الشريان التاجي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل الحادي عشر

تجمدت سلمى أمام الشاشة.

الكلمة ما زالت مضيئة.

“مرحبًا سلمى.”

نظرت إلى يوسف.

ونظر إليها يوسف.

ثم قال بصوت خافت:

“إحنا ما دخلناش اسم.”

هزت رأسها ببطء.

كانت تعرف ذلك.

الجهاز تعرف عليها وحده.

أو بالأصح…

كان ينتظرها.

اقتربت من لوحة المفاتيح.

فظهرت جملة جديدة.

“تأخرتِ 7 سنوات و4 أشهر و12 يومًا.”

شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها.

لأن هذا التاريخ لم يكن عشوائيًا.

بل يطابق تقريبًا اليوم الذي بدأت فيه تجمع الأدلة ضد سيف.

ظهرت رسالة أخرى.

“إذا كنتِ هنا، فهذا يعني أن سيف سقط.”

ثم:

“ونادر سقط.”

ثم:

“وكريم فشل.”

ابتلعت سلمى ريقها.

“مين اللي كاتب ده؟”

أجاب يوسف:

“كريم.”

لكن صوته لم يكن واثقًا.

ثم تغيرت الشاشة مرة أخرى.

وظهر ملف بعنوان:

المرحلة الأخيرة

ضغطت عليه.

فانفتح تسجيل فيديو.

ظهر كريم.

لكن ليس كريم المرهق الذي رأته في التسجيلات الأخيرة.

بل كريم قبل عشرين عامًا.

في عز شبابه.

جلس أمام الكاميرا.

وقال:

“إذا وصلتم إلى هنا…”

“فأنا غالبًا ميت.”

أغلقت سلمى عينيها للحظة.

لكن ما قاله بعدها كان أغرب من كل شيء.

“أنا لا أسجل هذا من أجل الشركة.”

“ولا من أجل الأسهم.”

“ولا حتى من أجل نفسي.”

ثم سكت لثوانٍ.

وأضاف:

“أنا أسجله بسبب والد سلمى.”

شعرت سلمى بأن قلبها توقف.

“أبويا؟”

ظهر كريم على الشاشة وهو يخرج ملفًا بنيًا قديماً.

ثم قال:

“شريف عبدالسلام لم يكن مجرد محامٍ.”

“ولم يكن مجرد مستثمر صغير.”

“كان أول شخص اكتشف الحقيقة.”

نظرت سلمى إلى يوسف.

أما يوسف فكان شاحبًا.

وكأنه يسمع هذا لأول مرة أيضًا.

أكمل كريم:

“والد سلمى عرف شيئًا كان كفيلًا بتدمير الجميع.”

“سيف.”

“أنا.”

“يوسف.”

“نادر.”

“وآخرين.”

ثم فتح الملف أمام الكاميرا.

وأظهر وثائق قديمة.

وتقارير.

وعقود حكومية.

وأسماء شركات.

شعرت سلمى بأن رأسها يدور.

لأن اسم والدها كان يتكرر عشرات المرات.

ثم قال كريم:

“الحقيقة إن المشروع ما بدأش كشركة.”

“بدأ كتكليف.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“كان في مجموعة رجال أعمال كبار جدًا.”

“أكبر مننا كلنا.”

“وكانوا محتاجين نظام يجمع المعلومات.”

“ويخزنها.”

“ويحللها.”

بدأت ملامح يوسف تتغير.

وكأنه يتذكر أشياء حاول نسيانها سنوات طويلة.

قال كريم:

“إحنا افتكرنا إننا بنبني شركة.”

“لكن بعد سنتين فهمنا إننا بنبني سلاح.”

شعرت سلمى ببرودة في أطرافها.

سلاح؟

أي نوع من السلاح؟

ثم ظهرت على الشاشة قائمة طويلة.

أسماء.

شركات.

سياسيون.

رجال أعمال.

مسؤولون.

ملفات كاملة عن كل شخص.

عقود.

حسابات.

اتصالات.

قال كريم:

“الخادم 12 يحتوي على النسخة الكاملة.”

“كل شيء.”

ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.

وقال:

“لو حد سيطر على البيانات دي…”

“هيقدر يتحكم في نص البلد.”

ساد الصمت داخل الغرفة.

صمت مرعب.

ثم قال كريم جملة جعلت الدم يتجمد في عروق سلمى.

“عشان كده أبوكي مات.”

ارتجفت أصابعها.

لا.

لا يمكن.

لكن كريم أكمل.

“شريف عبدالسلام رفض يسلم النسخة.”

“ورفض يشارك.”

“ورفض يبيع نفسه.”

ثم انخفض صوته.

“ودفع الثمن.”

شعرت سلمى بالدموع تملأ عينيها.

طوال هذه السنوات كانت تعتقد أن والدها ضحية حادث.

أو ضحية صراع مالي.

لكن الحقيقة كانت أعمق.

وأقسى.

ثم انقطع التسجيل فجأة.

وظهرت رسالة جديدة على الشاشة.

“للوصول إلى الجزء الأخير…”

“أدخل كلمة المرور.”

عبست سلمى.

“إحنا ما نعرفهاش.”

لكن قبل أن تنهي الجملة…

ظهرت كلمة أخرى أسفل الرسالة.

كأن النظام يقرأ أفكارها.

“أنتِ تعرفينها.”

ثم ظهر تلميح واحد فقط.

“آخر كلمة قالها شريف عبدالسلام لابنته.”

تجمدت سلمى.

ثم شعرت أن أنفاسها اختفت.

لأنها تتذكر ذلك اليوم.

تتذكره حرفيًا.

اليوم الذي مات فيه والدها.

اليوم الذي خرج فيه من البيت للمرة الأخيرة.

وقف عند الباب.

ابتسم لها.

وقال كلمة واحدة.

كلمة لم تنسها أبدًا.

لكنها لم تفهم معناها وقتها.

والآن…

بعد كل هذه السنوات…

أدركت أن والدها ربما كان يترك لها المفتاح منذ البداية.الفصل الثاني عشر

بقيت سلمى واقفة أمام الشاشة.

عيناها معلقتان بالجملة الأخيرة.

“آخر كلمة قالها شريف عبدالسلام لابنته.”

لم تكن مجرد كلمة مرور.

كانت رسالة عبر الزمن.

من رجل مات منذ سنوات طويلة.

إلى ابنته.

ارتجفت أصابعها فوق لوحة المفاتيح.

بينما كانت الذكريات تتدفق إلى عقلها دفعة واحدة.

رائحة القهوة في ذلك الصباح.

بدلة والدها الرمادية.

صوت والدتها في المطبخ.

وحقيبتها المدرسية الموضوعة قرب الباب.

كانت في السادسة عشرة وقتها.

ووالدها كان يستعد للخروج.

وقف عند الباب.

ثم التفت إليها.

وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا مهمًا.

شيئًا أخيرًا.

لكنها يومها كانت مستعجلة.

ولم تنتبه.

لم تنتبه إلا بعد سنوات.

حين ظلت الكلمة تتردد في رأسها كلما تذكرت ذلك الصباح.

أغلقت سلمى عينيها.

وهمست:

“الأمانة.”

نظر إليها يوسف.

“إيه؟”

قالت بصوت مرتجف:

“دي آخر كلمة قالها.”

ثم كتبتها.

الأمانة.

وضغطت Enter.

ساد الصمت.

ثانية.

ثانيتان.

ثلاث.

ثم…

انفتحت الملفات.

كلها دفعة واحدة.

شعرت سلمى أن الأرض تميد تحت قدميها.

لأن ما ظهر لم يكن مجرد بيانات.

بل أرشيف كامل.

عشرات الآلاف من الملفات.

مئات الساعات من التسجيلات.

وملايين الصفحات من الوثائق.

لكن الملف الأول كان مختلفًا.

كان يحمل اسمًا واحدًا فقط.

شريف عبدالسلام.

ضغطت عليه.

فظهر تسجيل فيديو.

هذه المرة لم يكن كريم.

ولا يوسف.

ولا سيف.

بل والدها.

حيًا.

يجلس أمام الكاميرا.

وكأنه سجل الرسالة بالأمس.

شعرت سلمى بالدموع تسقط فورًا.

لأنها لم تسمع صوته منذ سنوات.

ابتسم الرجل داخل الشاشة.

وقال:

“لو وصلتي للفيديو ده…”

“يبقى إنتِ نجحتي يا سلمى.”

وضعت يدها على فمها.

حتى لا تنهار.

أكمل والدها:

“وأعرف إنك دلوقتي بتسألي نفسك ألف سؤال.”

“مين السبب؟”

“ومين الكذاب؟”

“ومين اللي قت*لني؟”

ثم هز رأسه ببطء.

وقال:

“لكن دي مش أهم الأسئلة.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“السؤال الأهم…”

“هل هتقدري تعيشي بالحقيقة؟”

نظر يوسف إلى الشاشة دون أن يتحرك.

أما سلمى…

فكانت تبكي بصمت.

ثم فتح شريف ملفًا أمامه.

وقال:

“أنا عرفت الحقيقة قبل موتي بست شهور.”

“وحاولت أوقفهم.”

“وفشلت.”

ثم رفع عينيه نحو الكاميرا.

وقال الجملة التي نسفت كل شيء.

“لأن الشخص اللي كان بيدير المشروع من البداية…”

“ما كانش نادر.”

“ولا سيف.”

“ولا كريم.”

شعرت سلمى بأنفاسها تتوقف.

لا.

مستحيل.

ثم نطق الاسم.

“كان والد نادر الجوهري.”

ساد الصمت.

صمت كامل.

مرعب.

ثم ظهرت صورة رجل مسن.

لم تره سلمى من قبل.

لكن ملامحه كانت تشبه نادر بشكل واضح.

قال شريف:

“من أكتر من ثلاثين سنة.”

“بدأ مشروع جمع المعلومات.”

“وكان الهدف بسيط.”

“السيطرة.”

ثم ظهرت عشرات الصور.

رجال أعمال.

مسؤولون.

سياسيون.

شركات.

شبكة كاملة.

أقدم.

وأكبر.

وأعمق بكثير مما تخيل الجميع.

قال شريف:

“سيف ونادر كانوا مجرد ورثة اللعبة.”

“لكن اللعبة نفسها أقدم منهم.”

شعرت سلمى أن كل ما عرفته حتى الآن كان مجرد سطح الحقيقة.

ثم ظهرت رسالة جديدة على الشاشة.

ملف يحمل عنوانًا واحدًا.

الورثة

عبست سلمى.

وقالت:

“ورثة إيه؟”

ضغطت على الملف.

فظهرت قائمة أسماء.

عشرات الأسماء.

لكن اسمًا واحدًا جعلها تتجمد.

مريم نادر الجوهري.

ثم اسم آخر.

أكثر صدمة.

عمر سيف الشاذلي.

سقطت أنفاسها.

“ابني؟!”

قفز يوسف من مكانه.

“إيه؟”

لكن الاسم كان واضحًا.

لا مجال للخطأ.

عمر.

ابنها.

كان ضمن قائمة الورثة.

ورثة ماذا؟

ولماذا؟

وكيف؟

وقبل أن تتمكن من استيعاب الصدمة…

ظهر إشعار أحمر على الشاشة.

أول إشعار منذ فتح النظام.

تم تسجيل دخول مستخدم آخر.

تجمد الاثنان.

ثم ظهرت عبارة ثانية.

المستخدم: عمر الشاذلي.

شعرت سلمى أن قلبها توقف.

لأن ابنها…

في تلك اللحظة بالذات…

كان يدخل إلى النظام نفسه من مكان آخر.

مكان لا تعرفه.

ودون أن يخبرها أحد كيف وصل إليه أصلًا.الفصل الثالث عشر

تجمدت سلمى أمام الشاشة.

العبارة الحمراء ما زالت تومض.

المستخدم: عمر الشاذلي

في البداية ظنت أن هناك خطأ.

ثم أعادت النظر.

مرة.

واثنتين.

وثلاثًا.

لكن الاسم لم يتغير.

عمر.

ابنها.

قال يوسف بصوت متوتر:

“إزاي؟”

لم تجب.

لأنها لم تكن تملك إجابة.

ابنها في السابعة عشرة.

يعرف التكنولوجيا.

ويستخدم الحاسوب طوال الوقت.

لكن هذا النظام؟

هذا النظام لم يعرف بوجوده سوى عدد محدود جدًا من الأشخاص.

بعضهم مات.

وبعضهم اختفى.

وبعضهم دمرته الأسرار.

ثم ظهرت رسالة جديدة على الشاشة.

المستخدم الآخر يطلب الاتصال.

شعرت سلمى بأنفاسها تتسارع.

وقالت:

“مستحيل.”

لكن قبل أن تضغط أي شيء…

انفتح الاتصال تلقائيًا.

وظهرت شاشة سوداء.

ثم صورة.

ثم وجه.

عمر.

كان جالسًا أمام جهاز كمبيوتر.

لكن ليس في المنزل.

ولا في مدرسته.

ولا في أي مكان تعرفه.

قال فورًا:

“ماما.”

وقفت سلمى.

“إنت فين؟!”

نظر حوله.

ثم قال:

“مش عارف.”

ساد الصمت.

ثم أكمل:

“أنا صحيت هنا.”

شعرت بالدم يتجمد في عروقها.

“يعني إيه صحيت هنا؟”

تنفس عمر بسرعة.

ثم قال:

“كنت راجع من عند صاحبي.”

“وبعدين…”

سكت.

“وبعدين إيه؟”

“افتكر عربية وقفت.”

“وبعد كده…”

“مافتكرش حاجة.”

أغمضت سلمى عينيها.

الخوف الذي كانت تحاول مقاومته أصبح حقيقة.

ابنها مختطف.

لكن المفاجأة لم تكن هنا.

لأن عمر أكمل:

“بس في حاجة أغرب.”

“إيه؟”

“في راجل هنا.”

“مين؟”

نظر عمر خلفه.

ثم قال:

“بيقول إنه يعرفك.”

وفي اللحظة التالية…

ظهر رجل داخل إطار الكاميرا.

شعره أبيض.

وجهه نحيل.

عيناه حادتان.

لكن سلمى عرفته فورًا.

وتوقفت أنفاسها.

كريم عزام.

حي.

لا تسجيل.

لا صورة قديمة.

بل حي.

ويقف أمامها الآن.

قال يوسف بصدمة:

“يا نهار أبيض…”

أما سلمى فلم تستطع الكلام.

اقترب كريم من الكاميرا.

ثم قال:

“أنا آسف.”

“إنت حي؟!”

ابتسم ابتسامة مرهقة.

ثم قال:

“لسه.”

شعرت سلمى أن العالم كله يدور حولها.

كل الأدلة.

كل التسجيلات.

كل الرسائل.

كانت تقول إنه مات.

أو اختفى.

أو انتهى.

لكنه كان حيًا طوال الوقت.

قالت بصوت مرتجف:

“إنت فين؟”

أجاب:

“في المكان اللي بدأت فيه القصة.”

ثم أضاف:

“واللي لازم تنتهي فيه.”

نظر إلى عمر.

ثم عاد ينظر إليها.

وقال:

“ابنك بخير.”

“أنا اللي طلبت يجيبوه.”

صرخت سلمى:

“إنت خطفته؟!”

هز رأسه.

“أنقذته.”

ساد الصمت.

ثم قال:

“لأنهم كانوا رايحين له قبلي.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

“مين؟”

نظر مباشرة إلى الكاميرا.

وقال كلمة واحدة.

“الورثة.”

عاد ذلك الاسم مرة أخرى.

الاسم الموجود داخل الملف.

قال يوسف:

“مين الورثة؟”

تنهد كريم ببطء.

ثم جلس.

كأنه يحمل على كتفيه عشرين سنة من الأسرار.

وقال:

“إنتوا فاكرين إن الحكاية كلها عن شركة.”

“مش كده؟”

لا أحد رد.

فأكمل:

“وفاكرين إن المشروع كان قاعدة بيانات.”

“ومجموعة أسرار.”

“ومجموعة رجال أعمال.”

ثم هز رأسه.

“لا.”

ساد الصمت.

وقال الجملة التي نسفت كل شيء مرة أخرى.

“المشروع الحقيقي كان برنامج اختيار.”

“اختيار إيه؟”

سألت سلمى.

نظر مباشرة إلى عمر.

ثم قال:

“اختيار الجيل اللي بعده.”

شعرت سلمى أن قلبها توقف.

ثم أخرج ملفًا من أمامه.

وعلى غلافه كان مكتوبًا:

مشروع الورثة

وتحته عشرات الصور.

مريم.

عمر.

وأبناء رجال أعمال آخرين.

وأبناء مسؤولين.

وأشخاص لا تعرفهم.

كلهم في أعمار متقاربة.

ثم قال كريم:

“من عشرين سنة كانوا بيبنوا شبكة.”

“ومن عشر سنين بدأوا يجهزوا اللي هيستلمها.”

ثم نظر إلى عمر.

وقال:

“وابنك كان واحد منهم.”

شعرت سلمى بأن العالم ينهار من جديد.

لأنها أدركت أن كل ما حاربته حتى الآن…

لم يكن الماضي.

بل المستقبل.

وأن أخطر أسرار الإمبراطورية لم تكن مخبأة في الخادم رقم 12.

بل في الجيل الذي تم إعداده سرًا ليرثها.الفصل الأخير

 

بقيت سلمى تنظر إلى الصور المعروضة أمامها.

 

صور عمر.

 

ومريم.

 

وعشرات الشباب الآخرين.

 

كلهم مدرجون داخل ملف واحد.

 

ملف يحمل اسم:

 

مشروع الورثة.

 

في تلك اللحظة فهمت أخيرًا.

 

الحرب لم تكن على شركة.

 

ولا على مليارات.

 

ولا حتى على السلطة.

 

الحرب كانت على المستقبل.

 

على من سيحكم بعد اختفاء الجيل القديم.

 

—

 

قال كريم بصوت متعب:

 

“من عشرين سنة بدأ المشروع.”

 

“كان الهدف إنشاء شبكة نفوذ لا تموت.”

 

“كل جيل يسلم الجيل اللي بعده.”

 

“وكل واحد يتربى من صغره على إنه يبقى جزء من المنظومة.”

 

—

 

نظرت سلمى إلى عمر.

 

كان مصدومًا.

 

خائفًا.

 

وغاضبًا.

 

—

 

قال:

 

“وأنا؟”

 

“أنا مالي بكل ده؟”

 

—

 

أجاب كريم:

 

“لأنك ابن سيف الشاذلي.”

 

“ولأن والدك كان جزءًا من المشروع.”

 

“تم تسجيل اسمك من يوم ولادتك.”

 

—

 

شحب وجه عمر.

 

—

 

أما سلمى فشعرت بالغضب يشتعل داخلها.

 

كل السنوات التي قضتها تحمي أبناءها.

 

وتبني لهم حياة طبيعية.

 

بينما كان آخرون يرسمون مستقبلهم دون علمها.

 

—

 

قالت:

 

“وإيه المطلوب دلوقتي؟”

 

—

 

نظر كريم نحو الشاشة.

 

ثم قال:

 

“الخادم رقم 12.”

 

“لازم يختفي.”

 

—

 

ساد الصمت.

 

—

 

ثم أكمل:

 

“طول ما البيانات دي موجودة…”

 

“هيفضل فيه ناس تطاردها.”

 

“وتق*تل عشانها.”

 

“وتبني إمبراطوريات فوقها.”

 

—

 

سأل يوسف:

 

“ولو مسحناها؟”

 

—

 

ابتسم كريم لأول مرة.

 

وقال:

 

“تنتهي اللعبة.”

 

—

 

—

 

في الليلة نفسها.

 

اجتمع الأربعة.

 

سلمى.

 

وعمر.

 

ويوسف.

 

وكريم.

 

—

 

أمام الخادم رقم 12.

 

—

 

كان الجهاز يعمل منذ أكثر من عشرين عامًا.

 

يحمل أسرارًا تكفي لإسقاط مئات الأشخاص.

 

—

 

قال كريم:

 

“أنا ضيعت عمري كله أحاول أحميه.”

 

“لكن الحقيقة…”

 

“كان لازم أدفنه من زمان.”

 

—

 

ثم وضع يده على زر الإيقاف النهائي.

 

—

 

نظر إلى سلمى.

 

—

 

وقالت بهدوء:

 

“اعملها.”

 

—

 

ضغط الزر.

 

—

 

بدأت الشاشات تنطفئ واحدة تلو الأخرى.

 

—

 

الخوادم توقفت.

 

—

 

الأضواء خفتت.

 

—

 

والأصوات اختفت.

 

—

 

حتى عمّ الصمت المكان بالكامل.

 

—

 

بعد عشرين سنة.

 

انتهى مشروع الورثة.

 

—

 

—

 

بعد أشهر.

 

أغلقت التحقيقات الأخيرة.

 

—

 

اعترف سيف بكل شيء.

 

—

 

وسقطت بقية الشبكة.

 

—

 

أما مريم…

 

فاختارت الابتعاد عن الجميع.

 

وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن اسم والدها.

 

—

 

يوسف استعاد جزءًا من حقوقه.

 

—

 

وكريم أخيرًا خرج إلى النور.

 

لأول مرة منذ سنوات طويلة.

 

—

 

أما سلمى…

 

فرفضت كل العروض.

 

—

 

رفضت رئاسة الشركات.

 

ورفضت المناصب.

 

ورفضت الأضواء.

 

—

 

عادت إلى بيتها.

 

—

 

إلى أبنائها.

 

—

 

إلى الحياة التي حاول الجميع سرقتها منها.

 

—

 

—

 

وفي مساء هادئ بعد عام كامل…

 

كانت تجلس في شرفة منزلها.

 

—

 

الشمس تغرب فوق القاهرة.

 

—

 

وعمر يجلس بجوارها.

 

—

 

قال:

 

“ماما.”

 

—

 

ابتسمت.

 

“نعم؟”

 

—

 

سكت قليلًا.

 

ثم قال:

 

“لو رجع الزمن…”

 

“كنتِ هتدخلي الحرب دي كلها تاني؟”

 

—

 

نظرت إلى الأفق البعيد.

 

—

 

وتذكرت الصفعة.

 

—

 

والحفل.

 

—

 

والملفات.

 

—

 

والخيانة.

 

—

 

والأسرار.

 

—

 

والسنوات التي ضاعت.

 

—

 

ثم ابتسمت.

 

—

 

وقالت:

 

“أيوه.”

 

—

 

“عشان الحقيقة تستاهل.”

 

—

 

“والكرامة تستاهل.”

 

—

 

“وأنتوا تستاهلوا.”

 

—

 

سكت عمر.

 

—

 

ثم أمسك يدها.

 

—

 

كما كان يفعل وهو طفل صغير.

 

—

 

وفي تلك اللحظة…

 

أدركت سلمى أن انتصارها الحقيقي لم يكن إسقاط إمبراطورية.

 

—

 

ولا كشف مؤامرة.

 

—

 

ولا فضح الخونة.

 

—

 

بل أنها نجحت في حماية الشيء الوحيد الذي كان مهمًا منذ البداية.

 

—

 

عائلتها.

 

—

 

أما الباقي…

 

فلم يعد يهم.

 

تمّت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *