غرفةللعمليات حكايا اسما
لسه خارجة بالعافية من ولادة صعبة كانت هتم*وتني… الدكتور بص لابني الرضيع، واتجمد مكانه فجأة، وسأل السؤال الوحيد اللي مفيش ست في أوضة الولادة تتمنى تسمعه…اتناشر ساعة طلق وأنا لوحدي.
لا جوز ماسك إيدي، ولا أم مستنياني برا، ولا حد يطمني… بس أنا، وصوت الأجهزة، والطفل الصغير اللي وعدته أحميه مهما حصل.
لما الممرضة سألتني إذا كان جوزي جاي، ابتسمت بالعافية.
قلت: أكيد… هو في الطريق.التغطية على غياب “كريم” بقت عادة.
هو سابني من سبع شهور… في نفس الليلة اللي قولتله فيها إني حامل.
بصلي ببرود وقال: “أنا مش مستعد أربي ابنك.”
ثم خد مفاتيحه وكمل: “أنا عايز أعيش… أسافر… أخرج مع صحابي… مش هربط نفسي بطفل بيعيط طول اليوم.”..ومشي.
كأني ولا حاجة.
بعدها استأجرت أوضة صغيرة فوق سطح في شبرا، واشتغلت شيفتين في مطعم عشان أعرف أعيش. كنت بحسب كل جنيه، وأحاول أمسك حياتي بإيديا قبل ما تقع مني.
أمس الساعة ٣:١٧ العصر… ابني اتولد.
قوي…سليم…كامل…وأول مرة من شهور حسيت إني قادرة أتنفس.
لكن بعدها الدكتور قرب عشان يكشف عليه…وفجأة وقف مكانه.
وشه شحب.وعينيه اتملت دموع.
قلبي وقع…همست: “فيه إيه؟ ابني فيه حاجة؟”
بلع ريقه بصعوبة…وسألني: “فين والده؟”
قلت بسرعة: “مش هنا.”..صوته بدأ يتهز: “اسمه إيه؟”
في حاجة في نظراته خلت جسمي يتجمد…قلت: “كريم سليم.”
الصمت نزل على الأوضة بشكل مرعب…وفجأة… دمعة نزلت من عين الدكتور.
قعد على الكرسي جنب سريري كأنه فقد توازنه.
وقال: “لازم تعرفي الحقيقة.”
لكن قبل ما يكمل…..باب أوضة الولادة اتفتح…ونفسي وقف…لما شفت مين اللي دخل…..لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد@
اتفتح باب أوضة الولادة ببطء… وقلبي وقف فعلًا لما شفت كريم داخل.
كان واقف عند الباب لابس جاكيت أسود متبلل من المطر، وشعره منكوش كأنه جري مسافة طويلة. نفس الوش اللي سابني بيه من سبع شهور… نفس العينين الباردين اللي قالولي يومها إنه مش عايز الطفل ده، وإن حياتي معاه انتهت.
لكن الغريب إن البرود اختفى.
كان مرعوب.
عينه وقعت عليّ الأول، بعدين على الطفل اللي في حضني، وبعدها على الدكتور اللي كان لسه قاعد جنبي ووشه شاحب كأنه شاف شبح.
كريم قال بصوت متقطع: “هو… هو اتولد؟”
ماقدرتش أتكلم.
الوجع كان لسه بيقطع بطني، والخياطة بتحرق، وجسمي كله مرهق، لكن الغضب جوايا كان صاحي أكتر من أي ألم.
الدكتور وقف فجأة أول ما شاف كريم.
وقف بسرعة زيادة لدرجة إن الكرسي اتحرك واحتك بالأرض بصوت حاد.
وبعدين… حصلت الحاجة اللي خلت رعشة باردة تمشي في ضهري.
الدكتور بص لكريم كأنه يعرفه.
لا… مش يعرفه وبس.
كأنه اتصدم منه.
كريم هو كمان ثبت مكانه، وعينه اتسعت ببطء وهو يهمس: “مستحيل…”
أنا بصيت بينهم وقلبي بيدق بعنف.
قلت بصوت ضعيف: “حد يفهمني فيه إيه؟”
لكن محدش رد.
الدكتور قرب خطوة من كريم، ووشه كله ارتباك وألم، وقال: “إنت… اسمك كريم سليم؟”
كريم هز راسه ببطء.
الدكتور غمض عينه لحظة، كأنه بيحاول يثبت نفسه، وبعدها قال الجملة اللي قلبت حياتي كلها:
“أنا أخوك.”
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل لدرجة إني حسيت صوت الأجهزة اختفى.
أنا بصيت للدكتور… بعدين لكريم… وحسيت إن أوضة الولادة بدأت تلف حواليا.
كريم رجع لورا خطوة كأنه اتخبط.
قال: “إنت كداب.”
الدكتور بلع ريقه وقال: “اسمي ياسين. ياسين سليم.”
الاسم وقع على كريم زي الرصاصة.
وشه شحب أكتر.
أنا ماكنتش فاهمة أي حاجة، لكن واضح إن كريم فهم.
إيده بدأت ترتعش.
قال بصوت مبحوح: “إنت… إنت مت؟”
الدكتور… أو ياسين… ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
وقال: “أبوك قالك كده؟”
قلبي وقف.
أبوك؟
أخوك؟
أنا كنت لسه والدة من ساعات… وفجأة لقيت نفسي وسط سر عمر كامل.
ياسين بصلي بسرعة وقال: “أنا آسف… والله ما كان قصدي يحصل ده بالشكل ده.”
لكن كريم انفجر فجأة: “إنت مالكش حق تظهر دلوقتي!”
الممرضة دخلت بسرعة لما سمعت الصوت، لكن ياسين طلب منها تسيبنا.
بصلي بعدها وقال بهدوء: “لازم تعرفي الحقيقة كلها.”
سندت ضهري بصعوبة على السرير، وأنا حاسة إن جسمي كله بيترعش.
ياسين أخد نفس طويل وقال: “أنا وكريم إخوات من الأب. أبونا كان راجل غني جدًا… وعنيف جدًا.”
كريم سكت.
وشه كله بقى جامد بطريقة مرعبة.
أما ياسين فكمل: “أمه ماتت وهو صغير… وأمي كانت الشغالة اللي اشتغلت في البيت بعدها. لما حملت فيا… أبوه رفض يعترف بيا.”
أنا بصيت لكريم.
كان عينه في الأرض.
ياسين قال: “كبرنا في نفس البيت، لكن مش كإخوات. أنا كنت الخدام اللي بيض*ربوه لو اتكلم. كريم كان طفل صغير… بس كان بيشوف كل حاجة.”
كريم رفع عينه فجأة وصرخ: “كنت طفل!”
ياسين هز راسه بحزن: “عارف.”
الصمت رجع تاني.
بعدها بص ياسين ناحية ابني اللي نايم في حضني، ودموعه نزلت فعلًا.
وقال: “أول ما شفته… افتكرت كريم وهو رضيع.”
قلبي وجعني من نبرة صوته.
كان بيتكلم عن طفل ضاع منهم الاتنين.
ياسين قعد على الكرسي تاني وقال: “أنا هربت من البيت وأنا عندي 17 سنة. أبوكم قال للناس إني م*وت.”
كريم ضحك ضحكة مكسورة: “وأنا صدقته.”
“لأنك كنت طفل خائف.”
كريم سكت.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
مش الشاب الأناني اللي سابني ومشي.
كان باين عليه إنه تايه.
مكسور.
كأنه رجع فجأة لطفل صغير شايف كابوس قديم.
أنا بصيت له ببرود وقلت: “وإيه اللي جابك هنا دلوقتي أصلًا؟”
السؤال ض*ربه.
لف ناحيتي ببطء.
وشه كله ندم.
وقال: “أنا عرفت إنك بتولدي.”
ضحكت بمرارة: “بعد ما سبتني سبع شهور؟”
قال بسرعة: “أنا كنت خايف.”
صرخت فيه: “خايف من إيه؟ طفل؟”
لكن ياسين رد بدلًا منه: “خايف يبقى زي أبوه.”
الصمت رجع يخنق الأوضة.
كريم غمض عينه، وكأنه خلاص تعب من الهروب.
وقال بصوت واطي: “أبويا كان وحش.”
أول مرة أسمعه يقولها.
“كان بيكره الأطفال… بيكره أي ضعف… ولما أمي ماتت كان يقفل عليا بالأيام لو عيطت.”
إيده كانت بتترعش.
“ولما كبرت… بقيت طول الوقت خايف أكون زيه.”
بص ناحية ابنه لأول مرة.
“ولما قالتلي إنها حامل… كل اللي شفته كان أبويا.”
أنا حسيت دموعي قربت تنزل رغم غصبي.
لأن اللي قدامي ماكنش مجرد راجل هرب.
كان واحد مطارد من شبح عمره كله.
لكن ده ماكنش يمحي اللي عمله.
قلت بقسوة: “بس إنت سيبتني لوحدي.”
هز راسه ببطء: “عارف.”
“كنت بم*وت لوحدي.”
“عارف.”
“وابنك كان ممكن يتولد من غير أب.”
هنا صوته اتكسر: “أنا آسف.”
الكلمة دي لوحدها خلت قلبي يوجع أكتر.
لأنها طالعة حقيقية.
مش تبرير.
ولا كدب.
ياسين وقف وقال: “كريم… الطفل ده مش لعنة.”
كريم بص له.
وياسين كمل: “إحنا اللي اتظلمنا. مش هو.”
وبعدين قرب من السرير بحذر، كأنه خايف ألمسه.
بص للطفل الصغير الملفوف في البطانية البيضاء.
وكان ابني وقتها نايم بهدوء… صغير جدًا… بريء جدًا… كأنه لسه مايعرفش إن العالم ممكن يكون قاسي بالشكل ده.
كريم مد صباعه ببطء.
وأول ما الطفل مسكه بإيده الصغيرة…
كريم انهار.
بكل المعنى.
ركبته خانته، وقعد على الأرض جنب السرير، ودفن وشه في إيده وهو بيعيط.
مش دموع هادية.
بكاء راجل مكبوت من سنين.
الممرضة بصتلي بخضة، لكني أشرتلها تسيبه.
كنت ببص عليه وأنا مش عارفة أكرهه… ولا أتعاطف معاه.
يمكن الاتنين.
قال وسط دموعه: “أنا ماعرفتش أبقى حد كويس.”
ياسين نزل على ركبته جنبه وقال: “لأن محدش علمك.”
كريم رفع عينه ناحيتي.
وكان واضح إنه مستني حكم بالإعدام.
قال: “لو قولتيلي امشي… همشي.”
بصيت لابني.
وبعدين ليه.
وقلت بهدوء متعب: “أنا مش هسامح بسهولة.”
هز راسه بسرعة: “عارف.”
“بس ابنك يستحق فرصة.”
هنا دموعه زادت أكتر.
لأن الجملة دي كانت أكبر من الرحمة.
كانت باب نجاة.
بعد يومين خرجت من المستشفى.
ماكنش عندي بيت حقيقي أرجعله غير أوضة السطوح الضيقة.
لكن أول ما وصلنا هناك، اتفاجئت بكريم واقف قدام الباب.
شايل أكياس أكل وسرير طفل صغير مفكوك.
قلت ببرود: “إيه ده؟”
قال بتوتر: “السرير… عشان البيبي ماينامش على الكنبة.”
كنت عايزة أطرده.
بس ابني بدأ يعيط.
وكريم اتحرك تلقائيًا.
أخده مني بحذر شديد كأنه ماسك قلبه بإيده.
وهنا حصلت الحاجة اللي خلتني أسكت.
الطفل هدي.
فورًا.
كأنه عرفه.
كريم بصله بدهشة.
وبعدين ابتسم لأول مرة من شهور.
ابتسامة صغيرة… مكسورة… لكنها حقيقية.
الأيام اللي بعدها ماكنتش سهلة.
كريم حاول يساعد.
ينضف.
يطبخ.
يتعلم يغير الحفاض.
وفشل فشل كارثي في أول مرة لدرجة إن ابني عملها عليه وهو بيصرخ.
أنا ضحكت غصب عني لأول مرة بعد الولادة.
وهو بصلي كأنه نسي شكل ضحكتي.
لكن الماضي ماكانش بيرحم بسهولة.
في نص الليل كنت أصحى مرعوبة من فكرة إنه يختفي تاني.
وهو كان يصحى على صوت ابنه ويقف متجمد، كأن البكاء بيرجعه لطفولته.
مرة صحيت لقيته واقف في البلكونة بيترعش.
قلت: “مالك؟”
قال بصوت واطي: “خفت أمد إيدي عليه وأنا متعصب.”
قلبي وجعني.
قربت منه وقلت: “إنت مش أبوك.”
لكن واضح إنه ماكانش مصدق.
عشان كده بدأ يروح جلسات علاج.
بنفسه.
من غير ما حد يجبره.
كان يرجع ساكت أحيانًا، وأحيانًا يقعد جنب ابنه بالساعات يبصله كأنه بيتعلم يعني إيه أمان.
أما ياسين… فبقى جزء من حياتنا فجأة.
كان يزورنا كل أسبوع.
ويجيب لعب زيادة عن اللزوم.
وابني أول ما يشوفه يضحك.
مرة وأنا بعمل شاي، سمعت ياسين بيقول لكريم: “فاكر لما كنت تخبيلي الأكل وإحنا صغيرين؟”
كريم ضحك بحزن: “فاكر لما أبويا ض*ربني عشانك؟”
سكتوا بعدها.
الصمت بينهم كان مليان عمر كامل.
لكن لأول مرة… كان فيه فرصة يلتئم.
بعد شهور، كريم أخدني لشقة صغيرة.
مش فخمة.
بس دافية.
قال بتوتر: “مش قصر… بس بداية.”
أنا بصيتله طويل.
كان تعبان.
فيه هالات تحت عينه.
وبيشتغل شغلانتين دلوقتي.
مش عشان يهرب.
عشان يبني حاجة.
قلت: “وخروجاتك وسفرك وصحابك؟”
ابتسم بحرج: “اكتشفت إن ابني ألطف.”
ضحكت رغم نفسي.
وابني وقتها كان نايم على صدره.
المشهد كله كان بسيط جدًا… لكنه لمس حاجة جوايا.
لأن الراجل اللي كان بيهرب من كلمة أب… بقى ينام وهو حاضن ابنه كأنه بيحاول يعوضه عن كل خوف عاشه.
مرت سنة.
وابني بدأ يمشي.
وأول كلمة قالها ماكنتش ماما.
كانت: “بابا.”
كريم سكت لحظة كاملة لما سمعها.
كأنه مش مستوعب.
وبعدين عيط.
شال ابنه وفضل يلف بيه في الصالة وهو يضحك ويبكي في نفس الوقت.
أما أنا… فكنت واقفة أبص عليهم وأفكر قد إيه الحياة غريبة.
الراجل اللي هرب لأن أبوه دمره… كان بيتحول قدامي لأب حقيقي.
مش كامل.
مش مثالي.
بس موجود.
وده كان كفاية أحيانًا.
وفي يوم، وإحنا قاعدين سوا بعد ما ابننا نام، كريم بصلي وقال: “عارفة أكتر حاجة مرعباني؟”
قلت: “إيه؟”
قال: “إنه يحبني أوي… وبعدين أخيبه.”
بصيتله طويل.
وبعدين مسكت إيده لأول مرة من شهور.
وقلت: “كل الآباء بيخافوا من كده.”
سكت.
فكملت: “الفرق إنك بتحاول.”
دموعه لمعت.
وقال: “أنا ماحدش حاول عشاني قبل كده.”
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة.
إحنا أحيانًا مانبقاش محتاجين ناس كاملة.
إحنا محتاجين ناس تقرر تكسر الدائرة.
ناس تبص للخوف اللي جواها وتقول: هينتهي عندي.
وكريم… أخيرًا… بدأ يعمل ده.
أما ابني، الطفل اللي خفت عليه من أول نفس، فكان نايم بأمان في أوضته الصغيرة… غير مدرك إنه من لحظة ولادته، جمع بين أخوين ضيعهم الماضي… وأنقذ راجلًا كان يظن طوال عمره أنه خُلق فقط ليهرب.