن آثار الحروق اللي على إيديها هتكشف سرًا ممكن يهد إمبراطوريته كلها
كانت الست نايمة تحت عربية قديمة على جانب طريق السويس الصحراوي وقت ما شافها فارس المنصور لأول مرة… لكن العربية نفسها ما كانتش السبب اللي خلاه يدوس فرامل فجأة.
السبب كان إيديها.
كان عدى بالعربية السودا الفاخرة بتاعته حوالي عشرة أمتار لما لمح وسط المطر الغزير حركة غريبة تحت ضوء الكشافات. المطر كان بينزل بعنف والمساحات بالكاد قادرة تشيل المية من على الزجاج الأمامي.
على جانب الطريق كانت عربية زرقا قديمة واقفة والكبوت مفتوح ومتسند على عصاية خشب.
ومن تحت العربية كانت باينة رجلين لست لابسة هدوم شغل مبلولة بالكامل.
أما جوه الكنبة الخلفية فكان فيه طفل صغير حاضن شنطته وبيبص من الشباك بنظرة هادية بشكل يوجع القلب… نظرة طفل اتعلم بدري إن الخوف عمره ما بيحل المشاكل.
المفروض فارس يكمل طريقه.
الناس اللي زيه ما بتقفش على طرق مظلمة وقت العواصف.
الناس اللي زيه عندهم حراسة وسواقين وخدمات خاصة.
لكن اللي خلاه يقف فعلًا كانت إيدي الست.
إيدين مليانة آثار حروق قديمة.
حتى وسط المطر قدر يشوف الجلد المشدود والندوب الممتدة من أطراف الأصابع لحد الرسغين.
ومع ذلك كانت ماسكة مفتاح إنجليزي بثبات خبير محترف.
تفك.
تراجع.
تشد.
وتعيد المحاولة.
من غير أي ارتباك.
ما كانتش بتخمن.
كانت فاهمة هي بتعمل إيه.
فارس ركن عربيته.
وقعد لحظة جوه الصالون الدافئ يبص للمشهد.
برا ست بتحارب عشان تحافظ على حياتها.
وجوه هو قاعد في عربية تمنها يكفي يشتري عشر عربيات زي عربيتها.
نزل من غير مظلة.
وخلال ثواني اتبلت هدومه بالكامل.
مشى لحد العربية وركع جنبها.
وقال بصوت عالي وسط المطر:
“يا مدام… محتاجة مساعدة؟”
المفتاح الإنجليزي وقف فجأة.
ثلاث ثواني كاملة ما اتحركش فيها غير المطر.
بعدها خرجت الست من تحت العربية على قطعة كرتون مبلولة.
كانت في أوائل الثلاثينات.
شعرها الأسود لازق في وشها.
وعيونها مليانة تعب وحذر.
بصت لبدلته.
ثم لعربيته.
ثم رجعت تبص له.
وقالت بهدوء:
“أنا مش محتاجة ونش.”
فارس بص للموتور وقال:
“وأنا ما قلتش ونش.”
ردت بسرعة:
“كنت هتقول ميكانيكي.”
ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه.
“طيب… محتاجة إيه؟”
مسحت المطر من على جبينها بإيدها المحروقة وقالت:
“عشرين دقيقة محدش يسألني إذا كنت فاهمة أنا بعمل إيه.”
في اللحظة دي اتحرك الطفل جوه العربية ورسم بإصبعه دائرة صغيرة على الزجاج.
فارس بص للموتور وقال:
“سير الدينامو؟”
ضيقت عينيها.
مش بإعجاب.
لكن باختبار.
وقالت:
“كان بيفلت من أسبوعين. لمبة البطارية بتنور كل ما أدخل في مية. اشتريت سير مستعمل من التشليح امبارح. لو ظبطت الشد هيكمل شهر كمان.”
فارس اتفاجئ.
هو بقاله أكتر من عشرين سنة في عالم السيارات والصناعة.
وعارف كويس الفرق بين اللي حافظ واللي فاهم.
والست دي كانت فاهمة.
سألها:
“اتعلمتي فين؟”
فردت ببرود:
“في أماكن الناس فيها ما بتسألش السؤال ده باستغراب.”
وقبل ما يرد خرج صوت الطفل من جوه العربية.
“ماما… أنا بردان.”
قفلت عينيها للحظة.
لحظة واحدة بس.
لكن فارس شاف فيها كل حاجة.
الإيجار.
الفواتير.
الشغل.
العربية.
الطفل.
والحياة اللي محتاجة أكتر من قدرة إنسان واحد.
ردت عليه بحنان:
“عارفة يا حبيبي… ماما قربت تخلص.”
رجع فارس لعربيته وجاب المعطف الصوف الغالي بتاعه.
فتح الباب الخلفي للعربية القديمة.
والطفل بصله بعيون واسعة.
مد له المعطف وقال:
“اتغطى بيه.”
الولد ما أخدوش.
بص لأمه الأول.
كأنه بيستأذنها.
خرجت الست من تحت العربية تاني.
ولما شافت المعطف اتغيرت ملامحها.
وقالت:
“قلتلك مش محتاجة مساعدة.”
رد فارس بهدوء:
“ده مش ليكي… ده لابنك.”
فضلت باصة للمعطف ثواني طويلة.
لكن مالك كان بيرتعش من البرد.
وفي الآخر قالت:
“خده يا مالك.”
أخده الطفل بسرعة ولف نفسه جواه.
ثم رفع عينيه وقال بخجل:
“شكرًا يا أستاذ.”
ولأول مرة ابتسم فارس.
لكن ابتسامته اختفت بسرعة.
لأنه لمح آثار الحروق على إيدي بسمة بوضوح أكبر.
الحروق دي ما كانتش حروق مطبخ.
ولا حادث عادي.
دي كانت إصابات صناعية.
إصابات شاف شبهها قبل كده في تقارير داخلية قديمة.
تقارير تخص واحد من مصانع شركة المنصور للصناعات الهندسية.
وفجأة حس إن المطر بقى أبرد.
لأن القصة اللي قدامه كانت أكبر بكتير من عربية معطلة على الطريق.
وكانت بداية سر خطير جدًا…
الفصل الثاني
المطر كان لسه بينزل بعنف.
لكن فارس ما بقاش مركز مع العربية.
ولا مع الطريق.
ولا حتى مع تأخره عن الاجتماع المهم اللي كان رايح له.
كل تركيزه كان على الندوب الموجودة في إيدي الست.
…
لأنه شافها قبل كده.
مش نفس الإيدين.
لكن نفس النوع.
نفس نمط الإصابة.
…
إصابات ناتجة عن انفجار بخار صناعي عالي الضغط.
…
إصابات نادرة.
ومتخصصة.
…
ومن عشر سنين تقريبًا.
كان فيه حادثة مشابهة في مصنع قديم تابع لشركة المنصور.
…
حادثة اتقفلت بسرعة.
…
أسرع من اللازم.
…
وبطريقة دايمًا كانت مضايقاه.
…
بسمة كانت لسه شغالة تحت العربية.
…
أما مالك فكان قاعد جوه العربية متغطي بالمعطف.
وبيتابع كل حاجة بصمت.
…
فارس قال فجأة:
“الحروق دي من مصنع.”
…
الصوت اختفى من المكان.
…
بسمة وقفت الحركة فورًا.
…
ثم خرجت ببطء من تحت العربية.
…
وبصت له.
…
نظرة طويلة.
…
باردة.
…
وحذرة.
…
وقالت:
“مين قال؟”
…
رد بهدوء:
“أنا.”
…
“وشفت إصابات شبهها قبل كده.”
…
ملامحها اتقفلت فورًا.
…
وقالت:
“يبقى شفت ناس كتير.”
…
ورجعت تكمل شغل.
…
لكن فارس كان متأكد.
…
رد الفعل ده أكبر من مجرد استغراب.
…
فيه خوف.
…
وفيه حاجة مستخبية.
…
بعد عشر دقائق.
اشتغل الموتور أخيرًا.
…
بسمة قفلت الكبوت.
…
ومسحت إيديها في قطعة قماش قديمة.
…
ثم قالت:
“خلصنا.”
…
فارس ابتسم.
…
وقال:
“واضح إنك أحسن من نص الميكانيكية اللي أعرفهم.”
…
مالك ضحك من جوه العربية.
…
أما بسمة.
فأول مرة ظهر شبه ابتسامة على وشها.
…
لكنها اختفت بسرعة.
…
ثم مدت يدها بالمعطف.
…
وقالت:
“شكرًا.”
…
فارس هز رأسه.
…
“خليه معاه.”
…
قالت:
“لا.”
…
“الحاجات الغالية دي بتتوه.”
…
رد:
“يبقى هدية.”
…
سكتت ثواني.
…
ثم قالت:
“أنا ما باخدش هدايا.”
…
وفجأة.
تحرك مالك من جوه العربية.
…
وقال:
“ماما.”
…
“إحنا متأخرين.”
…
بسمة بصت للساعة.
…
وشحب وشها.
…
ثم ركبت بسرعة.
…
وأدارت الموتور.
…
لكن قبل ما تمشي.
…
فتح فارس محفظته.
…
وأخرج كارت.
…
ومده لها.
…
“لو العربية وقفت تاني.”
…
“كلميني.”
…
بصت للكارت.
…
ولما قرأت الاسم.
…
تجمدت.
…
حرفيًا.
…
تجمدت.
…
فارس المنصور.
…
الرئيس التنفيذي لمجموعة المنصور الصناعية.
…
الاسم كان معروف لأي حد اشتغل في المصانع.
…
وبالذات لأي حد اشتغل في المصنع القديم.
…
إيديها بدأت ترتعش.
…
وفجأة.
…
مالك قال من الكنبة الخلفية:
“ده اسم الراجل اللي بابا كان بيكرهه.”
…
الدنيا سكتت.
…
فارس رفع رأسه بسرعة.
…
أما بسمة.
…
فشحب وجهها بالكامل.
…
وقالت بعنف:
“مالك!”
…
الطفل اتوتر فورًا.
…
واضح إنه قال حاجة ما كانش المفروض يقولها.
…
لكن الكلمة خرجت.
…
وما ينفعش ترجع.
…
فارس اقترب خطوة.
…
وقال بهدوء:
“باباه كان يعرفني؟”
…
بسمة بصت له.
…
ولأول مرة.
ما كانش في عينيها حذر.
…
كان فيهم غضب.
…
غضب قديم جدًا.
…
وقالت:
“لا.”
…
“كان يعرف عيلتك.”
…
ثم أدارت العربية.
…
وانطلقت وسط المطر.
…
وتركت فارس واقف في الطريق.
…
والكارت ما زال في إيديها.
…
أما هو.
…
فكان واقف مكانه.
…
والجملة بتتكرر في دماغه.
…
“ده اسم الراجل اللي بابا كان بيكرهه.”
…
بعد ساعة واحدة.
…
كان فارس في مكتبه الزجاجي بالدور الأربعين.
…
لكن تركيزه ضاع تمامًا.
…
فتح الكمبيوتر.
…
ودخل على أرشيف الشركة القديم.
…
وبدأ يبحث.
…
مصنع السويس القديم.
…
حادثة البخار.
…
إصابات العمال.
…
تعويضات.
…
تحقيقات.
…
ثم فجأة.
…
ظهر اسم واحد.
…
اسم عامل كان ضمن المصابين.
…
عامل اختفى ملفه بالكامل بعد الحادثة.
…
وكأن حد مسحه عمدًا.
…
الاسم كان:
حسام عبدالرحمن.
…
وتحت الاسم مباشرة.
…
كانت صورة قديمة.
…
صورة رجل يحمل طفلًا صغيرًا.
…
وعلى يساره.
…
كانت تقف امرأة شابة.
…
إيديها ملفوفة بالشاش.
…
لكن ملامحها واضحة جدًا.
…
لأنها كانت بسمة.
…
أما الطفل.
…
فكان مالك.
…
وفارس شعر بقشعريرة تسري في جسده.
…
لأن تاريخ الصورة كان قبل ثماني سنوات.
…
أي قبل وفاة حسام بشهر واحد فقط.
…
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا.
…
المفاجأة كانت في السطر الأخير من الملف.
…
السطر الذي جعل الدم يتجمد في عروقه.
…
لأن الملف كان يحمل ملاحظة داخلية قصيرة جدًا:
…
“العامل حاول الإبلاغ عن مخالفات خطيرة داخل المصنع.”
…
“تم إغلاق الموضوع بأوامر مباشرة من مجلس الإدارة.”
يتبع…
