اهانه حكـايـات أسمـا 2

في أقل من أربع وعشرين ساعة…

 

بقيت أحس إن الدنيا كلها بتتكلم عني.

 

خالاتي.

 

عماتي.

 

بنات خالتي.

 

حتى ناس ما شفتهمش من سنين.

 

كلهم فجأة بقوا عارفين إن في مشكلة.

 

لكن اللي صدمني إن كل واحد كان سامع قصة مختلفة.

 

واحدة قالت إن أبويا مسكني متلبسة.

 

واحدة قالت إن خطيبي كان قافل الباب علينا من ساعات.

 

وواحدة قالت إن الجوازة اتلغت أصلًا.

 

كنت كل ما أسمع حكاية أحس إن قلبي بيتقطع أكتر.

 

لأن الحقيقة كانت أبسط من كده بكتير.

 

إحنا دخلنا الشقة عشر دقايق نحط حاجات تقيلة.

 

بس.

 

ولا أكتر من كده.

 

لكن الإشاعات لما تخرج…

 

صعب ترجع تاني.

 

بعد يومين…

 

جت خالتي الكبيرة تزورنا.

 

قعدت مع أبويا في الصالون أكتر من ساعة.

 

وبعدين طلبت تشوفني.

 

دخلت أوضتي وقعدت جنبي على السرير.

 

بصتلي شوية وقالت:

 

“جاوبيني بصراحة.”

 

قلت:

 

“اتفضلي.”

 

قالت:

 

“إنتي غلطتي؟”

 

حسيت الدموع بتجمع في عيني.

 

لكن رديت فورًا:

 

“لأ.”

 

فضلت باصة في وشي ثواني طويلة.

 

ثم مسكت إيدي وقالت:

 

“كنت عارفة.”

 

أول مرة من يوم اللي حصل حسيت إن حد مصدقني.

 

لكن المشكلة إن أبويا ما كانش مستعد يسمع أي حد.

 

كل ما حد يحاول يكلمه…

 

يقفل الكلام.

 

كل ما حد يقوله إننا متجوزين رسمي…

 

يرد:

 

“أنا أعرف أربي بنتي.”

 

مرت الأيام بسرعة.

 

وبقي فاضل أربعة أيام على الفرح.

 

وأنا مش عارفة إذا كان هيتم أصلًا ولا لأ.

 

أما خطيبي…

 

فكان بيتعامل بمنتهى الاحترام.

 

ما جاش البيت.

 

ما عملش مشاكل.

 

ما رفعش صوته.

 

كان كل يوم يبعت رسالة واحدة بس:

 

“أنا موجود.”

 

الجملة دي كانت بتخليني أعيط كل مرة.

 

لأن وسط كل اللي بيحصل…

 

كان الشخص الوحيد اللي ما زودش النار.

 

لكن ليلة الثلاثاء…

 

حصل شيء قلب كل حاجة.

 

كنت قاعدة في أوضتي.

 

وفجأة سمعت صوت خناق عالي برا.

 

خرجت أجري.

 

لقيت عمي وأخويا وخالي قاعدين مع أبويا.

 

والأجواء متوترة جدًا.

 

عمي كان بيقول:

 

“يا راجل فوق.”

 

أبويا رد بعصبية:

 

“أنا فاهم أنا بعمل إيه.”

 

خالي قال:

 

“البنت مكتوب كتابها.”

 

أبويا ضرب بإيده على الترابيزة.

 

“حتى لو.”

 

في اللحظة دي…

 

اتكلم أخويا لأول مرة.

 

أخويا اللي كان ساكت من أول الأزمة.

 

بص لأبويا وقال:

 

“طب وإحنا هنعاقبها على إيه؟”

 

سكت الجميع.

 

وأبويا بصله بغضب.

 

لكن أخويا كمل:

 

“هي قالتلك كانت فين بنفسها.”

 

“ما كذبتش.”

 

“ما استخبتش.”

 

“ما عملتش حاجة غلط.”

 

أول مرة حد يواجه أبويا بالكلام ده بشكل مباشر.

 

وأول مرة أشوف التردد في عينيه.

 

حتى لو لثواني.

 

لكن قبل ما حد يكمل…

 

رن جرس الباب.

 

والزيارة اللي كانت واقفة برا…

 

كانت آخر شخص توقعته في الدنيا كلها.

 

كان والد خطيبي.

البيت كله سكت.

 

حتى أبويا.

 

أخويا راح فتح الباب.

 

وبعد لحظات دخل والد خطيبي.

 

الراجل اللي طول عمره معروف بهدوئه واحترامه.

 

دخل وسلم على الموجودين واحد واحد.

 

ثم قال بهدوء:

 

“مساء الخير.”

 

محدش رد غير بكلمات مقتضبة.

 

التوتر كان مالي المكان.

 

قعد على أقرب كرسي.

 

وبص لأبويا مباشرة.

 

وقال:

 

“أنا جاي أتكلم كرجل لرجل.”

 

أبويا عقد دراعيه وقال:

 

“اتفضل.”

 

سكت والد خطيبي ثواني.

 

ثم قال:

 

“أنا مش جاي أضغط عليك.”

 

“ولا جاي أخاصمك.”

 

“ولا جاي أقولك بنتك غلطانة أو صح.”

 

الجميع كان منصت.

 

أما أنا فكنت واقفة عند باب الصالون وقلبي بيدق بعنف.

 

أكمل الرجل:

 

“بس أنا جاي أسألك سؤال واحد.”

 

أبويا لم يرد.

 

فقال:

 

“لو بنتك كانت ناوية تعمل حاجة غلط…”

 

“كانت هتقولك بنفسها إنها في الشقة؟”

 

ساد الصمت.

 

صمت ثقيل جدًا.

 

لأول مرة منذ أيام…

 

لم يجد أبي ردًا سريعًا.

 

والد خطيبي أكمل بهدوء:

 

“البنت ردت عليك فورًا.”

 

“وقالتلك مكانها.”

 

“ولو كانت خايفة أو مخبية حاجة كانت كذبت.”

 

أمي بدأت تبكي بصمت.

 

وأخويا هز رأسه موافقًا.

 

أما أبي…

 

فظل ساكتًا.

 

لأول مرة.

 

ثم قال بصوت أخف من المعتاد:

 

“الناس.”

 

نظر الجميع إليه.

 

قال:

 

“إنت مش فاهم.”

 

“الناس هتقول إيه؟”

 

هنا تنهد والد خطيبي.

 

وقال جملة غيرت اتجاه الحديث كله:

 

“الناس اتكلمت يوم كتب الكتاب.”

 

“واتكلمت يوم الخطوبة.”

 

“وهتتكلم يوم الفرح.”

 

“وهتتكلم حتى بعد ما نموت.”

 

“لكن بنتك هي اللي هتعيش عمرها كله بالقرار اللي هتاخده النهارده.”

 

الصمت رجع من جديد.

 

لكن هذه المرة كان مختلفًا.

 

كأن الكلمات أصابت مكانًا حساسًا داخل أبي.

 

مرت دقائق طويلة.

 

ثم نهض والد خطيبي.

 

وقال:

 

“أنا قلت اللي عندي.”

 

“والقرار قرارك.”

 

واتجه نحو الباب.

 

وقبل أن يخرج…

 

التفت نحوي.

 

وقال:

 

“ارفعي راسك يا بنتي.”

 

ثم غادر.

 

في تلك الليلة…

 

لم ينم أحد في البيت.

 

وأنا أيضًا لم أنم.

 

كنت أبكي كلما تذكرت ما حدث أمام العمارة.

 

وكلما تذكرت نظرات الناس.

 

وكلما تخيلت أن فرحي قد يضيع.

 

لكن المفاجأة جاءت صباح اليوم التالي.

 

عندما استيقظت على صوت أبي يناديني.

 

بصوته العادي.

 

لأول مرة منذ أسبوع.

 

خرجت من غرفتي مترددة.

 

وجدته جالسًا في الصالة.

 

أمامي مباشرة.

 

وأشار إلى الكرسي المقابل.

 

جلست.

 

وقلبي يكاد يخرج من صدري.

 

نظر إليّ طويلًا.

 

ثم قال:

 

“إنتي زعلانة مني؟”

 

في اللحظة دي…

 

لم أتمالك نفسي.

 

وانفجرت بالبكاء.

 

بكاء الأيام كلها.

 

وبكاء الإهانة.

 

وبكاء الخوف.

 

وبكاء الفرح الذي كنت أراه ينهار أمام عيني.

 

ظل أبي صامتًا وهو يسمعني.

 

حتى انتهيت.

 

ثم قال بصوت مكسور لم أسمعه منه من قبل:

 

“أنا خوفت عليكي.”

 

رفعت رأسي نحوه.

 

فأكمل:

 

“بس يمكن خوفي خلاني أوجعك أكتر من اللازم.”

 

كانت هذه أول مرة يعترف فيها بشيء منذ بداية الأزمة.

 

وأول مرة أشعر أن الجدار الذي بيننا بدأ يتصدع.

 

لكنني لم أكن أعلم…

 

أن المفاجأة الأكبر ما زالت تنتظرنا قبل موعد الفرح بيومين فقط.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *