اتصال طاريء حكـايـات أسمـا ×3

تجمدت يدي حول الهاتف.

 

ونظرت إلى سارة الجالسة أمام شجرة الليمون الصغيرة.

 

كانت تبتسم لأول مرة منذ شهور.

 

ولم أرد أن أفسد تلك اللحظة.

 

لكن شيئًا في صوت الرجل جعلني أعرف أن ما سيقوله لن يكون عاديًا.

 

سألته:

 

— مين حضرتك؟

 

تنهد طويلًا.

 

ثم قال:

 

— اسمي عم جابر.

 

كنت السواق القديم للحاج سليم الشاذلي.

 

أبو كريم ورامي.

 

خدمت العيلة أكتر من سبعة وعشرين سنة.

 

وشفت حاجات كتير.

 

حاجات لو اتقالت زمان محدش كان هيصدقها.

 

—

 

طلبت منه عنوانه.

 

وبعد ساعتين كنت أجلس أمامه في بيت متواضع على أطراف المدينة.

 

رجل تجاوز السبعين.

 

وجهه مليء بالتجاعيد.

 

لكن عينيه كانتا تحملان خوفًا حقيقيًا.

 

الخوف الذي لا يصنعه الكذب.

 

بل تصنعه الذكريات.

 

قال وهو يضع فنجان الشاي أمامي:

 

— بنتك كانت الرابعة.

 

شعرت بقبضة تعتصر قلبي.

 

— الرابعة إيه؟

 

أخفض رأسه.

 

— الرابعة اللي يحاولوا يكسروا روحها.

 

—

 

بدأ يحكي.

 

قبل سنوات طويلة…

 

كان كريم مخطوبًا لفتاة اسمها مروة.

 

مدرسة لغة عربية.

 

بنت بسيطة من أسرة محترمة.

 

لكنها كانت تملك شيئًا لم تحتمله عائلة الشاذلي.

 

الكرامة.

 

بعد شهور من الزواج…

 

بدأت المشاكل.

 

نفس السيطرة.

 

نفس الإهانات.

 

نفس التدخل في حياتها.

 

ثم اختفت.

 

فجأة.

 

قيل وقتها إنها سافرت للخارج.

 

لكن عم جابر هز رأسه.

 

وقال:

 

— كدب.

 

مروة ما سافرتش.

 

—

 

شعرت أن الغرفة تضيق.

 

— أمال حصل لها إيه؟

 

نظر نحوي مباشرة.

 

وقال:

 

— هربت.

 

هربت في نص الليل.

 

بعد ما حاولوا يحبسوها جوا البيت.

 

وبعدها غيرت اسمها.

 

وعاشت في محافظة تانية.

 

ولا حد عرف يوصلها.

 

—

 

تنفست الصعداء قليلًا.

 

لكن عم جابر أكمل:

 

— دي كانت المحظوظة.

 

تجمدت.

 

— تقصد إيه؟

 

قال:

 

— اللي بعدها ما كانتش محظوظة.

 

—

 

اسمها كان ياسمين.

 

تزوجت رامي.

 

وكانت طبيبة شابة.

 

ذكية.

 

وقوية.

 

وفي البداية كانوا فخورين بيها.

 

لكن لما بدأت تعترض…

 

بقت عدوة.

 

وفي يوم خرجت من الفيلا وهي منهارة.

 

وراحت المستشفى.

 

ثم طلبت الطلاق.

 

وبالفعل اتطلقت.

 

لكن بعدها بسنة…

 

مات أبوها بأزمة قلبية.

 

وخسرت شغلها.

 

واتشوهت سمعتها.

 

عم جابر كان مقتنعًا أن كل ده ما كانش صدفة.

 

—

 

كل قصة كانت تشبه الأخرى.

 

نفس النمط.

 

نفس الأسلوب.

 

كأنهم كانوا يعتبرون أي امرأة مستقلة تهديدًا يجب تحطيمه.

 

—

 

ثم أخرج عم جابر ظرفًا قديمًا من درج خشبي.

 

وقال:

 

— دي الحاجة اللي خلتني أكلمك.

 

فتحت الظرف.

 

وجدت صورًا.

 

وعقودًا.

 

ورسائل.

 

وأسماء.

 

الكثير من الأسماء.

 

أكثر مما توقعت.

 

نساء.

 

موظفون.

 

خدم.

 

شركاء.

 

كلهم تعرضوا للأذى بطريقة أو بأخرى.

 

—

 

لكن وسط الأوراق كلها…

 

كانت هناك صورة واحدة.

 

هي التي جعلتني أتوقف.

 

امرأة في الأربعين تقريبًا.

 

ملامحها قوية.

 

وعيناها حادتان.

 

وفي ظهر الصورة جملة مكتوبة بالقلم:

 

“هي الوحيدة اللي خافوا منها.”

 

سألت:

 

— مين دي؟

 

ابتسم عم جابر لأول مرة.

 

وقال:

 

— اسمها اللواء مها السيوفي.

 

—

 

لم أكن أعرف الاسم.

 

لكنني سأعرفه بعد أيام.

 

لأنها كانت المرأة الوحيدة التي واجهت عائلة الشاذلي قبل عشرين عامًا.

 

وكادت تسقطهم.

 

ثم اختفت القض..ية كلها فجأة.

 

وكأنها لم تكن موجودة.

 

—

 

عدت إلى المنزل ومعي الملف.

 

وقضيت الليل أقرأ.

 

كل صفحة كانت تفتح بابًا جديدًا.

 

حتى وصلت إلى مستند قديم جدًا.

 

مؤرخ قبل اثنين وعشرين عامًا.

 

وكان يحمل توقيعًا واحدًا فقط.

 

سليم الشاذلي.

 

والد كريم.

 

—

 

لكن ما كُتب داخله كان أخطر من أي شيء قرأته.

 

لأنه لم يكن متعلقًا بالأموال.

 

ولا بالنفوذ.

 

ولا بالشركات.

 

بل كان متعلقًا بوريثة.

 

طفلة صغيرة.

 

اختفت من أوراق العائلة فجأة.

 

وكأنها لم تولد أصلًا.

 

—

 

أعدت قراءة الاسم مرة.

 

ثم مرتين.

 

ثم ثلاثًا.

 

وأحسست أن أنفاسي تتوقف.

 

لأن تاريخ الميلاد.

 

والأسماء.

 

والتفاصيل.

 

كانت تشير إلى حقيقة مستحيلة تقريبًا.

 

حقيقة لو ثبتت…

 

فلن تدمر عائلة الشاذلي فقط.

 

بل ستقلب تاريخها كله رأسًا على عقب.

 

وفي تلك اللحظة…

 

رن هاتفي.

 

وكان المتصل شخصًا لم أره منذ سنوات طويلة.

 

وعندما أجبت…

 

جاءني صوت امرأة هادئ وقوي:

 

— أنا اللواء مها السيوفي.

 

وعرفت إنك وصلت للملف.

 

وسكتت لثانية.

 

ثم قالت:

 

— لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة…

 

تعالي لوحدك.

 

لأن اللي هتعرفيه الليلة…

 

أخطر من كل اللي حصل مع بنتك.لم أنم تلك الليلة.

 

جلست في مكتبي حتى الفجر.

 

أمام الملف المفتوح.

 

وصورة اللواء مها السيوفي.

 

والمستند القديم الذي يحمل توقيع سليم الشاذلي.

 

كلما حاولت إقناع نفسي أن الأمر مجرد صدفة…

 

كانت التفاصيل تعود لتصفعني من جديد.

 

الأسماء.

 

التواريخ.

 

المبالغ.

 

والطفلة المختفية من السجلات.

 

كل شيء كان أكبر من مجرد خلافات عائلية.

 

—

 

في السادسة صباحًا…

 

تركت رسالة قصيرة لسارة.

 

وأخبرتها أن لدي اجتماعًا مهمًا.

 

لم أرد أن أقلقها.

 

فهي بالكاد بدأت تتعافى.

 

ثم انطلقت إلى العنوان الذي أعطتني إياه اللواء مها.

 

—

 

كان منزلًا قديمًا على أطراف الإسكندرية.

 

بعيدًا عن الزحام.

 

وبعيدًا عن العيون.

 

فتحت الباب امرأة في أوائل الستينيات.

 

شعرها الرمادي مرتب بعناية.

 

ونظرتها ثابتة بشكل يبعث على الاحترام.

 

عرفتها فورًا.

 

كانت مها.

 

—

 

أدخلتني إلى مكتبة كبيرة.

 

الجدران كلها مغطاة بالملفات.

 

والصور.

 

والوثائق.

 

قالت وهي تقدم لي كوب قهوة:

 

— كنت أعرف إنك هتوصلي للحقيقة في النهاية.

 

جلست أمامها.

 

وقلت مباشرة:

 

— عايزة أفهم.

 

مين الطفلة اللي اختفت؟

 

تنهدت.

 

ثم فتحت درجًا صغيرًا.

 

وأخرجت صورة قديمة.

 

دفعتها نحوي.

 

—

 

كانت صورة عائلية.

 

سليم الشاذلي وزوجته.

 

وبجوارهما طفلان صغيران.

 

كريم.

 

ورامي.

 

لكن كان هناك طفل ثالث.

 

طفلة.

 

لا تتجاوز الثالثة من عمرها.

 

تقف بينهما.

 

وتبتسم.

 

—

 

شعرت بقشعريرة.

 

— دي مين؟

 

قالت مها بهدوء:

 

— اسمها ليلى.

 

بنت سليم الشاذلي.

 

وأختهما.

 

—

 

حدقت في الصورة.

 

ثم في مها.

 

— بس عمرنا ما سمعنا عنها.

 

ابتسمت ابتسامة حزينة.

 

— لأنهم محوها من التاريخ.

 

—

 

بدأت تحكي.

 

قبل أكثر من عشرين عامًا…

 

كانت ليلى الطفلة المفضلة لدى والدتها.

 

وكانت والدتها تمتلك جزءًا ضخمًا من ثروة العائلة.

 

أكبر حتى من نصيب سليم نفسه.

 

لكن الأم توفيت فجأة.

 

وبعد أشهر قليلة…

 

اختفت ليلى.

 

وقيل للجميع إنها ماتت بمرض نادر.

 

وأقيمت لها جنازة رمزية.

 

وانتهى الأمر.

 

—

 

لكن مها أغلقت الملف بقوة.

 

وقالت:

 

— الكذبة بدأت من هنا.

 

لأن ليلى لم تمت.

 

—

 

شعرت بأنفاسي تتسارع.

 

— أمال حصل لها إيه؟

 

أخرجت مها ورقة قديمة.

 

تحمل توقيع قاضٍ.

 

وقالـت:

 

— تم تهريبها.

 

بأوامر من شخص داخل العائلة.

 

شخص اكتشف أن سليم يريد الاستيلاء على ميراثها بالكامل.

 

—

 

صمتت لثوانٍ.

 

ثم أضافت:

 

— وأنا كنت الضابطة المسؤولة عن القض..ية وقتها.

 

—

 

بدأت الصورة تتضح.

 

سليم لم يكن فقط أبًا متسلطًا.

 

بل رجلًا مستعدًا لفعل أي شيء من أجل المال.

 

أي شيء.

 

—

 

ثم دفعت نحوي ملفًا آخر.

 

وقالت:

 

— افتحي الصفحة الأخيرة.

 

فعلت.

 

وتوقفت أنفاسي.

 

—

 

كانت تحتوي على صورة حديثة لامرأة.

 

في منتصف الثلاثينيات.

 

ملامحها مألوفة بشكل غريب.

 

مألوفة إلى درجة مرعبة.

 

ظللت أحدق فيها طويلًا.

 

ثم فجأة…

 

فهمت.

 

—

 

ملامحها.

 

شكل عينيها.

 

ابتسامتها.

 

حتى طريقة رفع حاجبها.

 

كانت تشبه شخصًا أعرفه جيدًا.

 

شخصًا أراه كل يوم.

 

—

 

همست:

 

— مستحيل.

 

ابتسمت مها.

 

وقالت:

 

— أنا قلت نفس الجملة أول مرة شفتها.

 

—

 

شعرت أن يدي ترتجف.

 

— تقصدي إن…

 

قاطعتني:

 

— أيوه.

 

—

 

ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء:

 

— المرأة اللي في الصورة دي…

 

هي أم سارة الحقيقية.

 

—

 

سقط الملف من يدي.

 

وتجمدت في مكاني.

 

—

 

أكملت مها بصوت هادئ:

 

— سارة طول عمرها فاكرة إنها بنت أسرة عادية.

 

لكن الحقيقة إن أمها هي ليلى الشاذلي.

 

الطفلة اللي اختفت من العائلة.

 

—

 

لم أعد أسمع شيئًا بعدها.

 

كأن الغرفة كلها ابتعدت.

 

وكأن العالم فقد صوته.

 

—

 

إذا كانت ليلى هي أم سارة…

 

فهذا يعني أن سارة ليست مجرد زوجة دخلت عائلة الشاذلي.

 

بل وريثة حقيقية للعائلة.

 

وريثة تملك حقًا قانونيًا في جزء ضخم من الثروة.

 

ثروة تساوي مئات الملايين.

 

—

 

وفجأة…

 

تذكرت كل شيء.

 

الكره غير المبرر.

 

الخوف منها.

 

محاولات تحطيمها.

 

رفضهم استقلالها.

 

تمسكهم ببقائها تحت سيطرتهم.

 

—

 

لم يكن الأمر لأنهم يحتقرونها فقط.

 

بل لأنهم كانوا يعرفون شيئًا لم تعرفه هي.

 

شيئًا أخفوه طوال حياتها.

 

—

 

وقبل أن أستوعب الصدمة…

 

رن هاتف مها.

 

نظرت إلى الشاشة.

 

ثم تغير لون وجهها.

 

لأول مرة منذ لقائنا.

 

—

 

أغلقت الخط ببطء.

 

ونظرت نحوي.

 

وقالت:

 

— للأسف.

 

واضح إنهم عرفوا إننا وصلنا للحقيقة.

 

—

 

وقبل أن أسأل أي شيء…

 

سمعنا صوت ارتطام قوي بالخارج.

 

ثم صوت زجاج يتحطم.

 

ثم دوى إنذار سيارة في الشارع.

 

—

 

وقفت مها بسرعة.

 

وتوجهت نحو النافذة.

 

ثم عادت وهي شاحبة.

 

وقالت:

 

— متأخرين.

 

وصلوا.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *