جوزي روماني مكرم×2

الفصل الأخير

بعد ستة شهور.

اسم أحمد اختفى تقريبًا من حياة مريم.

بقى مجرد ذكرى بعيدة.

زي جرح قديم لسه أثره موجود، لكن وجعه راح.

كانت حياتها ماشية بسرعة.

شغلها كبر.

شركتها فتحت فرع جديد.

والبيت اللي كانت قاعدة فيه بقى أهدى من أي وقت فات.

مبقاش فيه خناقات.

ولا تبريرات.

ولا حد بيحاسبها على كل جنيه بتصرفه.

لأول مرة من سنين…

كانت حاسة إنها حرة.

في صباح يوم جمعة.

كانت قاعدة تشرب قهوتها في البلكونة.

لما موبايلها رن.

رقم غريب.

ردت بهدوء.

— ألو؟

جالها صوت ست كبيرة بتعيط.

— مريم… أنا أم أحمد.

مريم سكتت.

من ساعة الطلاق وهي ما سمعتش صوتها.

الست كملت وهي بتشهق.

— أحمد في المستشفى.

قلب مريم ما اتحركش زي زمان.

لكنها سألت بأدب:

— ماله؟

— عمل حادثة كبيرة.

الدكاترة بيقولوا محتاج عملية عاجلة.

ومفيش حد واقف جنبه.

سكتت لحظة.

ثم قالت:

— ربنا يشفيه.

وبعدين قفلت المكالمة.

بعد ساعة.

فضلت الكلمات تلف في دماغها.

ومهما حاولت تنساها…

افتكرت حاجة.

افتكرت يوم العملية.

اليوم اللي شالت فيه جزء من جسمها علشان تنقذ أم أحمد.

وافتكرت إزاي خرج من الأوضة وسابها.

افتكرت الورقة الصفراء.

والضحكة.

والشماتة.

وإحساس الخيانة.

تنهدت.

وقالت لنفسها:

“أنا مش مدينة له بحاجة.”

لكن بعد يومين.

كانت راجعة من الشغل.

وفجأة لقت عربية إسعاف واقفة قدام بيت حماتها السابقة.

والناس متجمعة.

واحدة من الجيران لمحتها.

وقالت:

— يا بنتي… أحمد حالته صعبة أوي.

واضح إن الخبر انتشر.

كل الناس كانت بتتكلم.

الراجل اللي كان بيعيش بمنظر رجل الأعمال الناجح…

بقى مديون.

والحادثة قضت على آخر حاجة كانت واقفة معاه.

في نفس الليلة.

وصل لمريم ظرف.

مرسل من محامي.

فتحت الظرف باستغراب.

وكانت الصدمة.

وصية.

وصية باسم أحمد.

مكتوبة من شهرين.

قبل الحادثة.

إيده كانت واضحة في التوقيع.

وفي آخر صفحة جملة واحدة.

“لو حصلي أي حاجة…

أرجو تسليم الرسالة دي لمريم.”

إيديها بدأت ترتعش وهي بتفتح الرسالة.

وكان مكتوب:

“مريم…

أنا عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي عملته.

وعارف إنك مستحيل تسامحيني.

بس لازم تعرفي الحقيقة.

أنا يوم ما طلقتك كنت مفلس بالفعل.

كنت غرقان في ديون ضخمة.

والشركة كانت بتنهار.

وكنت عارف إن كل حاجة هتقع فوق دماغي.

خفت أخسرك معايا.

لكن بدل ما أواجهك بالحقيقة…

اخترت أسوأ طريق ممكن.

كذبت.

وخنت.

وهربت.

كنت فاكر إني لما أبدأ حياة جديدة هعرف أنسى.

لكن كل يوم كنت بصحى ندمان أكتر من اليوم اللي قبله.

كل نجاح حققته بعدي كان بيأكدلي قد إيه كنت أعمى.

أنا خسرتك بإيدي.

ولو الزمن رجع بيا ألف مرة…

كنت هختارك إنتِ.”

سكتت مريم طويلًا.

وأكملت القراءة.

“في حاجة واحدة عمرها ما عرفتيها.

أنا ما حبتش حد بعدك.

ولا حتى ليلى.

أنا كنت بهرب من نفسي.

بس فشلت.”

نزلت دمعة هادية من عين مريم.

مش دمعة حب.

ولا رجوع.

دمعة حزن على سنين ضاعت.

على بيت كان ممكن يعيش.

على راجل اختار الطريق الغلط.

بعد أسبوع.

أحمد مات.

في هدوء.

من غير ضجة.

ومن غير ناس كتير حواليه.

وفي الجنازة.

وقفت مريم بعيد.

من غير ما حد يلاحظها.

وشافت النعش وهو بيتحط في الأرض.

وشافت أم أحمد بتبكي بحرقة.

وشافت نهاية إنسان كان يومًا كل حياتها.

ثم استدارت ومشت.

بعد سنة كاملة.

كانت مريم واقفة على منصة مؤتمر كبير.

مئات الناس قدامها.

والتصفيق مالي القاعة.

أعلنت شركتها أرباحًا قياسية.

وأصبحت من أنجح سيدات الأعمال في مجالها.

ولما سألها أحد الصحفيين:

— إيه أكبر درس اتعلمتيه في حياتك؟

ابتسمت.

وبصت للحضور.

وقالت:

— متخليش حد يحدد قيمتك.

الإنسان اللي يعرف قيمته…

مبيخسرش نفسه مهما خسر ناس.

انفجر المكان بالتصفيق.

أما هي…

فرفعت رأسها للسماء للحظة.

وأغمضت عينيها.

ثم ابتسمت.

لأنها أخيرًا…

قفلت الصفحة الأخيرة من الحكاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *