أمي حكايات اسما
طردوني من البيت كأني حمل تقيل… وهدومي مرمية في الطين، لكن مع طلوع الفجر شنطة أوراق كشفت السر اللي ابني كان مخبيه عني سنين
الجزء الأول
“اطلعي بره يا أمي… البيت ده مبقاش بيتك، وإنتِ بقيتي عبء علينا.”
الكلمة دي رماها في وشي ابني الوحيد “محمود”، وهو بيرمي شنطتي على الأرض قدام باب الشقة في عز المطر. كان عندي 72 سنة، لابسة جاكيت قديم، وإيديا بتترعش من البرد والوجع، والمطر نازل على القاهرة كأنه عقاب.
مراته “داليا” كانت واقفة وراه، حاطة إيديها في وسطها، وبتبصلي كأني كيس زبالة أخيرًا اتخلصوا منه.
قالتلي ببرود: “بلاش تمثيل يا طنط فاطمة… إنتِ اللي جبتي ده لنفسك.”
ما رديتش.
بصيت على الشنطة المفتوحة، هدومي غرقانة في الميه والطين، وصور جوزي الله يرحمه “عبد الرحمن” لازقة في الأرض. في البيت ده أنا ربيت ولادهم، طبخت، غسلت، سهرت، واديت محمود فلوس تحويشة عمري لما قالّي إنه هيفتح مشروع وهيقف على رجليه.
لكن في الليلة دي… بقيت بالنسبة لهم مالهاش لازمة.
الباب اتقفل في وشي بخبطة كسرت قلبي قبل وداني.
مشيت تحت المطر من غير ما أعرف رايحة فين. رجلي شالتني لحد ما وقفت تحت كوبري قريب من العباسية. قعدت على شنطتي المبلولة، حضنت نفسي، وحاولت أمنع جسمي من الانهيار. العربيات كانت بتعدي، والناس مستعجلة، ومحدش بصلي. في مدينة كبيرة زي القاهرة، ست عجوزة بتعيط في الشارع مش حاجة توقف الدنيا.
ماعيطتش من البرد.
عيطت عشان صوت ابني كان لسه بيرن في ودني: “عبء.”
نفس الطفل اللي شلته وهو سخن وتعبان. نفس الولد اللي كنت بسيبله آخر لقمة. نفس الابن اللي بعت دهب جوازي عشان أعلمه ويدخل كلية محترمة.
قرب الفجر، سمعت خطوات ناحية المكان اللي قاعدة فيه. افتكرت إن حد جاي يسرق اللي فاضلي. رفعت عيني بخوف، لقيت أختي الصغيرة “سعاد” واقفة قدامي.
ماشوفتهاش من سنين.
كانت غرقانة من المطر، وشعرها لازق في وشها، لكن عينيها كان فيهم غضب أعرفه كويس.
نزلت على ركبها قدامي وقالت: “فاطمة…”
ما سألتنيش إيه اللي حصل. ماعاتبتنيش. شالتني من إيدي، خدت الشنطة، وركبتني عربيتها. جوه العربية كان فيه ريحة قهوة وبطانية نضيفة. حطت جاكيت على كتافي وقالت بحسم: “إنتِ جاية معايا إسكندرية… والمرة دي مش هتسكتي عشان تلمي العيلة.”
قفلت عيني.
ماكنش عندي قوة أجادل.
مع طلوع الشمس، وقفنا في استراحة على طريق إسكندرية عشان نرتاح. سعاد جابتلي هدوم ناشفة وشوربة سخنة، وبعدين طلعت شنطة جلد بني مليانة ورق.
قالتلي: “بكرة هنمضي حاجات مهمة… محمود ميعرفش هو صحّى إيه برجله.”
افتكرتها بتتكلم من الغضب.
لكن لما فتحت الشنطة، لقيت صور عقود، حسابات بنكية، وأوراق كلها باسمي.
بصتلي سعاد وقالت: “اللي ابنك كان بيحاول ياخده منك… عمره ما كان بتاعه.”
وساعتها فهمت إن الليلة اللي قضيتها تحت الكوبري ماكنتش النهاية.
دي كانت البداية.
الجزء الثاني
تاني يوم الصبح، سعاد خدتني على شقة في إسكندرية، في منطقة هادية قريبة من البحر. كنت قاعدة جنبها في العربية ساكتة، ببص على الشوارع والبحر اللي بيبان من بعيد، ومش فاهمة إزاي أختي ماشية كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
وقفنا قدام عمارة شيك، فيها جنينة صغيرة وبواب سلم على سعاد بالاسم.
قال باحترام: “نورتي بيتك يا حاجة فاطمة.”
افتكرته غلطان.
طلعنا الدور الخامس. سعاد فتحت باب شقة واسعة، نور الشمس داخلها من كل حتة، وفيها بلكونة شايفة البحر. العفش بسيط ونضيف، والمطبخ مرتب، وفي أوضة نوم عليها مفرش أزرق… نفس اللون اللي بحبه.
قالت سعاد بهدوء: “الشقة دي بتاعتك.”
ضحكت.
مش عشان الكلام مضحك… لا، من كتر التوتر.
قلت: “بطلي كلام فارغ يا سعاد.”
طلعت ظرف تاني وقالت: “كلها باسمك. اشتريتها من سنتين لما فهمت إن محمود بيسحب منك واحدة واحدة. كمان فيه حساب محمي فيه فلوسك، وجزء من حقك في أرض أبويا اللي اتباعت. ماقولتلكيش عشان عارفة إنك لو عرفتي كنتي هتديهاله تاني.”
قعدت على أقرب كرسي عشان رجلي ماعدتش شايلاني.
سنين ومحمود مفهمني إني ماعنديش حاجة. إني عايشة في بيته برحمته. إني لازم أشكره على الأكل والسقف وحتى النفس اللي بتنفسه.
وفي الآخر طلع هو اللي كان مخبي عني ورقي، وبيمضي حاجات ورا ضهري، وبيستخدم معاشي عشان يسدد ديونه.
سعاد اتصلت بمحامية اسمها “نهى الشافعي”. ست محترمة، كلامها هادي لكن حاسم، صوتها زي الس*كينة المغلفة بحريرة. في نفس اليوم راجعت الورق كله.
قالتلي: “ابنك حاول يعمل توكيل عام لنفسه عشان يدير حساباتك بحجة إن حالتك الصحية مش مستقرة. وكمان سأل عن بيت قديم في المعادي لسه باسمك.”
حسيت بغضب، لكن فوق الغضب كان فيه كسوف من نفسي.
إزاي ماخدتش بالي؟
سعاد مسكت إيدي وقالت: “عشان إنتِ أم يا فاطمة… وفي أولاد كتير بيستغلوا قلب الأم.”
بعد تلات أيام، محمود وصل العمارة ومعاه داليا. لابسين شيك كأنهم رايحين مناسبة. هو شايل ورد، وهي شايلة علبة حلويات.
قال بابتسامة مزيفة: “ماما… قلقتينا عليكي جدًا.”
كنت قاعدة في الريسبشن تحت مع سعاد وبعض الجيران.
سعاد ردت بحدة: “غريبة… من أربع ليالي كنتوا سايبينها في الشارع تحت المطر.”
محمود وطى صوته: “يا خالتي، ده موضوع عائلي.”
قالت سعاد: “لا. ده بقى موضوع قانوني.”
داليا حاولت تتكلم بنعومة: “إحنا بس عايزين نساعد طنط فاطمة. هي تعبانة ومش واعية كويس.”
الكلمة وجعتني.
“مش واعية.”
نهى المحامية كانت واقفة، طلعت ملف وحطته على الترابيزة.
قالت: “طالما مش واعية، ممكن تفسرولي ليه حاولتوا تخلوها تمضي على موافقة بيع بيتها من أسبوعين؟”
وش محمود اصفر.
الجيران بصوا لبعض. والبواب قرب خطوة.
داليا حاولت تضحك: “الكلام ده مش صحيح.”
نهى طلعت نسخ من رسايل ومحادثات، فيها داليا بتسأل عن موثق “مضمون وساكت” ممكن يروح البيت من غير دوشة.
الصمت نزل تقيل.
بصيت لابني.
كنت مستنية أشوف ندم.
لكن اللي شفته كان خوف.
قال محمود بصوت واطي: “ماما… إنتِ مش فاهمة. إحنا عملنا كده عشان مصلحتك.”
افتكرت شنطتي في الطين. صوري المبلولة. جسمي اللي كان بيرتعش تحت الكوبري.
وقفت وقلت: “ما تقولش تاني إنك كنت بتدمرني عشان مصلحتي.”
حاول يقرب، لكن البواب وقف في طريقه. داليا شدت محمود من دراعه وخرجوا وهما مولعين من الغيظ.
في الليلة دي ماعرفتش أنام. افتكرت إنهم لما اتكشفوا خلاص هيبعدوا.
لكن الصبح وصل ظرف من غير اسم.
جواه أوراق بتقول إن محمود وداليا هيبدأوا إجراءات عشان يثبتوا إني غير قادرة على إدارة أملاكي.
وفي آخر ورقة كانت فيه توقيع باسمي.
لكن أنا عمري ما مضيت.
لما نهى شافت الورق، وشها اتغير وقالت: “يا حاجة فاطمة… ده مبقاش استغلال عائلي. ده تزوير… وممكن يدخلهم السجن.”
الجزء الثالث
الجلسة كانت يوم خميس الصبح في المحكمة. رحت لابسة فستان بسيط كحلي، وشعري ملموم، وصورة عبد الرحمن في شنطتي. ماكنتش رايحة أصرخ. ولا أترجى. كنت رايحة أقول الحقيقة.
محمود وداليا كانوا قاعدين في الناحية التانية. هو مش قادر يبصلي، وهي لابسة نضارة سودا جوه القاعة، كأنها ممكن تخبي بيها فضيحتها.
محاميهم حاول يقول إني متأثرة بكلام أختي، وإن قراراتي اندفاعية، وإن سني بيخليني ضعيفة. وقتها نهى قدمت تقارير طبية بتثبت إن ذاكرتي سليمة، ووعيي كامل، وحالتي مستقرة.
وبعدين جات الضربة الأقوى.
خبير الخطوط أكد إن توقيعي مزور. والموثق اللي اسمه مكتوب على الورق قال إنه عمره ما شافني. وفوق كل ده، تاريخ الورقة كان نفس يوم كنت فيه محجوزة في المستشفى بعد وقعة، ومحمود نفسه ماجاش يشوفني.
القاضية بصت لمحمود من فوق نضارتها وقالت: “أستاذ محمود عبد الحميد، هل ما زلت متمسكًا بأن والدتك هي من وقعت على هذا المستند؟”
محمود فتح بقه… لكن ماطلعش صوت.
داليا بدأت تعيط.
مش عليا.
على نفسها.
القاضية ألغت كل الأوراق، وأمرت بحماية ممتلكاتي، وتحويل الملف للنيابة بتهم التزوير ومحاولة النصب واستغلال سيدة مسنة.
لما خرجنا، محمود لحقني في الطرقة.
قال: “ماما… أنا ماكنتش فاكر الموضوع هيوصل لكده.”
بصيتله.
بصيت للولد اللي كان يومًا حياتي كلها، واللي بقى جرح بحاول أقفله.
قلت: “دي كانت مشكلتك يا ابني. إنك كنت فاكرني هفضل مستحملة.”
عيط.
لأول مرة من سنين، بان قدامي كأنه طفل صغير.
لكن أنا ماعدتش الأم اللي تخلط دموعه بالندم.
قلتله: “أنا اديتك عمري… بس مش هديك كرامتي.”
ومشيت مع سعاد من غير ما أبص ورايا.
مع الوقت، محمود خسر شغله وسمعته. داليا سابته وراحت تعيش عند أهلها في طنطا. أحفادي جم يدوروا عليا بعد شهور، تايهين وزعلانين. دول فتحتلهم الباب، لأن الأطفال مايشيلوش ذنب الكبار. لكن حطيت حدود. واضحة. ثابتة. من غير خوف.
أما بيت المعادي، فقررت أتبرع بيه لمؤسسة عملتها مع نهى وسعاد. سميناها “لسنا عبئًا”. مؤسسة بتساعد الستات الكبيرات اللي عيالهم رموهم، والأرامل اللي مش عارفين يحموا حقوقهم، والجدات اللي بيربوا أحفادهم لوحدهم. كل شهر بنعمل ندوات مجانية في الجمعيات والمساجد ومراكز الشباب.
في يوم، ست عندها تمانين سنة قربت مني بعد ندوة في شبرا. مسكت إيدي وقالت: “أنا كنت فاكرة إن الوقت فات عليا.”
قلت لها الجملة اللي أنا نفسي اتعلمتها بالعافية: “الوقت يفوت بس لما الواحد يصدق إنه خلص.”
دلوقتي أنا عايشة قدام البحر. كل صباح بمشي مع سعاد. نشرب قهوة، ناكل فطير، نتخانق على حاجات تافهة، وساعات نعيط على كل اللي سمحنا بيه زمان باسم العيلة.
محمود عمره ما اعتذر بجد. بعت جواب عن طريق المحامي، بيقول فيه إنه متنازل عن أي مطالبة بأملاكي. ماكتبش “سامحيني”. ماكتبش “آسف”. بس كتب إنه موافق على الشروط.
ومع ذلك… نمت مرتاحة.
لأني ماكنتش محتاجة اعتذاره عشان أسترد سلامي.
وفي ليلة شتوية، المطر رجع يض*رب الشبابيك بقوة. قعدت ببطانية على رجلي، وافتكرت شنطتي وهي مرمية في الطين. افتكرت الكوبري، والبرد، والكسرة.
لكن المرة دي ماوجعنيش بنفس الطريقة.
لأني فهمت حاجة ستات كتير بيتعلموها متأخر:
إن الطيبة مش معناها إنك تسمحي لحد يدوس عليكي.
وإن الأمومة مش معناها إنك تبقي ملك لأولادك.
وإن الكبر في السن مش معناه إنك تختفي.
أحيانًا الحياة بتاخد منك بيت… عشان توريكي إنك لسه تقدري تبني وطن.
وأحيانًا اللي بيسميكي عبء… بيكتشف في الآخر إنك كنتي العمود الوحيد اللي شايل كل حاجة.
وأحيانًا الست اللي كلهم افتكروها اتكسرت…
بتكون بس مستنية اللحظة المناسبة عشان تقوم.
