توأم مراتي حكايات اسما 4 والأخير ¥

الشارع كله كان صوته بعيد… بعيد جدًا… كأن مريم بقت تحت الميه.

العربية السودا واقفة قدامها. والراجل العجوز جوه العربية بيبصلها بنظرة تقيلة تخوف.

“قبل ما ولدي يقتلك زي ما قتل أمك.”

الجملة فضلت ترن في ودانها وهي واقفة مكانها مش قادرة تتحرك.

الباب الخلفي لسه مفتوح.

والسواق بص لها في المراية وقال بحدة: — “اركبي بسرعة.”

بصت حوالينها بخوف.

كانت حاسة إن أي عربية تعدي ممكن يطلع منها راجل بسلاح. أي وش في الشارع ممكن يكون بيراقبها.

وفي الآخر… ركبت.

أول ما الباب اتقفل… العربية اتحركت فورًا.

الراجل العجوز كان في السبعينات تقريبًا. بدلة رمادي غالية. إيده بترتعش رعشة خفيفة وهو ماسك عصاية خشب سوداء.

لكن عينيه… كانت مرعبة.

عينيه شبه فؤاد الجبالي بشكل خلّى قلبها ينقبض.

قال بهدوء: — “أنا اسمي منصور الجبالي.”

شهقت بخفوت.

أبوه.

الراجل كمل: — “وعندي وقت قليل قبل ما ابني يعرف إني خدتِك.”

مريم بلعت ريقها بصعوبة: — “إنت عايز مني إيه؟”

ضحك ضحكة صغيرة متعبة: — “النجاة… ليكي وليا.”

بصتله بعدم فهم.

قال وهو يبص من الشباك: — “أنا اللي بنيت الإمبراطورية دي… بس فؤاد حوّلها لمزرعة بشر.”

صوته كان مليان ندم قديم.

— “كنت فاكر الفلوس أهم حاجة… لحد ما ابني بقى وحش مايعرفش الرحمة.”

مريم كانت ساكتة.

هو كمل: — “أمك نادية كانت شغالة معانا مترجمة. ولما اكتشفت الشبكة… حاولت تهرب بيكي إنتِ ومي.”

دموع مريم نزلت بصمت.

— “فؤاد قتلها بنفسه.”

شهقت وهي تحط إيديها على بقها.

العجوز غمض عينه لحظة: — “وأنا سكت.”

الصمت بقى خانق جوه العربية.

بعدها مد إيده بمفتاح صغير دهبي.

— “ده يفتح خزنة في بنك خاص.”

افتكرت فورًا كلام كريم.

المفتاح.

قال منصور: — “الخزنة فيها تسجيلات وأسماء وملفات تكفي تدمرهم كلهم.”

قلبها دق بعنف: — “طيب ليه ماتسلمهاش للشرطة؟”

ضحك بمرارة: — “لأن نص الشرطة عند ابني.”

الكلمة خوّفتها أكتر.

العربية دخلت طريق جانبي طويل.

ومريم سألت فجأة: — “كريم فين؟”

منصور سكت.

وده خلا قلبها يوجعها فورًا.

همست: — “هو مات؟”

رد بعد ثواني: — “ابني محتاجه حي دلوقتي.”

النَفَس رجعلها فجأة.

حي.

حي.

لكن الخوف ما اختفاش.

قال منصور: — “فؤاد فاكر إن كريم معاه نسخة الدليل.”

— “ومعاه؟”

— “لأ… معاكِ إنتِ.”

إيديها شدت على الفلاشة جوه جيبها.

العربية أخيرًا وقفت قدام فيلا قديمة جدًا على النيل.

المكان هادي بشكل غريب.

أول ما نزلت… حست إن رجليها خلاص مش شايلاها.

دخلت وراه الفيلا.

ريحة الخشب القديم والمكان الضلمة خلّوا الرعب يكبر جواها.

منصور وقف قدام مكتبة ضخمة. فتح درج سري.

طلع منه مسدس.

وحطه قدامها.

مريم بصتله بصدمة: — “أنا معرفش أستخدم ده.”

قال بهدوء: — “هتتعلمي بسرعة لو عايزة تعيشي.”

الدموع لمعت في عينيها.

منصور قعد بصعوبة على الكرسي وقال: — “فؤاد هييجي هنا.”

شهقت: — “إيه؟!”

— “لأنه عارف إني خنتُه.”

مريم بدأت تتوتر بعنف: — “إحنا لازم نهرب!”

لكن العجوز هز راسه: — “أنا تعبت من الهروب.”

بص لها مباشرة: — “لكن إنتِ… لازم تكملي.”

وقبل ما ترد…

صوت انفجار ضرب باب الفيلا الخارجي.

اتجمد الدم في جسمها.

رجالة دخلوا.

وصوت فؤاد الجبالي دوّى في المكان: — “عارف إنك هنا يا مريم.”

قلبها وقع.

منصور قام بصعوبة وهو ماسك سلاحه.

وفؤاد دخل الصالة.

نفس الراجل اللي في الإعلانات. لكن الحقيقة كانت أسوأ.

بارد. هادي. وواثق بشكل مرعب.

عينيه وقعت على مريم… وابتسم.

— “أخيرًا.”

رجعت خطوة لورا بخوف.

فؤاد بص لأبوه: — “سلّمها.”

منصور رفع سلاحه ناحيته: — “انتهيت يا فؤاد.”

فؤاد ضحك.

— “إنت اللي انتهيت.”

وفي ثانية… أحد رجال فؤاد ضرب منصور بالرصاص.

صرخت مريم.

العجوز وقع على الأرض والدم بدأ ينتشر تحته.

مريم جريت ناحيته وهي بتبكي.

منصور مسك إيدها بصعوبة وهمس: — “انشري الحقيقة…”

وساب نفسه.

صرختها طلعت موجوعة بشكل كسر المكان كله.

لكن فؤاد قرب بهدوء.

— “الدراما دي مالهاش لازمة.”

بص لها كأنه بيبص على شيء يملكه.

— “تعالي.”

رجعت لورا وهي بتترعش: — “إنت قتلت أمي… وقتلت مي…”

ابتسم ببرود: — “وكان المفروض تروحي معاهم.”

إيديها شدت على المسدس.

فؤاد لاحظه… وضحك.

— “هتضربي نار؟ إنتِ؟”

دموعها نزلت وهي رافعة السلاح بإيد بترتعش.

قال بخطوة أقرب: — “إنتِ أضعف من كده.”

وفجأة…

صوت رصاصة انفجر.

لكن مش منها.

الرصاصة دخلت في كتف فؤاد.

صرخ بعنف.

ومريم لفتت بصدمة.

كريم.

واقف عند باب الفيلا. هدومه كلها دم. ووشه متبهدل.

لكنه حي.

مريم شهقت باسمه وهي بتعيط: — “كريم!”

فؤاد صرخ بغضب: — “اقتلوه!”

الرصاص ضرب المكان كله.

كريم جرى ناحيتها وخطف إيديها.

— “تعالي!”

وجرّها ناحية ممر خلفي.

كانوا بيجروا وسط الرصاص والرخام بيتكسر حواليهم.

دخلوا أوضة صغيرة وقفلوها.

مريم كانت بتنهار حرفيًا.

حضنته فجأة وهي بتعيط: — “افتكرتك مت…”

ضمها بقوة لأول مرة.

قلبه كان بيدق بعنف ضد جسمها.

همس: — “لسه بدري.”

لكن الباب برا بدأ يتخبط بعنف.

كريم بص حواليه بسرعة.

وشاف باب صغير خلف ستارة قديمة.

فتحه.

طلع نفق ضيق تحت الأرض.

شدها بسرعة: — “انزلي.”

نزلوا يجرو وسط الضلمة والرطوبة.

فوقهم… أصوات رجالة بتدور عليهم.

مريم كانت نفسها بيخلص.

لكن كريم كان ماسك إيدها بقوة كأنه خايف تختفي.

لحد ما وصلوا نهاية النفق.

طلعوا عند مرسى قديم على النيل.

وكان فيه لنش صغير مستني.

راجل عجوز واقف فيه أشار لهم بسرعة.

ركبوا.

وأول ما اللنش اتحرك…

الفيلا انفجرت وراهم.

مريم شهقت وهي تبص للنار العالية.

النار انعكست على وش كريم المتعب.

قال بهدوء: — “خلصت.”

لكنها هزت راسها بسرعة: — “لأ… لسه.”

طلعت الفلاشة من جيبها.

وعينيها اتملت دموع: — “مي ماتت علشان الحقيقة دي.”

كريم بص لها طويلًا.

وبعد ساعات…

كانت مريم قاعدة قدام أكبر برنامج تلفزيوني في البلد.

وشها شاحب. لكن عينيها ثابتة.

المذيعة كانت مصدومة وهي بتبص للفيديوهات والأسماء والتسجيلات.

فضائح. تجارة أطفال. سياسيين. رجال أعمال. ضباط.

البلد كلها انفجرت في ساعات.

والقبض بدأ على ناس كتير جدًا.

أما فؤاد الجبالي…

فاتلاقى جثته بعد يومين في عربية محروقة على طريق صحراوي.

وماحدش عرف مين قتله.

بعد ست شهور…

كانت مريم واقفة على شط البحر وقت الغروب.

الهواء بيلعب في شعرها لأول مرة بدون خوف.

كريم قرب منها بهدوء.

مكانش فيه فنادق فخمة. ولا كدب. ولا أسرار.

بس هدوء.

بصلها وقال: — “ندمانة إنك دخلتي الأوضة ٨٠٦ الليلة دي؟”

ابتسمت وسط دموع خفيفة.

— “دي الليلة اللي خسرت فيها حياتي القديمة.”

سكتت لحظة.

وبعدين بصتله: — “بس يمكن… كسبت حياتي الحقيقية.”

مد إيده ببطء.

ومريم حطت إيدها في إيده أخيرًا…

من غير خوف

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *