بعد الوفاه حكـايـات أسمـا ×1
بعد وفاة زوجته بثلاثة أسابيع، بدأ أب بسيط يرتدي ملابسها كل صباح حتى لا تشعر ابنته الصغيرة بأنها فقدت أمها. سخر منه الجميع وصوروه بهواتفهم، لكن خلال حفل عيد الأم وقفت الطفلة أمام الميكروفون وكشفت سرًا مرعبًا عن وفاة والدتها، ثم أشارت إلى مديرة المدرسة وقالت جملة جعلت الحضور يتجمدون في أماكنهم.
— استحي على دمك وقولها ان امها ماتت..
قالت إحدى الأمهات ذلك وهي ترفع هاتفها لتصورني دون أي خجل.
كنت أرتدي فستان زوجتي الأصفر…وشعرًا مستعارًا بني اللون بالكاد استقر فوق رأسي.
وحذاءً نسائيًا جعل قدمي تؤلمانني مع كل خطوة.
وبجواري كانت ابنتي ريم ذات الخمس سنوات تمسك يدي بقوة.كأنها تخشى أن ينتزعها العالم كله مني.
اسمي أحمد عبدالسلام.عامل بناء.
يدي مليئتان بالشقوق والخشونة.
ولم أضع أحمر شفاه في حياتي قبل ذلك الشهر…لكن قبل ثلاثة أسابيع فقط دفنت زوجتي سارة.
ومنذ ذلك اليوم…توقفت ريم عن النوم.
عن الأكل.وعن الكلام داخل الحضانة.
في الليلة التالية للجنازة سألتني سؤالًا كسر قلبي.
قالت:— الأطفال اللي مالهمش أم… الناس بتشفق عليهم؟
قلت فورًا: لا يا حبيبتي.
اختبأت تحت الغطاء.
ثم همست: متقولش لحد إن ماما ماتت… هيضحكوا عليا.
في اليوم التالي…
وقفت أمام بوابة حضانة “البراعم السعيدة”.
وتشبثت ريم بساقي.وقالت:
— ماما هتيجي تاخدني؟
كان يجب أن أقول الحقيقة.لكنني لم أستطع.
فقلت:أيوه.
وهكذا بدأت الكذبة.اشتريت شعرًا مستعارًا مستعملًا من السوق.
وأخرجت بعض ملابس سارة من الخزانة.
وفي أول يوم ارتديت تنورة طويلة ونظارة شمسية وعطرها المفضل.
وعندما خرجت ريم من الفصل ورأتني…
ركضت نحوي وهي تصرخ بسعادة:ماما جت!
في تلك اللحظة شعرت بالخجل.والحزن.والراحة.
كلها معًا.
ومنذ ذلك اليوم…
كنت أستيقظ قبل الفجر.
أحلق ذقني بعناية.
وأضع القليل من أحمر الشفاه أمام المرآة المكسورة في الحمام.
وأحاول تقليد صوت نسائي لا يشبه النساء إطلاقًا.
انتشرت فيديوهاتي في موقع العمل.
كان العمال يضيفون إليها موسيقى ساخرة ويضحكون.
لكني تحملت…لأن ريم عادت تتناول الإفطار.
وعادت تبتسم.ولم تعد تبكي كل صباح.
لكن المشكلة الحقيقية بدأت مع احتفال عيد الأم.
وصلت الدعوة من الحضانة.وكان مكتوبًا فيها:
“حضور الأم إلزامي.”
حاولت ريم أن تبدو قوية.
وقالت: بلاش تيجي يا بابا.
— هقولهم إن ماما مسافرة.
أن تسمع طفلة في الخامسة تتنازل عن حقها لتحميك…
كان مؤلمًا أكثر من أي سخرية.
في صباح الحفل…
ارتديت فستان سارة الأصفر المفضل.
وعند مدخل العمارة أوقفتني الحاجة أمينة، جارتنا العجوز.
نظرت إلي للحظات.
ثم عدلت الشعر المستعار فوق رأسي.
وقالت: سارة كانت بتفرق شعرها من الناحية التانية.
ثم أضافت بصوت منخفض: وخلي بالك من البنت.
— في ناس ما بترحمش حتى الميتين.
لم أفهم وقتها ما تقصده.
—
كان فناء الحضانة مليئًا بالبالونات الوردية.والأغاني.
والهواتف المرفوعة نحوي.
مديرة الحضانة ريهام الشاذلي استقبلتني بابتسامة جامدة.
أما المعلمة منى فكانت تتجنب النظر في عيني تمامًا.
بدأ الحفل.
وصعد الأطفال واحدًا تلو الآخر ليتحدثوا عن أمهاتهم.
ثم جاء دور ريم.
صعدت إلى المسرح الصغير.
وفي يدها بطاقة بنفسجية.
وقالت أمام الجميع:
— أنا بحب ماما لأنها حتى بعد ما ماتت…
ثم توقفت.
ونظرت نحوي.
وأكملت:
— بابا بيلبس هدومها علشان قلبي ما يوجعنيش هنا.
وضعت يدها فوق صدرها.
وساد الصمت.
اختفت الضحكات.
واختفت السخرية.
لكن ريم لم تنتهِ.
رفعت رأسها وقالت:
صلـوا علي محمد في التعلـيقات وانتظروا البقيـه ـ حكـايـات أسمـا السـيد
رفعت ريم رأسها الصغير نحو الحضور.
وعيناها الواسعتان كانتا تلمعان بالدموع.
ثم أشارت بإصبعها الصغير نحو الصف الأول حيث كانت مديرة الحضانة ريهام الشاذلي تجلس.
وقالت بصوت واضح وصل لكل شخص في المكان:
— وهي اللي خلت ماما تعيط قبل ما تموت.
في ثانية واحدة…
تجمد الجميع.
بعض الأمهات أنزلن هواتفهن.
وآخرون التفتوا نحو المديرة بصدمة.
أما ريهام فابتسمت ابتسامة مرتبكة وقالت بسرعة:
— يا حبيبتي أكيد فاهمة غلط…
لكن ريم هزت رأسها بعنف.
— لأ.
ثم ضمت البطاقة البنفسجية إلى صدرها.
— أنا سمعتك.
بدأ الهمس ينتشر بين الحضور.
وأحسست بقشعريرة تسري في ظهري.
لأن ريم لم تخبرني بهذا من قبل.
أبدًا.
اقتربت المعلمة منى من المسرح بسرعة.
لكن ريم أمسكت الميكروفون بكلتا يديها وقالت:
— قبل ما ماما تدخل المستشفى كانت قاعدة في العربية وبتعيط.
وسمعتها بتقول في التليفون:
“أنا مش هسكت على اللي عملتوه.”
ثم أشارت مرة أخرى نحو ريهام.
— وكانت بتتكلم معاها.
تغير لون وجه المديرة.
وأصبح شاحبًا بشكل مخيف.
في تلك اللحظة…
سقط الميكروفون من يد ريم.
وركضت نحوي.
احتضنتها بقوة.
وشعرت بقلبها الصغير يدق بعنف.
أما الحفل…
فانتهى عمليًا.
لم يعد أحد يهتم بالأغاني.
ولا بالبالونات.
ولا بالتصوير.
الجميع كانوا ينظرون إلى ريهام.
—
بعد انتهاء الحفل مباشرة…
اقتربت مني المعلمة منى.
كانت ترتجف.
وقالت بصوت منخفض:
— لازم أتكلم معاك.
أخذتني إلى غرفة فارغة خلف المسرح.
وأغلقت الباب.
ثم انفجرت بالبكاء.
قالت:
— مراتك ما ماتتش زي ما قالوا لك.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
— إيه؟
رفعت رأسها بصعوبة.
— سارة كانت جاية الحضانة قبل ما تموت بأسبوع.
وكان معاها ملف.
وقالت إنها اكتشفت مصيبة.
ابتلعت ريقي.
— مصيبة إيه؟
نظرت حولها وكأن أحدًا سيسمعها.
ثم همست:
— كانوا بيسرقوا تبرعات الأطفال.
تجمدت في مكاني.
—
قبل عامين كانت الحضانة تجمع تبرعات ضخمة باسم الأطفال الأيتام والمرضى.
وسارة كانت تعمل محاسبة في إحدى الجمعيات الخيرية.
وبالصدفة اكتشفت أن مبالغ كبيرة تختفي.
وأسماء أطفال لا وجود لهم أصلًا.
وحسابات بنكية وهمية.
والاسم الذي تكرر في الأوراق كلها كان اسمًا واحدًا.
ريهام الشاذلي.
مديرة الحضانة.
قالت منى وهي تمسح دموعها:
— سارة جمعت الأدلة كلها.
وكانت ناوية تبلغ.
لكن بعدها بأيام…
عملت الحادثة.
الحادثة التي قالوا إنها قضاء وقدر.
وإن الفرامل خانتها.
وإنها فقدت السيطرة على السيارة.
لكن منى همست:
— سارة كانت متأكدة إن حد بيهددها.
شعرت ببرودة قاتلة في أطرافي.
لأنني تذكرت شيئًا فجأة.
قبل وفاة سارة بيومين…
استيقظت في منتصف الليل.
ووجدتها جالسة في الصالة.
تحدق في الظلام.
وعندما سألتها ما بها…
قالت:
— لو حصلي حاجة… خليك جنب ريم.
وقتها ظننت أنها مرهقة.
ولم أفهم معنى كلامها.
أما الآن…
فكل شيء بدأ يتغير.
—
عدت إلى المنزل وأنا أحمل ريم بين ذراعي.
كانت نائمة من شدة التعب.
وضعتُها على السرير.
وجلست وحدي في غرفة النوم.
أحدق في صور سارة.
وفي الفستان الأصفر الذي ما زلت أرتديه.
وفجأة تذكرت كلامًا قديمًا.
الحاجة أمينة.
جارتنا العجوز.
عندما قالت لي صباح الحفل:
“في ناس ما بترحمش حتى الميتين.”
قفزت من مكاني.
ونزلت إليها فورًا.
فتحت الباب وكأنها كانت تنتظرني.
نظرت إلى وجهي.
ثم قالت:
— أخيرًا فهمت؟
قلت بسرعة:
— تعرفي حاجة عن سارة؟
تنهدت.
ثم دخلت إلى غرفتها.
وعادت بعد دقائق تحمل ظرفًا بنيًا قديمًا.
وقالت:
— سارة ادتهولي قبل ما تموت بثلاث أيام.
وقالت لو جرالها حاجة أسلمهولك.
شعرت أن يدي ترتجفان.
أخذت الظرف.
وفتحته ببطء.
وفي داخله…
فلاشة صغيرة.
وصورة.
الصورة كانت لريهام الشاذلي.
لكنها لم تكن وحدها.
كان يقف بجوارها رجل أعرفه جيدًا.
رجل ظهر في جنازة سارة.
وتطوع لمساعدتي في إنهاء إجراءات الدفن.
الرائد سامح فوزي.
ضابط الشرطة الذي أكد أن الحادث مجرد قضاء وقدر.
وفي ظهر الصورة كتبت سارة بخط يدها:
“إذا كنت تقرأ هذا الآن… فمعنى ذلك أنني كنت على حق.”
وعندها فقط…
أدركت أن موت زوجتي ربما لم يكن حادثًا على الإطلاق.
وأن السر الحقيقي لم يبدأ يوم وفاتها…
بل بدأ يوم قررت أن تكشف الحقيقة.