عشاء عائلي حكـايـات أسمـا ×1
— هو ده عشايا… ولا بواقي الأكل اللي اترمت للقطط؟
خرج السؤال من فمي الساعة العاشرة والنصف مساءً، بعدما وصلت إلى البيت وقد تورمت قدماي من التعب، وجف حلقي، وأوشك جسدي على الانهيار بعد ما يقرب من خمس عشرة ساعة عمل متواصلة.
اسمي سلمى عبد الرحمن، أبلغ من العمر سبعة وثلاثين عامًا، وأشغل منصب مديرة العمليات في شركة توزيع كبرى بالقاهرة.
في ذلك اليوم خرجت من اجتماع طويل في التجمع الخامس، ثم قضيت ساعات وسط الزحام والأبواق والأمطار، وكل ما كنت أفكر فيه هو العودة إلى منزلي، وخلع حذائي، وتناول وجبة ساخنة.
لكن عندما فتحت باب الشقة…
لم يلتفت أحد.
كان التلفاز يعمل بأعلى صوت.
زوجي كريم كان مستلقيًا على الأريكة يلعب ألعاب الفيديو وفي يده علبة مشروب.
أما شقيقته داليا فكانت تبث فيديو مباشرًا من غرفة الطعام، متأنقة كأنها إحدى مشاهير مواقع التواصل، رغم أنها لم تعمل يومًا كاملًا في حياتها.
أما حماتي الحاجة فاطمة فكانت تجلس في مكانها المعتاد كملكة على عرشها، تتابع مسلسلًا تلفزيونيًا وذراعاها متشابكتان.
لم يقل أحد:
“حمد الله على السلامة.”
لم يسأل أحد:
“اتعشيتي؟”
ولم يلاحظ أحد أنني ما زلت مبتلة من المطر.
وضعت حقيبتي على أحد المقاعد واتجهت إلى المطبخ.
وهناك…
شعرت بصفعة باردة على قلبي.
لم يكن هناك طعام على الموقد.
وعلى الطاولة وجدت طبقًا يحتوي على بعض الأرز اليابس الملتصق، وعظمة سمكة شبه فارغة، وشوربة خفيفة إلى درجة أنها بدت كماء متسخ.
لم تكن مغطاة.
ولم تكن دافئة حتى.
وقفت أحدق في الطبق لثوانٍ طويلة، غير قادرة على التنفس.
لم يكن الجوع هو ما شعرت به.
بل الإهانة.
حملت الطبق وسرت به إلى غرفة الجلوس، ثم وضعته على الطاولة أمام الحاجة فاطمة مباشرة.
— ده اللي سايبينهولي؟
لم تتحرك من مكانها.
فقط نظرت إليّ من أعلى إلى أسفل بابتسامة صغيرة طالما غرستها في صدري كالإبر طوال السنوات الثلاث الماضية.
— رجعتي متأخر يا سلمى… وفي البيت ده العيلة بتاكل الأول.
خفض كريم صوت اللعبة قليلًا، لكنه لم يقل شيئًا.
أما داليا فضحكت بخفة وهي تغطي فمها بيدها.
— وبعدين لو مرتبك كبير أوي كده، اطلبي أكل من بره… متكبريش الموضوع.
شعرت بشيء بداخلي ينكسر ببطء.
لأن هذه الشقة…
وهذه الصالة…
وهذا التلفاز…
والإنترنت…
والطعام…
والملابس التي تستعرضها داليا في فيديوهاتها…
وحتى أدوية الحاجة فاطمة…
كل ذلك كان يُدفع من راتبي أنا.
كان كريم يعمل في محل لقطع غيار السيارات، وراتبه بالكاد يكفي مصروفاته الشخصية.
لم أعايره يومًا بأنه يكسب أقل مني.
بل عندما تزوجنا كنت أؤمن أن الزواج شراكة.
لكن في مرحلة ما…
توقفت عن أن أكون زوجة.
وأصبحت مجرد بطاقة بنكية.
جاءت الحاجة فاطمة لتقيم معنا “أسبوعين فقط” بعد خلاف مع إحدى جاراتها في شبرا.
ولم تغادر أبدًا.
ثم جاءت داليا بحقائبها مدعية أنها تريد أن “تبدأ حياة جديدة”.
ولم تغادر هي الأخرى.
في البداية كنت صبورة.
أطبخ.
وأدفع.
وأشتري.
وأحل المشكلات.
وأقنع نفسي أن هذه هي العائلة.
لكن تلك الليلة، وأنا أنظر إلى ذلك الطبق البائس، أدركت أنهم لم يعودوا ممتنين.
بل اعتادوا الأمر.
— كريم… مش هتقول حاجة؟
تنهد بضيق وكأنني طفلة تفتعل مشكلة.
— يا سلمى، بلاش نكد… أمي مش خدامة عندك.
سقطت الجملة كصفعة على وجهي.
وأنا أيضًا لم أكن خادمة لأحد.
لكنهم عاملوني كذلك لثلاث سنوات كاملة.
نهضت الحاجة فاطمة ببطء، وأمسكت الطبق، ثم دفعته نحوي.
— لو مش عاجبك متاكليش… لكن متعمليش مشاهد في بيتي.
في بيتها؟
حدقت فيها.
— بيتك؟
ابتسمت بثقة متعجرفة.
— البيت اللي ساكن فيه ابني يبقى بيتي.
لم يصحح كريم كلامها.
أما داليا فواصلت التصوير، رغم أنها خفضت هاتفها قليلًا عندما رأت نظراتي.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
ولم أرمِ الطبق.
فقط أومأت برأسي.
— تمام.
قطب كريم حاجبيه.
— يعني إيه تمام؟
حملت حقيبتي، وأخذت مفاتيحي من فوق الطاولة، ثم اتجهت إلى غرفتي.
— يعني أخيرًا فهمت مكاني الحقيقي هنا.
أغلقت الباب بالمفتاح.
وفي تلك الليلة لم أتناول العشاء.
جلست على حافة السرير بمعطفي المبتل، أستمع إلى ضحكاتهم خلف الجدار، وهمسات حماتي، وصوت كريم وهو يقول:
— هتهدى… دايمًا بتهدى.
لكن هذه المرة…
لم أكن سأتجاوز الأمر.
فتحت تطبيق البنك.
وراجعت كل التحويلات الشهرية التي أدفعها:
مصاريف العمارة.
الطعام.
الكهرباء.
الإنترنت.
فاتورة هاتف داليا.
التأمين الطبي للحاجة فاطمة.
وحتى أقساط بطاقة ائتمانية كان كريم يعدني دائمًا بأنه “سيردها لاحقًا”.
توقفت يداي عن الارتجاف.
وبهدوء شديد…
ألغيت جميع المدفوعات التلقائية.
واحدة تلو الأخرى.
ثم فتحت مجلدًا آخر في بريدي الإلكتروني.
مجلدًا لا يعلم أحد في تلك الشقة بوجوده.
أوراق الشقة.
عقد الشراء.
إثبات الملكية.
وجميع المستندات التي تثبت أن الشقة اشتريتها قبل زواجي بسنوات.
تنفست بعمق.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت براحة خطيرة.
في الخارج، قالت الحاجة فاطمة بصوت مرتفع كي أسمعها:
— نشوف بقى هيستمر غرورها قد إيه لما تفتكر إن الست المتجوزة ماينفعش تمشي بمزاجها.
وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة.
لم يكونوا يريدون أموالي فقط.
كانوا يريدون إرادتي أيضًا.
ولم أكن أتخيل ما الذي سيحدث بعد ذلك..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
@أبرز المعجبين
الفصل الثاني
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى قبل الجميع.
لم تنم أكثر من ساعتين.
لكن الغريب أنها لم تشعر بالتعب.
بل شعرت بشيء آخر.
هدوء.
ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة.
خرجت من غرفتها بهدوء، وارتدت ملابس العمل، ثم توجهت إلى المطبخ.
وجدت الحاجة فاطمة هناك.
كانت تحضر الشاي لنفسها.
نظرت إليها بطرف عينها ثم قالت بسخرية:
— الحمد لله… رجعتي لطبيعتك بسرعة.
ابتسمت سلمى.
ابتسامة صغيرة أربكتها.
— فعلاً… رجعت لطبيعتي.
قطبت الحاجة فاطمة حاجبيها.
لكنها لم تفهم المقصود.
دخل كريم بعد دقائق وهو يتثاءب.
جلس على الطاولة وقال:
— اعمليلي قهوة بسرعة عشان متأخر.
رفعت سلمى رأسها نحوه.
— اعملها لنفسك.
ساد الصمت.
حتى صوت الثلاجة بدا أعلى من المعتاد.
رفع كريم عينيه بدهشة.
— نعم؟
— سمعتني.
تدخلت الحاجة فاطمة فورًا.
— هو إيه اللي سمعك؟ ده جوزك.
أخذت سلمى حقيبتها.
— وأنا مراته… مش خدامته.
ثم خرجت من الشقة.
وتركتهم ينظرون لبعضهم في صدمة.
—
في منتصف النهار كانت داليا تتسوق كعادتها عبر الإنترنت.
لكن بطاقتها البنكية رفضت الدفع.
حاولت مرة.
واثنتين.
وثلاثًا.
ثم اتصلت بسلمى غاضبة.
— في مشكلة في الكارت.
ردت سلمى بهدوء:
— لا مفيش.
— طب ليه العملية اترفضت؟
— لأنني أوقفت تحويل مصروفك الشهري.
ساد صمت قصير.
ثم انفجرت داليا.
— يعني إيه أوقفتيه؟
— يعني هتصرفي من فلوسك.
— وأنا معنديش شغل!
— دي مش مشكلتي.
وأغلقت الهاتف.
—
في المساء عاد كريم إلى المنزل غاضبًا.
كانت الكهرباء مقطوعة.
والإنترنت متوقفًا.
والمكيف لا يعمل.
صرخت داليا من غرفتها:
— النت فصل!
أما الحاجة فاطمة فكانت تلوح بفاتورة الكهرباء في الهواء.
— إيه اللي حصل؟
وصلت سلمى بعد دقائق.
وضعت حقيبتها بهدوء.
ثم قالت:
— المدفوعات التلقائية اتلغت.
شهقت داليا.
— إنتِ اتجننتي؟
— لا.
— هنعيش إزاي؟
— زي أي ناس بتصرف على نفسها.
ضرب كريم الطاولة بيده.
— إنتِ بتعاقبينا؟
نظرت إليه مباشرة.
— لا يا كريم.
أنا فقط توقفت عن تمويل ناس شايفين إني مجرد ماكينة فلوس.
احمر وجهه.
— الكلام ده مش حقيقي.
ضحكت سلمى لأول مرة.
— بجد؟
طب قول لأمك الشقة دي بتاعة مين.
لم يرد.
فأخرجت ملفًا من حقيبتها.
ووضعته أمامهم.
عقد الملكية.
عقد الشراء.
إيصالات السداد.
كل شيء باسمها وحدها.
تغيرت ملامح الحاجة فاطمة.
وأول مرة اختفت ابتسامتها المتعالية.
قالت بصوت منخفض:
— يعني إيه الكلام ده؟
أجابت سلمى:
— يعني البيت مش بيتك.
ولا بيت كريم.
ولا بيت داليا.
البيت بيتي.
سقط الصمت على المكان.
حتى داليا أغلقت هاتفها.
أما كريم فظل ينظر إلى الأوراق وكأنه يراها لأول مرة.
ثم قال:
— إنتِ بتهددينا؟
أجابت وهي تجمع الأوراق:
— لا.
أنا فقط بفكركم بالحقيقة اللي نسيتوها.
ثم اتجهت إلى غرفتها.
لكن قبل أن تغلق الباب سمعت الحاجة فاطمة تهمس لابنها:
— لازم توقفها عند حدها.
ولم تكن تعلم…
أن سلمى سمعت كل كلمة.
وأنها كانت قد اتخذت بالفعل القرار الذي سيقلب حياتهم جميعًا خلال أيام قليلة فقط…
قرارًا لم يتخيل أي واحد منهم أنه قد يحدث يومًا.
يتبع
