طفلتي حكايات اسما ×2

الفصل الرابع

قلبي انقبض فورًا.

بصيت لطارق.

وشه كان أصفر.

وعرقان.

ومش قادر يبص في عيني.

قلت بحدة:

— في إيه؟

مدير الفندق اتردد لحظة.

ثم قال:

— ياريت ننزل المكتب تحت.

— الموضوع حساس شوية.

بصيت لسلينا.

كانت لسه نايمة.

فطلبت من إحدى الموظفات تفضل معاها دقائق.

ونزلت.

أول ما دخلت مكتب الإدارة…

لقيت أمي قاعدة.

وأبويا.

وطارق.

وزوجته.

وكريم.

لكن المرة دي…

محدش بيتكلم.

ولا حد بيرفع عينه.

فيه توتر غريب مالي المكان.

قلت بعصبية:

— حد ينطق.

— إيه اللي حصل؟

مدير الفندق تنهد.

ثم فتح شاشة الكمبيوتر اللي قدامه.

وقال:

— حصلت شكوى من أحد النزلاء.

— بخصوص حادثة حصلت في المعبد أول امبارح.

اتجمدت.

المعبد.

يوم وقعة سلينا.

ضغط على زر.

وظهر تسجيل فيديو.

واضح إنه من كاميرات مراقبة المنطقة الأثرية.

الصورة كانت بعيدة شوية.

لكن كفاية جدًا.

شفت سلينا طالعة على الدرج الحجري.

وشفت كريم وراها.

ثم…

شفت إيده.

وهي بتندفع بقوة.

مش لمسة.

مش هزار.

دفعة واضحة.

متعمدة.

قوية.

خلت سلينا تفقد توازنها.

وتقع على الدرج.

درجة وراء درجة.

لحد ما وصلت للأرض.

والفيديو وقف.

الأوضة كلها سكتت.

حتى أنا.

كنت حاسة إن نفسي اتسحب.

لأن اللي كنت بحاول أقنع نفسي إنه “تهور عيل”…

طلع أسوأ.

بكتير.

بصيت ناحية كريم.

كان بيعيط.

لكن مش زي العيال اللي ندمانة.

كان عياط خوف.

خوف من اللي جاي.

قلت بهدوء مرعب:

— ليه؟

ما ردش.

سألت تاني.

— ليه؟

بدأ يرتجف.

وبعدين قال جملة خلت أمه تنهار في العياط.

قال:

— علشان جدو بيحبها أكتر مني.

الصمت نزل على المكان.

بصيت لأبويا.

وشفت الصدمة على وشه.

أما كريم ففضل يتكلم.

كأنه كان كاتم الكلام ده من سنين.

— دايمًا سلينا.

— سلينا الشاطرة.

— سلينا المؤدبة.

— سلينا الجميلة.

— سلينا اللي الكل بيحبها.

ثم بص لأبويا.

— عمر ما حد شافني أنا.

أمه بدأت تبكي.

أما طارق فكان مصدوم.

كأنه أول مرة يسمع الكلام ده.

لكن كريم كمل.

— ولما وقعِت…

خفت.

— خفت أقول الحقيقة.

— ولما الكل قال إنها كدمة…

سكت.

— ولما قالت إنها موجوعة…

سكت برضه.

— كل يوم كنت بخاف أكتر.

لأول مرة…

الغضب اللي جوايا اتلخبط.

لأن اللي عمله بشع.

لكن اللي قدامي دلوقتي كان طفل ضايع.

طفل ارتكب كارثة.

ثم دفن نفسه فيها.

لكن الكارثة ما كانتش خلصت.

مدير الفندق قال:

— في جزء تاني لازم تشوفوه.

وشغل فيديو تاني.

من بهو الفندق.

بعد رجوعهم من المعبد.

وشفنا سلينا.

بتعرج.

وبتعيط.

وبتحاول تسند نفسها.

وشفنا أمي.

بتقول حاجة.

وبعدين تمشي.

وشفنا أبويا.

يبص على رجلها.

ويهز كتفه.

ويمشي.

وشفنا طارق.

واقف.

ساكت.

ما عملش أي حاجة.

وأنا قاعدة بتفرج…

حسيت بوجع أكبر من وجع الوقعة نفسها.

لأن الفيديو كشف الحقيقة كاملة.

ماحدش كان جاهل.

ماحدش ماخدش باله.

كلهم شافوا.

كلهم عرفوا إنها متأذية.

واختاروا يكملوا الرحلة.

أمي بدأت تعيط.

وقالت:

— والله ما قصدنا.

أبويا مسك رأسه بإيده.

لأول مرة في حياتي…

شوفته مهزوم بالشكل ده.

لكن الندم بعد وقوع الضرر…

ما بيمسحش الضرر.

قمت من مكاني.

وأنا هادية جدًا.

الهدوء اللي بيخوف أكتر من الصراخ.

قلت:

— أنا راجعة القاهرة النهارده.

— أنا وسلينا.

ثم بصيت لأمي وأبويا.

— ومن النهارده…

في حاجة هتتغير.

كلهم رفعوا عيونهم ناحيتي.

وأكملت:

— محدش هيبقى ليه حق ياخد قرار يخص بنتي غيري.

— لا سفر.

— لا مبيت.

— لا رحلة.

— لا أي حاجة.

أمي شهقت.

— يعني إيه؟

قلت:

— يعني انتهى.

— الثقة انتهت.

الدموع نزلت من عيونها.

لكن لأول مرة…

ما حسيتش بالذنب.

ولا بالتردد.

ولا بالخوف من زعلهم.

لأن صورة سلينا وهي لوحدها في أوضة الفندق…

كانت لسه قدام عيني.

بعد ساعات…

كنت أنا وبنتي على الطيارة راجعين القاهرة.

سلينا كانت نايمة على كتفي.

والجبيرة على رجلها.

وأول مرة من بداية القصة…

حسيت إنها بأمان.

قبل إقلاع الطيارة بدقائق…

وصلتلي رسالة من أبويا.

رسالة قصيرة جدًا.

“أنا آسف.”

بس كده.

كلمتين.

ولا تبرير.

ولا أعذار.

ولا لوم.

بصيت للرسالة طويلًا.

ثم قفلت الشاشة.

لأن الاعتذار مهم.

لكن إعادة بناء الثقة…

حاجة تانية خالص.

وحاجة بتحتاج وقت طويل جدًا.

يتبع…رجعنا القاهرة في نفس الليلة، لكن الحقيقة إن اللي اتكسر ماكانش كاحل سلينا بس. كان في حاجة أكبر اتكسرت جوايا أنا شخصيًا. طول الطريق من المطار للبيت كانت بنتي نايمة على كتفي، وكل شوية تفتح عينيها وتسألني إذا كنت زعلانة منها. وكل مرة كنت أحس إن قلبي بيتقطع وأقولها نفس الجملة: “إنتِ ما عملتيش أي حاجة غلط يا حبيبتي.”

 

بعد أسبوعين اتشال الجبس المؤقت واتحدد موعد العلاج الطبيعي. الدكتور أكد إن الإصابة هتخف، لكن كان لازم راحة وصبر. المشكلة إن الجرح الحقيقي ماكانش في الرجل. المشكلة كانت في خوف جديد دخل قلب بنتي.

 

بقت تتردد قبل ما تطلب أي حاجة.

 

كل مرة تتعب تقول: “ممكن أكون بتدلع.”

 

كل مرة تشتكي من وجع تسأل: “هو ده يستاهل دكتور ولا لأ؟”

 

وأول مرة سمعتها بتقول الجملة دي حسيت بغصة خنقتني.

 

لأن بنتي كانت بتتعلم درس غلط.

 

كانت بتتعلم إن وجعها ممكن ما يبقاش مهم.

 

وإن الناس اللي بتحبها ممكن تتجاهله.

 

وده كان أخطر من الكسر نفسه.

 

في يوم من الأيام كنت قاعدة معاها في جلسة العلاج الطبيعي، والدكتور كان بيطلب منها تمشي خطوات بسيطة. كانت بتعرج شوية لكنها بتحاول. فجأة سألتني بصوت هادي:

 

“ماما… لو إنتِ ما كنتيش جيتي، كان ممكن يحصل إيه؟”

 

الدكتور سكت.

 

وأنا سكت.

 

لثواني طويلة.

 

بعدين قلت:

 

“كنت هاجي يا سلينا.”

 

قالت:

 

“بس لو ما عرفتيش؟”

 

لأول مرة ما لقيتش إجابة.

 

لأن الحقيقة إن مجرد فكرة إنها كانت ممكن تفضل لوحدها هناك كانت مرعبة.

 

بعدها بأيام قليلة وصلني جواب بخط إيد أبويا.

 

أبويا عمره ما كتب جواب في حياته.

 

حتى في أعياد الميلاد كان بيتصل وخلاص.

 

لكن المرة دي كان فيه ظرف كامل.

 

فتحته وأنا متوترة.

 

وكان أول سطر مكتوب فيه:

 

“أنا خذلت حفيدتي.”

 

فضلت أبص للكلمة دي دقيقة كاملة.

 

خذلت.

 

مش غلطت.

 

مش قصرت.

 

خذلت.

 

ويمكن لأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعترف بحاجة بالشكل ده.

 

كان كاتب إنه كل ما يفتكر شكلها وهي بتمشي وهي موجوعة يحس إنه فشل كجد.

 

وإنه اكتشف متأخر جدًا إن الرحلة اللي كان خايف تبوظ كانت اتباظت فعلًا.

 

بس مش بسبب الكسر.

 

بسبب موقفهم.

 

أما أمي ففضلت أسابيع تحاول تكلمني.

 

في الأول كنت برد ببرود.

 

ثم بقيت ما أردش أصلًا.

 

مش عقاب.

 

لكن لأني كنت محتاجة مسافة.

 

محتاجة أفهم إذا كنت أقدر أثق فيهم تاني ولا لأ.

 

وفي يوم فجأة رن جرس الباب.

 

فتحت.

 

ولقيت أمي واقفة.

 

لوحدها.

 

من غير ميك أب.

 

من غير كلام كتير.

 

ومن غير دفاع.

 

أول ما شافتني قالت:

 

“أنا جاية أعتذر لسلينا.”

 

بس.

 

ولا كلمة زيادة.

 

دخلت.

 

وقعدت قدام بنتي.

 

ولأول مرة في حياتي شفت أمي تبكي قدام حفيدتها.

 

بكت وهي بتحكي إنها كانت خايفة تضيع الرحلة.

 

وخايفة تعمل مشكلة وسط العيلة.

 

وخايفة كل الناس تشتكي.

 

ولأنها كانت مركزة في كل حاجة…

 

نسيت تركز في أهم شخص.

 

نسيت تركز في سلينا.

 

بنتي فضلت ساكتة فترة طويلة.

 

ثم قالت:

 

“أنا كنت فاكرة إن محدش مصدقني.”

 

الجملة نزلت على أمي كأنها ضربة.

 

وبكت أكتر.

 

أما أنا ففهمت في اللحظة دي إن بعض الجروح بتحتاج شجاعة علشان نعترف بيها.

 

وبعض الاعتذارات بتاخد وقت طويل علشان تتقال.

 

لكن في النهاية…

 

الشيء الوحيد اللي كان يهمني فعلًا هو إن بنتي تعرف حقيقة واحدة.

 

إن صوتها مهم.

 

وإن وجعها مهم.

 

وإن أي حد في الدنيا كلها لو قال لها إنها بتدلع وهي موجوعة…

 

يبقى هو الغلطان.

 

مش هي.

 

ولأول مرة من يوم الرحلة…

 

شفت سلينا تبتسم ابتسامة كاملة.

 

ابتسامة بنت بدأت تصدق نفسها من جديد.

 

وساعتها عرفت إن رحلة الأقصر انتهت.

 

لكن رحلة شفاء بنتي الحقيقية…

 

كانت لسه بتبدأ.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *