الشريان التاجي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل التاسع
ظلت سلمى تنظر إلى الورقة عدة دقائق.
“الجولة الأخيرة.”
“أنا في انتظارك.”
– نادر الجوهري
لم يكن تهديدًا.
ولم يكن اعتذارًا.
بل بدا وكأنه دعوة.
دعوة من رجل اعتاد أن يتحكم في مصائر الآخرين من الظل.
في الأيام التالية تحولت القضية إلى حديث البلد كله.
البرامج التلفزيونية.
الصحف الاقتصادية.
مواقع الأخبار.
الجميع يتحدث عن انهيار مجموعة الشاذلي.
لكن خلف الكواليس…
كان شيء أخطر يحدث.
بدأ شهود قدامى في الظهور.
موظفون سابقون.
محاسبون.
مستشارون.
أشخاص ظلوا صامتين سنوات طويلة.
وبدأت قطع الصورة تتجمع.
واكتشفت النيابة أن حجم الأموال المخفية أكبر بكثير مما توقع الجميع.
لكن رغم كل ذلك…
ظل نادر الجوهري مختفيًا.
وكأنه تبخر.
حتى جاء اتصال في الساعة الثالثة فجرًا.
كان يوسف.
وصوته مختلف.
“لقيناه.”
قفزت سلمى من سريرها.
“فين؟”
“هو اللي عايزنا نلاقيه.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“بعت عنوان.”
بعد ساعات قليلة.
كانت سلمى ويوسف ونادية داخل سيارة متجهة نحو الساحل الشمالي.
بعيدًا عن القاهرة.
بعيدًا عن الشركات.
بعيدًا عن الضوضاء.
العنوان قادهم إلى قصر قديم مهجور يطل على البحر.
مكان ضخم.
فاخر.
لكن مهجور منذ سنوات.
وحين دخلوا…
وجدوه جالسًا.
نادر الجوهري.
لأول مرة.
رجل في أواخر الستينات.
شعره فضي.
بدلة أنيقة.
وعينان هادئتان بشكل مرعب.
ابتسم عندما رآهم.
وقال:
“أخيرًا.”
لم تجلس سلمى.
قالت مباشرة:
“فين كريم؟”
ضحك.
ضحكة قصيرة.
ثم قال:
“حتى الآن… أول سؤال.”
“إجابة السؤال.”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“ميت.”
ساد الصمت.
حتى البحر في الخارج بدا وكأنه توقف.
أما يوسف فأغلق عينيه.
كأنه كان يعرف الإجابة منذ البداية.
جلس نادر بهدوء.
وقال:
“الفرق بيني وبينكم…”
“إني بطلت أكذب على نفسي من زمان.”
ثم نظر إلى سلمى.
“أنا فعلت أشياء بشعة.”
“وأنت عايز إيه دلوقتي؟”
“أقول الحقيقة.”
ولأول مرة…
بدأ الرجل يحكي.
قبل عشرين عامًا.
لم يكن يريد فقط المال.
بل السيطرة.
وكان مقتنعًا أن الشركة ستصبح إمبراطورية.
لكن وجود أربعة شركاء يعني أن القرار لن يكون بيده.
فبدأ يدفعهم ضد بعضهم.
يوسف ضد كريم.
سيف ضد يوسف.
الجميع ضد الجميع.
حتى تحولت الصداقة إلى حرب.
ثم بدأ السقوط.
اختفى شريف.
وانهار كريم.
واختفى يوسف.
وبقي سيف.
الرجل الأسهل في التلاعب.
الرجل الذي أحب السلطة أكثر من أي شيء.
قالت سلمى بمرارة:
“واستخدمت بنتك؟”
لأول مرة اختفت الابتسامة من وجه نادر.
ثم قال:
“مريم أكبر غلطة في حياتي.”
واتضح أن مريم لم تكن تعرف شيئًا.
دخلت الشركة فعلًا لأنها أحبت سيف.
ولأن والدها أخفى عنها الحقيقة كاملة.
واستخدم وجودها دون علمها.
جلس الجميع في صمت.
ثم أخرج نادر ملفًا سميكًا.
ووضعه أمام سلمى.
“إيه ده؟”
“اعترافي الكامل.”
رفعت رأسها ببطء.
“ليه؟”
نظر نحو البحر.
ثم قال:
“لأن السرطان أسرع مني.”
ساد الصمت.
وأضاف:
“وعندي شهور مش سنين.”
لأول مرة بدا عجوزًا.
ليس رجلًا مخيفًا.
ولا رجل أعمال.
بل إنسانًا أنهكته أخطاؤه.
ثم قال:
“في حاجة أخيرة.”
وأخرج مفتاحًا صغيرًا.
“ده إيه؟”
“بيت كريم.”
تجمد يوسف.
“إيه؟”
“كريم كان محتفظ بكل حاجة.”
“وماحدش يعرف مكانها غيري.”
مد المفتاح نحو سلمى.
وقال:
“أنهي القصة.”
بعد أسبوعين.
توفي نادر الجوهري.
بعد أن سلم اعترافه الكامل.
واعترف بكل الجرائم المالية والتلاعبات.
وكل ما حدث خلال عشرين عامًا.
أما سلمى ويوسف…
فذهبا إلى المنزل الذي أشار إليه.
كان بيتًا صغيرًا في الإسكندرية.
بعيدًا عن القصور.
وبعيدًا عن المليارات.
وحين فتحا الباب…
وجدوا شيئًا لم يتوقعوه.
مئات الدفاتر.
ومذكرات مكتوبة بخط كريم.
وتسجيلات.
وصور.
وقصة كاملة.
قصة رجل حلم بشركة تغير العالم.
ثم شاهد حلمه يُسرق أمام عينيه.
وبين الأوراق…
وجدت سلمى رسالة أخيرة.
موجهة إليها.
رغم أن كريم لم يقابلها إلا مرات قليلة جدًا.
وكان مكتوبًا فيها:
لو وصلتي للرسالة دي…
فمعناه إن الحقيقة انتصرت أخيرًا.
الناس هتفتكر إن القصة عن المال.
أو عن الشركة.
أو عن الخيانة.
لكنها عمرها ما كانت كده.
القصة كانت دائمًا عن الاختيارات.
كل واحد فينا اختار.
وأنا دفعت الثمن.
ويوسف دفع الثمن.
وحتى سيف دفع الثمن بطريقته.
أما أنتِ…
فاخترتي المواجهة.
وده السبب إنك وصلتي للنهاية.
أغلقت سلمى الرسالة.
ونظرت من نافذة المنزل نحو البحر.
كانت الشمس تغرب ببطء.
مثل تلك الليلة التي صفعها فيها سيف أمام خمسمئة شخص.
يومها ظن الجميع أن القصة بدأت بصفعة.
لكن الحقيقة أنها بدأت قبل عشرين عامًا.
وانتهت أخيرًا عندما خرجت الحقيقة من الظلام.
أما إمبراطورية الشاذلي…
فلم تعد موجودة كما كانت.
لكن أبناء سلمى كبروا وهم يعرفون شيئًا واحدًا:
أن الكرامة قد تتأخر.
والحقيقة قد تُدفن سنوات.
لكن عندما تخرج إلى النور…
فإنها تهدم إمبراطوريات كاملة.
الفصل العاشر
لكن الحقيقة…
لم تكن قد انتهت.
ولا حتى اقتربت من النهاية.
بعد ثلاثة أسابيع من وفاة نادر الجوهري…
كانت سلمى ما تزال تقضي ساعات طويلة داخل منزل كريم القديم في الإسكندرية.
كل يوم تكتشف دفترًا جديدًا.
أو تسجيلًا جديدًا.
أو سرًا جديدًا.
وفي إحدى الليالي…
كانت وحدها داخل المكتب الصغير المطل على البحر.
الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل.
والمطر يضرب النوافذ بقوة.
بينما كانت تقلب أحد دفاتر كريم الأخيرة.
فوقعت ورقة مطوية من بين الصفحات.
لم تكن رسالة.
ولا عقدًا.
بل خريطة.
خريطة مرسومة يدويًا.
وعليها دائرة حمراء كبيرة.
وتحتها عبارة واحدة فقط.
“إذا وصلتِ إلى هنا… فاعلمي أنني كنت على حق.”
تجمدت سلمى.
ثم فتحت الصفحة التالية.
فوجدت سطرًا قصيرًا.
“المال لم يكن الهدف أبدًا.”
شعرت بقشعريرة.
لأن هذا يناقض كل ما عرفته طوال الشهور الماضية.
إذا لم يكن المال هو الهدف…
فما هو؟
في صباح اليوم التالي.
وصل يوسف إلى المنزل.
وأرته الخريطة.
فشحب وجهه فورًا.
“إنت عارف المكان؟”
أومأ برأسه ببطء.
وقال:
“للأسف.”
“فين؟”
“مخزن قديم.”
“بتاع الشركة؟”
هز رأسه.
“لا.”
ثم قال الجملة التي جعلت قلبها يتوقف.
“بتاع الجيش القديم اللي اشتريناه زمان.”
بعد ساعات.
كانا يقفان أمام منشأة مهجورة على أطراف الصحراء الغربية.
المكان بدا مهجورًا بالكامل.
أسلاك صدئة.
جدران متآكلة.
وأبواب حديدية ضخمة.
لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
لأن الأقفال كانت جديدة.
جديدة جدًا.
قال يوسف بصوت منخفض:
“حد بيستخدم المكان.”
دخلوا بحذر.
ومع كل خطوة داخل الممرات المظلمة…
كانت نبضات سلمى تتسارع أكثر.
حتى وصلوا إلى غرفة ضخمة تحت الأرض.
وهناك…
وجدوا شيئًا لم يتوقعوه.
عشرات الخوادم الإلكترونية.
أجهزة.
شاشات.
وأنظمة تخزين بيانات.
كلها ما تزال تعمل.
وقفت سلمى مذهولة.
“إيه ده؟”
أجاب يوسف بصوت مرتجف:
“أنا فاكر دلوقتي.”
“فاكر إيه؟”
“المشروع الحقيقي.”
ثم جلس على كرسي قديم.
وأخفى وجهه بين يديه.
كأنه عاد عشرين سنة إلى الوراء.
وقال:
“إحنا كلنا كنا فاكرين إن الشركة شركة تكنولوجيا.”
“ما كانتش؟”
رفع رأسه ببطء.
وقال:
“كانت واجهة.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“المشروع الحقيقي كان قاعدة بيانات.”
“قاعدة بيانات لإيه؟”
نظر إليها مباشرة.
وقال:
“لكل حاجة.”
عقود.
مناقصات.
تحويلات.
معلومات رجال أعمال.
شبكات نفوذ.
وثائق حساسة.
أسرار شركات كبرى.
بدأت الصورة تتضح.
وكانت أسوأ مما تخيلت.
فالشركة لم تصبح قوية بسبب التكنولوجيا فقط.
بل بسبب المعلومات.
المعلومات التي كانت تساوي مليارات.
وفجأة…
اشتغلت إحدى الشاشات وحدها.
دون أن يلمسها أحد.
قفز يوسف واقفًا.
أما سلمى فتجمدت مكانها.
ثم ظهر على الشاشة اسم واحد.
كريم عزام.
وبعد ثانيتين…
ظهر تسجيل فيديو.
كريم.
لكن هذه المرة بدا أصغر سنًا.
وأقوى.
وأقرب إلى الحقيقة.
نظر مباشرة إلى الكاميرا.
وقال:
“إذا كنتم تشاهدون هذا التسجيل…”
“فمعناه إن المشروع خرج عن السيطرة.”
حبست سلمى أنفاسها.
وأكمل كريم:
“أنا لا أخاف من سرقة الشركة.”
“ولا أخاف من خسارة المال.”
“أنا أخاف من الشيء الموجود في الخادم رقم 12.”
تبادلت سلمى ويوسف النظرات.
ثم التفتا معًا نحو صف الخوادم.
وكان هناك خادم واحد فقط يحمل الرقم:
12
شعرت سلمى ببرودة تسري في جسدها.
ثم عاد صوت كريم.
“إذا وصلتم إلى هنا…”
“لا تفتحوه إلا إذا كنتم مستعدين لمعرفة الحقيقة كاملة.”
انقطع التسجيل.
وساد الصمت.
صمت ثقيل.
مرعب.
لأن الجميع كان يظن أن قضية سيف ونادر هي القصة.
لكن يبدو أن سيف نفسه…
وربما نادر أيضًا…
كانا مجرد جزء صغير من شيء أكبر بكثير.
شيء ظل مخبأ داخل الخادم رقم 12 لأكثر من عشرين عامًا.
وفي اللحظة التي اقتربت فيها سلمى من الجهاز…
أضاءت الشاشة تلقائيًا.
وظهرت كلمة واحدة فقط:
“مرحبًا سلمى.”
فتوقفت أنفاسها.
لأن أحدًا…
أو شيئًا ما…
كان يعلم أنها ستصل إلى هنا.