زوجة زوجي حكايات أسما ×4

الفصل السابع

الطريق إلى المستشفى كان صامتًا.

أنا وياسمين قاعدين في العربية.

ولا واحدة فينا عارفة تقول إيه.

قبل ساعات قليلة كنت أتمنى أشوف أحمد علشان أواجهه.

أصرخ فيه.

أقوله حجم الخراب اللي عمله.

لكن دلوقتي؟

بعد الرسائل.

بعد المستندات.

بعد الحقيقة اللي بدأت تظهر من تحت طبقات الكذب…

بقي كل شيء أعقد.

بكتير.

وصلنا المستشفى حوالي الساعة العاشرة والنصف.

العناية المركزة كانت هادئة بشكل مخيف.

ريحة المطهرات في كل مكان.

وصوت الأجهزة الطبية بيقطع الصمت كل شوية.

استقبلنا الدكتور عند الباب.

وشكله كان جاد.

قال:

— المريض واعي حاليًا.

— لكن حالته غير مستقرة.

— لو هتدخلوا لازم يبقى وقت قصير.

هزيت رأسي.

لكن قبل ما أدخل…

حسيت برعشة في إيدي.

يمكن لأول مرة من بداية الكابوس كله.

كنت خايفة.

مش منه.

من اللي ممكن أسمعه.

فتحنا الباب.

وكان أحمد راقد على السرير.

أجهزة حوالينه.

وأنابيب متوصلة في جسمه.

ووشه…

وشه كان مختلف.

أصغر.

أضعف.

كأن السنين كلها ظهرت عليه فجأة.

لما شافنا…

حاول يبتسم.

لكن الابتسامة طلعت مكسورة.

قال بصوت واطي:

— كنت عارف إنكم هتيجوا سوا.

ياسمين ردت ببرود:

— واضح إنك مازلت متفاجئش بسهولة.

ضحك ضحكة خفيفة.

ثم اتألم.

سكت شوية.

وبعدين بص لي.

وقال:

— قريتي الرسالة؟

هززت رأسي.

— أيوه.

غمض عينيه.

كأنه ارتاح.

ثم قال:

— كنت نفسي أقولهالك وأنا واقف قدامك.

— مش في ورقة.

سألته مباشرة:

— ليه؟

رفع عينيه ناحيتي.

— ليه إيه؟

— ليه كل ده؟

— ليه عيشت حياتين؟

— ليه خلتنا نعيش الكذبة دي؟

الصمت استمر ثواني طويلة.

ثم قال:

— لأني جبان.

الإجابة كانت صادمة في بساطتها.

قال:

— أول مرة رجعت أكلم ياسمين كنت متخانق معاكي.

بص لي.

— افتكرت إنها مجرد مكالمة.

— وبعدها مجرد قهوة.

— وبعدها مجرد لقاء.

— وبعدها بقيت مش عارف أخرج.

ثم التفت لياسمين.

— وإنتِ كنتِ بالنسبة لي الذكرى اللي ماعرفتش أقفل بابها.

ياسمين دموعها نزلت.

لكنها ما اتكلمتش.

قال بعدها:

— كل مرة كنت أقول هقول الحقيقة.

— بكرة.

— الأسبوع الجاي.

— الشهر الجاي.

ثم ضحك بسخرية من نفسه.

— لحد ما الحقيقة بقت أكبر مني.

وأكبر من أي قدرة عندي على المواجهة.

سكتنا.

لأننا لأول مرة بنسمع منه حاجة من غير تمثيل.

من غير أعذار.

من غير تبرير.

بس اعتراف.

وفجأة…

مد إيده ناحية الدرج الجانبي.

وقال:

— افتحيه.

فتحت الدرج.

كان فيه ظرف أبيض.

سميك.

قال:

— ده السبب الحقيقي.

بصيت له.

— سبب إيه؟

قال:

— سبب كل حاجة.

فتحت الظرف.

وكان جواه تقرير طبي.

قديم.

تاريخه يرجع لأربع سنين.

قبل جوازي منه.

بدأت أقرأ.

وفي أول سطر…

اتجمدت.

“تشخيص: ورم خبيث متقدم.”

رفعت رأسي بسرعة.

— إيه ده؟

قال بهدوء:

— كنت مريض.

ياسمين شهقت.

أما أنا…

فماقدرتش أتكلم.

قال:

— يوم ما رجعت لياسمين كنت فاكر إني هموت خلال سنة.

— ويوم ما اتجوزتك كنت فاكر إن العلاج فشل.

قلت بذهول:

— وماقولتش لحد؟

هز رأسه.

— لأ.

— كنت خايف.

— وكنت غبي.

— وكنت فاكر إني أقدر أصلح كل حاجة لوحدي.

بدأ يحكي.

كيف عاش سنوات بين جلسات العلاج والتحاليل.

كيف أخفى مرضه عن الجميع.

كيف كان يسافر بحجة الشغل بينما هو داخل مستشفيات.

كيف خسر أموالًا كثيرة في العلاج وفي مساعدة بنت أخيه.

وكيف بدأ يكذب…

ثم يغرق أكثر فأكثر.

لكن رغم كل ده…

سألته السؤال الوحيد اللي كان جوايا.

— وهل ده يبرر اللي عملته؟

سكت.

ثم قال:

— لا.

الإجابة خرجت بسرعة.

بدون تردد.

— مفيش حاجة تبرره.

— ولا المرض.

— ولا الخوف.

— ولا أي ظرف.

ولأول مرة…

حسيت إن أحمد بيقول الحقيقة كاملة.

الحقيقة من غير تجميل.

من غير دور الضحية.

فجأة الجهاز الطبي أصدر صوت مختلف.

الدكتور دخل بسرعة.

والممرضات دخلوا وراه.

وبدؤوا يتحركوا حوالين السرير.

قال الدكتور:

— لازم تطلعوا دلوقتي.

خرجنا.

والباب اتقفل.

وقفت في الممر.

وأنا مش عارفة أشعر بإيه.

غضب؟

حزن؟

راحة؟

شفقة؟

يمكن شوية من كل حاجة.

أما ياسمين…

فكانت واقفة جنبي ساكتة.

ثم قالت بهدوء:

— عارفة؟

— أول مرة أقابلك كنت فاكرة إني هكرهك.

بصيت لها.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— وفي الآخر طلعنا إحنا الاتنين الناجين الوحيدين من دوامة أحمد.

ولأول مرة منذ بداية الرحلة…

ابتسمت أنا كمان.

ابتسامة متعبة.

لكن حقيقية.

وبينما إحنا واقفين…

خرج الدكتور بعد حوالي أربعين دقيقة.

وشه كان هادئ.

لكن ملامحه ما كانتش واضحة.

بص لنا.

ثم قال:

— في حاجة لازم تعرفوها.

الجملة دي لوحدها خلت قلبي يقف.

لكن اللي قاله بعدها…

غيّر نهاية القصة كلها.

يتبع…

الفصل الثامن

الدكتور وقف قدامنا.

إيده جوه جيب البالطو الأبيض.

وباصص لينا بنظرة غريبة.

مش نظرة حد خارج يبلغ خبر وفاة.

ولا نظرة حد خارج يطمن أهل مريض.

حاجة بين الاتنين.

قال بهدوء:

— أحمد مستقر حاليًا.

تنفسنا كلنا براحة.

لكن الدكتور كمل:

— بس في معلومة اكتشفناها النهارده من ملفاته الطبية القديمة.

اتشد جسمي كله.

— معلومة إيه؟

بص ناحية المحامي.

ثم قال:

— التشخيص الأصلي كان غلط.

سكتنا.

— إيه؟

قال:

— الورم اللي عاش أحمد سنين فاكر إنه قاتل… ماكانش ورم خبيث أصلًا.

كأن حد ضغط زر إيقاف للعالم.

أنا.

وياسمين.

وندى.

حتى الأستاذ فؤاد.

كلنا فضلنا باصين للدكتور.

مش فاهمين.

قال:

— فيه تحليل جديد اتراجع النهارده أثناء تجهيز الملف الكامل للحالة.

— والمستشفى اللي كان بيتابع فيها زمان أرسلت تقرير التصحيح.

— المرض كان موجود.

— لكن مش بالصورة اللي اتقالت له.

— ونسبة الشفاء كانت مرتفعة جدًا.

— وكان ممكن يعيش حياة طبيعية بالكامل.

حسيت بشيء بارد يمر في جسمي.

سنين.

سنين كاملة.

الرجل ده عاش مقتنع إنه بيموت.

وبنى قراراته كلها على خوف.

على معلومة غلط.

على تشخيص خاطئ.

لكن بعدها مباشرة…

افتكرت حاجة مهمة.

قلت للدكتور:

— حتى لو التشخيص غلط.

هو عمل اللي عمله بإيده.

هز الدكتور رأسه.

— صحيح.

— وأنا مش ببرر أي حاجة.

بعد ما الدكتور مشي.

فضلنا ساكتين.

وأول حد اتكلم كانت ياسمين.

قالت:

— تعرفي؟

— ده أسوأ جزء في القصة.

بصيت لها.

قالت:

— لو كان شرير وخلاص… كان الموضوع أسهل.

— لكن لما يكون إنسان ضايع وخايف وبيغلط… بيبقى أصعب.

هزيت رأسي.

لأني كنت فاهمة هي تقصد إيه.

تاني يوم الصبح.

رجعنا المستشفى.

أحمد كان أفضل شوية.

ضعيف.

لكن واعي.

لما دخلنا.

بص لنا.

ثم قال:

— شكلكم عرفتوا.

قلت:

— عرفنا.

غمض عينيه.

— كنت متأكد إن اليوم ده هييجي.

سكت شوية.

ثم قال:

— عارف إنكم مش هتسامحوني.

— ويمكن ما تستاهلش.

— لكن في طلب أخير.

قلت:

— إيه؟

بص لي.

ثم لياسمين.

ثم لندى.

وقال:

— متخلوش حياتكم تقف عندي.

الجملة كانت بسيطة.

لكنها خرجت من شخص ضيع سنوات من عمر ناس كتير.

قال بعدها:

— أنا وقفت حياتي عند خوف.

— وعند كذبة.

— وعند ندم.

— فضاعت مني السنين.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

— أوعوا تعملوا زيي.

كانت أول مرة أسمعه يتكلم بدون أي محاولة للدفاع عن نفسه.

بدون تبرير.

بدون تمثيل.

مجرد إنسان شايف الخراب اللي عمله.

ومتأخر جدًا.

بعد أسبوعين…

خرج أحمد من المستشفى.

لكن حياتنا ما رجعتش زي ما كانت.

لأنها ماينفعش ترجع.

أنا قدمت طلب الطلاق.

المرة دي بشكل رسمي ونهائي.

وأحمد وقّع من غير اعتراض.

ولا محاولة نقاش.

ولا حتى كلمة واحدة.

فقط وقع.

وكأنه أخيرًا فهم إن بعض الأشياء لما تتكسر…

ما بتتصلحش.

بعد ستة أشهر…

كنت قاعدة في كافيه صغير على النيل.

الشمس كانت بتغيب.

والهواء لطيف.

وقدامي كانت ياسمين.

أيوه.

ياسمين.

زوجته السابقة.

والست اللي اكتشفت معاها أكبر صدمة في حياتي.

الغريب إننا بقينا أصحاب.

أصحاب بجد.

لأن مفيش حد فهم اللي مرينا بيه غير بعض.

قالت وهي بتضحك:

— تتخيلي إن كل ده بدأ من مقعدين جنب بعض في الطيارة؟

ضحكت.

— والله لو حد حكاهولي ما كنتش صدقته.

رن موبايلي.

رسالة جديدة.

من رقم أعرفه كويس.

أحمد.

فتحتها.

وكان مكتوب فيها:

“أتمنى تكوني بخير.”

“ومتشكر إنك جيتي المستشفى.”

“ومتشكر إنك سامحتيني حتى لو ما رجعتيش.”

“وأخيرًا… عرفت أعيش من غير كذب.”

بصيت للرسالة ثواني.

ثم قفلت الشاشة.

من غير رد.

مش كرهًا.

ومش انتقامًا.

لكن لأن بعض القصص مش محتاجة رد.

محتاجة نهاية.

وبس.

رفعت رأسي.

بصيت للنيل.

للشمس وهي بتختفي وراء الأفق.

وحسيت لأول مرة من شهور…

إن المستقبل مفتوح قدامي.

من غير أسرار.

من غير أكاذيب.

ومن غير أحمد.

النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *