سائقًا خاصًا اسما×3

الفصل الرابع

 

بقيت واقفًا داخل سيارتي أراقب المشهد أمام الفيلا.

 

سيارات الشرطة.

 

الإسعاف.

 

الخدم المتجمعون في الحديقة.

 

وأبناء السيدة ليلى الذين يتحركون بعصبية واضحة.

 

اتصلت فورًا بالمستشار محمود.

 

وعندما أخبرته بما أراه قال:

 

“ما تتحركش من مكانك. أنا جاي.”

 

وصل بعد أقل من نصف ساعة.

 

وبمجرد أن رأى سيارات الشرطة قطب حاجبيه.

 

ثم قال:

 

“واضح إن حد سبقنا.”

 

—

 

بعد دقائق.

 

خرج أحد الضباط من الفيلا.

 

فاتجه إليه المستشار.

 

وبدأ يتحدث معه.

 

ثم عاد إليّ ووجهه متوتر.

 

سألته:

 

“في إيه؟”

 

تنهد طويلًا.

 

ثم قال:

 

“الخزنة اتفتحت النهاردة الصبح.”

 

شعرت وكأن قلبي توقف.

 

“إيه؟!”

 

هز رأسه.

 

وأضاف:

 

“والظاهر إن اللي جواها قلب الدنيا.”

 

قلت بسرعة:

 

“طب والسيدة ليلى؟”

 

نظر إليّ للحظة.

 

ثم قال:

 

“هربت.”

 

تجمدت في مكاني.

 

“هربت؟”

 

قال:

 

“أيوة.”

 

“إزاي؟”

 

ابتسم للمرة الأولى.

 

وقال:

 

“واضح إن الست دي أذكى من كل أولادها.”

 

—

 

اتضح أن السيدة ليلى استطاعت في منتصف الليل إقناع إحدى الممرضات بمساعدتها.

 

وغادرت المصحة سرًا.

 

وعادت إلى الفيلا بنفسها.

 

ثم دخلت إلى المكتب القديم الخاص بزوجها.

 

وفتحت الخزنة.

 

وقبل وصول أبنائها كانت قد سلمت نسخة من محتوياتها إلى جهة رسمية.

 

ونسخة أخرى إلى الشرطة.

 

ونسخة ثالثة اختفت معها.

 

لهذا كانت الفوضى تعم المكان.

 

—

 

لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعد ذلك.

 

عندما أخرج المستشار محمود نسخة إلكترونية من الوصية.

 

وقال:

 

“لازم تقرا دي بنفسك.”

 

أخذت الملف.

 

وبدأت أقرأ.

 

وكانت الوصية مكتوبة بخط السيدة ليلى.

 

وفي بدايتها جملة قصيرة:

 

“إذا وصل هذا المستند إلى حسن عبدالحميد، فأرجو أن يقرأه حتى النهاية.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

وأكملت.

 

“يا حسن…

 

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات فهذا يعني أنني لم أعد قادرة على حمايتك بنفسي.”

 

ازدادت ضربات قلبي.

 

“طوال العام الماضي كنت أراقبك كما يراقب الإنسان آخر شعاع نور في حياته.”

 

لم أفهم.

 

لكنني واصلت القراءة.

 

“أنت تذكرني بشخص فقدته منذ زمن بعيد.”

 

ارتجفت يدي.

 

ثم جاءت الجملة التالية.

 

الجملة التي غيرت كل شيء.

 

“أنت تشبه ابني.”

 

رفعت رأسي ببطء.

 

ونظرت إلى المستشار.

 

فقال بهدوء:

 

“كمل.”

 

عدت إلى الورقة.

 

“ابني الذي اعتقدت أنه مات منذ أربعين عامًا.”

 

توقفت أنفاسي.

 

وأكملت.

 

“في عام 1986 تعرضت لحادث سيارة مروع أثناء سفرنا إلى الإسكندرية.”

 

“قيل لي إن طفلي الرضيع توفي.”

 

“لكنني لم أر ج..ثته أبدًا.”

 

شعرت بالدوار.

 

وأكملت بصعوبة.

 

“ومنذ أشهر قليلة اكتشفت أن هناك تزويرًا حدث في تلك القض..ية.”

 

“وأن طفلي ربما لم يمت.”

 

بدأ العالم يدور حولي.

 

ثم وصلت إلى السطر التالي.

 

“أجريت تحليلًا للحمض النووي دون علمك.”

 

تجمدت تمامًا.

 

“والنتيجة أثبتت أنك ابني.”

 

سقطت الورقة من يدي.

 

—

 

ظللت أحدق أمامي.

 

غير قادر على النطق.

 

ولا التفكير.

 

ولا حتى التنفس بشكل طبيعي.

 

قال المستشار محمود بهدوء:

 

“النتائج موجودة.”

 

ثم أخرج ملفًا صغيرًا.

 

فتحته.

 

وكانت هناك تقارير معتمدة.

 

مختومة.

 

واضحة.

 

لا تحتمل الشك.

 

نسبة التطابق.

 

99.99%.

 

شعرت بأن الأرض اختفت من تحت قدمي.

 

قلت بصوت مبحوح:

 

“مستحيل.”

 

قال:

 

“دي الحقيقة.”

 

—

 

تذكرت طفولتي كلها.

 

الميتم.

 

الأوراق المفقودة.

 

عدم وجود شهادة ميلاد أصلية.

 

الرجل الذي تبناني لفترة قصيرة.

 

الأسئلة التي لم أجد لها إجابة أبدًا.

 

كل شيء فجأة أصبح منطقيًا.

 

كل شيء.

 

—

 

لكن الكارثة لم تنته.

 

لأن المستشار قال بعدها:

 

“في مشكلة أكبر.”

 

نظرت إليه.

 

فقال:

 

“أولاد السيدة ليلى عرفوا الحقيقة.”

 

شعرت بالبرودة تجتاح جسدي.

 

“إزاي؟”

 

قال:

 

“واضح إنهم لقوا جزء من المستندات.”

 

ثم أضاف:

 

“وده معناه إنك بقيت أكبر تهديد ليهم.”

 

—

 

وفي نفس اللحظة تقريبًا.

 

وصلت رسالة إلى هاتفي.

 

رقم مجهول.

 

فتحتها.

 

وكان بداخلها صورة.

 

صورة زوجتي.

 

وأطفالي الثلاثة.

 

وهم خارج المدرسة.

 

وتحت الصورة جملة واحدة فقط:

 

“ابعد عن الموضوع… لو عايز تشوفهم تاني.”

 

شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.

 

أما المستشار محمود فحدق في الشاشة.

 

ثم قال بصوت خطير:

 

“واضح إن الحرب الحقيقية بدأت دلوقتي.”

 

وفي تلك اللحظة بالذات.

 

لم أكن أعرف أن الساعات القادمة ستكشف مكان السيدة ليلى المختفية.

 

ولم أكن أعرف أيضًا أن أحد أبناءها لم يكن كما يبدو.

 

وأن الشخص الذي سيرسل لي المساعدة لإنقاذ عائلتي…

 

سيكون ابنًا من أبنائها أنفسهم.

 

يتبع…الفصل الخامس

 

ظللت أحدق في صورة زوجتي وأطفالي على شاشة الهاتف.

 

كانت الصورة حديثة.

 

حديثة جدًا.

 

وهذا ما أخافني أكثر من الرسالة نفسها.

 

معنى ذلك أن أحدهم كان يراقبهم في تلك اللحظة.

 

أغلقت الهاتف فورًا.

 

واتصلت بزوجتي.

 

ردت بعد الرنة الثانية.

 

قلت بسرعة:

 

“إنتِ فين؟”

 

استغربت نبرة صوتي.

 

وقالت:

 

“راجعة البيت مع الأولاد… مالك؟”

 

قلت:

 

“اسمعيني كويس. ماتروحيش البيت.”

 

سكتت.

 

ثم قالت بقلق:

 

“في إيه يا حسن؟”

 

نظرت إلى المستشار محمود.

 

ثم قلت:

 

“خدي الأولاد وروحي عند أختك حالًا. وماتقوليش لحد المكان.”

 

بدأ الخوف يتسلل إلى صوتها.

 

لكنها وافقت.

 

وأغلقت الخط.

 

—

 

جلس المستشار محمود صامتًا لثوان.

 

ثم قال:

 

“لازم نلاقي السيدة ليلى قبل أولادها.”

 

سألته:

 

“حضرتك متوقع تكون فين؟”

 

ابتسم ابتسامة صغيرة.

 

وقال:

 

“في المكان الوحيد اللي كانت بتحبه بجد.”

 

—

 

بعد ساعة.

 

كنا على الطريق المؤدي إلى الفيوم.

 

طوال الرحلة لم أفهم شيئًا.

 

حتى أخبرني المستشار أن زوج السيدة ليلى الراحل كان يمتلك منزلًا قديمًا بجوار بحيرة قارون.

 

مكان لا يعرفه إلا عدد قليل جدًا من الناس.

 

وكانت تزوره معه قبل وفاته بسنوات طويلة.

 

قال:

 

“لو هربت من الكل… هتروح هناك.”

 

—

 

وصلنا قبل الغروب بقليل.

 

منزل قديم.

 

تحيط به الأشجار.

 

وسور منخفض من الحجر.

 

والهدوء يملأ المكان.

 

لكن ما إن اقتربنا حتى رأينا سيارة متوقفة أمام المنزل.

 

نظر المستشار إليها.

 

وقال:

 

“مش عربيتها.”

 

شعرت بالتوتر فورًا.

 

—

 

اقتربنا بحذر.

 

وفجأة فُتح الباب.

 

وخرج شاب في منتصف الثلاثينيات.

 

أنيق.

 

هادئ.

 

ملامحه تشبه السيدة ليلى بشكل واضح.

 

توقفت في مكاني.

 

أما هو فرفع يديه ببطء.

 

وقال:

 

“أنا مش عدو.”

 

قال المستشار:

 

“إنت مين؟”

 

أجاب:

 

“اسمي كريم المنشاوي.”

 

عرفت الاسم فورًا.

 

الابن الأصغر.

 

الوحيد الذي لم يكن حاضرًا يوم اتهامي بالسرقة.

 

—

 

نظر إليّ كريم مباشرة.

 

وقال:

 

“أمي جوه.”

 

قفز قلبي.

 

وقبل أن أتكلم أكمل:

 

“وأنا اللي بعتلك الرسالة اللي هددتك.”

 

شعرت بالغضب يشتعل داخلي.

 

لكن قبل أن أتحرك قال:

 

“كنت لازم أخوفك.”

 

تجمدت.

 

وأضاف:

 

“لأن إخواتي كانوا بيراقبوك.”

 

—

 

دخلنا المنزل.

 

وهناك…

 

كانت السيدة ليلى جالسة قرب النافذة.

 

تبدو متعبة.

 

لكنها كانت حرة.

 

وحية.

 

وذلك كان أهم شيء.

 

ما إن رأتني حتى وقفت.

 

وعيناها امتلأتا بالدموع.

 

أما أنا فلم أعرف ماذا أقول.

 

كيف أخاطب امرأة كنت أناديها طوال عام بـ”يا هانم” ثم اكتشفت فجأة أنها أمي؟

 

—

 

اقتربت مني ببطء.

 

ثم رفعت يدها.

 

ولمست وجهي.

 

كما لو كانت تتأكد أنني حقيقي.

 

وقالت بصوت مرتجف:

 

“سامحني يا ابني.”

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة…

 

شعرت أن كلمة “ابني” ليست مجرد كلمة.

 

بل شيء كنت أفتقده طوال حياتي دون أن أدرك.

 

—

 

جلسنا لساعات.

 

وروت لي كل شيء.

 

كيف تعرضت للحادث.

 

كيف اختفى الطفل.

 

كيف تم تزوير السجلات.

 

كيف دفع أحد العاملين بالمستشفى رشوة ليسجل الطفل كمجهول الهوية.

 

وكيف انتهى بي المطاف في دار أيتام.

 

ثم قالت جملة صدمت الجميع.

 

“أنا عرفت مين عمل كده.”

 

ساد الصمت.

 

وسألها المستشار:

 

“مين؟”

 

أجابت ببطء:

 

“أبو سامح.”

 

نظرنا إليها جميعًا.

 

قالت:

 

“زوجي قبل ما يموت اعترفلي بالحقيقة.”

 

شعرت بالذهول.

 

أما كريم فبدا وكأنه تلقى صفعة.

 

—

 

اتضح أن والدهما اكتشف أن الطفل الرضيع الذي أنجبته ليلى سيحصل مستقبلًا على نصيب ضخم من شركات العائلة بموجب عقد قديم.

 

وكان يخشى تقسيم الإمبراطورية المالية.

 

فاستغل الحادث.

 

ودفع المال لإخفاء الطفل.

 

وأقنع الجميع أنه مات.

 

ثم عاش بقية عمره وكأن شيئًا لم يحدث.

 

—

 

قال كريم بصوت مكسور:

 

“يعني إحنا كنا عايشين مع واحد عمل كده؟”

 

أجابت ليلى وهي تبكي:

 

“أيوة.”

 

—

 

لكن المفاجأة الأخيرة كانت داخل حقيبة صغيرة وضعتها أمامي.

 

فتحتها.

 

فوجدت بداخلها مجموعة مستندات.

 

وعقود ملكية.

 

وأسهم.

 

وحسابات بنكية.

 

قلت بذهول:

 

“إيه ده؟”

 

قالت:

 

“حقك.”

 

هززت رأسي فورًا.

 

“أنا مش عايز فلوس.”

 

ابتسمت بحزن.

 

وقالت:

 

“وأهو ده السبب اللي خلاني أثق فيك من البداية.”

 

ثم دفعت الحقيبة نحوي.

 

وأضافت:

 

“دي مش هدية.”

 

“دي حاجة اتسرقت منك من أربعين سنة.”

 

—

 

وفي تلك اللحظة بالذات.

 

رن هاتف كريم.

 

نظر إلى الشاشة.

 

ثم شحب وجهه فجأة.

 

قال المستشار:

 

“في إيه؟”

 

رفع كريم الهاتف ببطء.

 

وقال:

 

“سامح.”

 

ثم ضغط على مكبر الصوت.

 

وجاء صوت سامح غاضبًا ومضطربًا:

 

“الشرطة وصلت للشركات.”

 

ثم صرخ:

 

“مين سرب الملفات؟!”

 

نظر كريم إلى أمه.

 

ثم إليّ.

 

وقال بهدوء:

 

“أنا.”

 

ساد الصمت.

 

لكن سامح لم يكن يعلم بعد.

 

أن اعتراف كريم لم يكن نهاية القصة.

 

بل بداية سقوط إمبراطورية كاملة.

 

وأن الساعات القادمة ستشهد أكبر مداهمة مالية في تاريخ عائلة المنشاوي.

 

مداهمة ستكشف أسرارًا مدفونة منذ أكثر من أربعين عامًا.

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *