طلقت زوجتي حكايات اسما×4
الفصل التاسع
حلقت الطائرة الخاصة فوق امتداد لا نهائي من الرمال الذهبية.
من النافذة كانت الصحراء تبدو هادئة.
ساكنة.
لكن داخل الطائرة كان التوتر يملأ الأجواء.
جلس كريم يراجع الخرائط للمرة العاشرة.
بينما كانت سارة تنظر إلى الرسائل القديمة.
أما قائد الفريق الأمني فكان يتابع الإحداثيات على جهازه.
بعد ساعات من الطيران.
هبطوا في مهبط صغير مهجور بالقرب من واحة قديمة.
ومن هناك بدأت الرحلة البرية.
سيارتان رباعيتا الدفع.
أجهزة اتصال.
معدات حفر.
وحراسة مشددة.
كل ذلك من أجل سر دفنه محمود الشاذلي قبل عقود.
مع غروب الشمس.
وصلوا إلى الموقع المحدد.
كان المكان عبارة عن هضبة صخرية معزولة.
لا توجد أي علامة مميزة.
ولا أي أثر لحياة بشرية.
قال أحد أفراد الفريق:
“أكيد في خطأ.”
لكن كريم لم يقتنع.
أعاد النظر إلى الخريطة.
ثم إلى الصخور.
وفجأة لاحظ شيئًا.
علامة صغيرة محفورة على أحد الجوانب.
حرف واحد فقط.
الحرف الأول من اسم والده.
م.
اقترب بسرعة.
ومرر يده على الصخرة.
ثم ضغط بقوة.
فصدر صوت خافت.
وتحرك جزء من الصخور ببطء.
كاشفًا عن مدخل مخفي.
ساد الصمت.
الجميع تجمدوا في أماكنهم.
أما كريم فشعر بقلبه يقفز داخل صدره.
دخلوا بحذر.
كان الممر ضيقًا.
ومظلمًا.
لكن بعد عدة أمتار انفتح على غرفة حجرية واسعة.
وفي منتصفها…
صندوق معدني ضخم.
مغلق بأقفال متعددة.
اقترب كريم.
ورأى لوحة نحاسية مثبتة على الغطاء.
نقش عليها اسم واحد.
محمود الشاذلي
وتحت الاسم عبارة قصيرة:
“الحقيقة لا تموت… حتى لو دفنتها الرمال.”
استغرق فتح الصندوق أكثر من ساعة.
وحين انفتح أخيرًا…
لم يجدوا ذهبًا.
ولا مجوهرات.
ولا ملايين الدولارات.
بل وجدوا عشرات الملفات.
وأشرطة تسجيل.
وأجهزة تخزين قديمة.
ووثائق مختومة.
نظر كريم إلى سارة.
ثم بدأا الفحص.
كانت أول وثيقة عبارة عن تقرير مالي يعود إلى ثلاثين عامًا.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
وبعد دقائق بدأ وجه كريم يتغير.
كلما قرأ أكثر.
كلما ازداد ذهوله.
لأن الوثائق كانت تكشف عملية احتيال ضخمة.
عملية حدثت قبل تأسيس الإمبراطورية بشكلها الحالي.
عملية لم يكن والده ضحية لها فقط…
بل كان شاهدًا عليها أيضًا.
جلس كريم على الأرض.
وقلب الصفحات بسرعة.
حتى وصل إلى اسم جعل الدم يتجمد في عروقه.
فؤاد عزام.
الشريك القديم.
الرجل الذي حاول إيذاء الطفلين.
اسمه كان موجودًا منذ البداية.
بل وأكثر من ذلك.
كان شريكًا في العملية نفسها.
لكن الصدمة الحقيقية لم تأت بعد.
لأن إحدى الوثائق احتوت على شهادة موقعة بخط يد محمود الشاذلي.
قرأ كريم السطور الأولى.
ثم توقف.
وأعاد القراءة.
ثم الثالثة.
غير مصدق.
رفعت سارة رأسها.
وقالت:
“في إيه؟”
ناولها الورقة بصمت.
وبدأت تقرأ.
ثم شحب وجهها.
كانت الشهادة تقول إن والد كريم الحقيقي…
ليس محمود الشاذلي.
ساد الصمت.
ثقيلاً.
خانقًا.
مرعبًا.
شعر كريم أن العالم كله ينهار.
أعاد النظر إلى الورقة.
مرارًا وتكرارًا.
لكن الكلمات لم تتغير.
كان هناك رجل آخر.
رجل مات قبل عقود.
وهو الأب البيولوجي الحقيقي لكريم.
أما محمود…
فقد رباه كابنه.
وحماه.
وأعطاه اسمه.
وأخفى الحقيقة طوال حياته.
جلس كريم بلا حركة.
الدقائق تمر.
ولا يستطيع الكلام.
كل شيء تغير فجأة.
هويته.
تاريخه.
حتى اسمه.
اقتربت سارة منه ببطء.
وقالت:
“الأب مش اللي بينقل الدم.”
“الأب اللي بيربي.”
رفع رأسه نحوها.
وعيناه ممتلئتان بالألم.
فأكملت:
“محمود الشاذلي كان أبوك.”
“سواء الورق قال كده أو لا.”
لكن داخل الصندوق كانت هناك مفاجأة أخرى.
مظروف أحمر.
عليه عبارة واحدة فقط.
يفتح بواسطة كريم وحده.
أمسكه بيد مرتجفة.
وفتحه.
وفي الداخل وجد رسالة قصيرة.
بخط والده.
يا كريم…
لو وصلت للرسالة دي يبقى عرفت الحقيقة.
وأنا عارف إنك موجوع دلوقتي.
لكن لازم تعرف حاجة.
أنا ما كنتش مضطر أربيك.
وما كنتش مضطر أحبك.
لكني عملت الاتنين بإرادتي.
لأنك من أول يوم دخلت حياتي كنت ابني.
ويمكن أكتر حاجة فخور بيها في حياتي…
مش الشركة.
ولا الفلوس.
ولا الشهرة.
بل أنت.
بدأت دموع كريم تنزل دون مقاومة.
وأكمل القراءة.
لو بتقرأ الرسالة دي فمعناه إن عندك فرصة أصلح من الفرصة اللي كانت عندي.
متكررش أخطائي.
ومتخسرش ولادك زي ما أنا خسرت سنين من عمري معاك بسبب الأسرار.
حبهم.
واحميهم.
وخليهم يعرفوا كل يوم إنهم أهم من أي إمبراطورية.
انتهت الرسالة.
لكن أثرها لم ينته.
في الخارج…
كانت الشمس تغيب خلف الكثبان الرملية.
والصحراء تتحول إلى بحر من الظلال.
لكن بعيدًا عنهم بمئات الكيلومترات…
كان هناك شخص آخر يقرأ تقريرًا وصل للتو.
رفع رأسه.
وابتسم.
ثم قال:
“أخيرًا عرف الحقيقة.”
سأله مساعده:
“وده يفيدنا في إيه؟”
أجاب الرجل بهدوء:
“لأن المرحلة الأخيرة بدأت.”
ثم أغلق الملف.
وكان على غلافه اسم واحد فقط:
كريم الشاذلي.
بينما لم يكن كريم يعلم أن كشف سر والده لم يكن نهاية الرحلة…
بل بداية حرب أكبر بكثير.
حرب ستجبره على الاختيار بين حماية إمبراطوريته…
أو حماية عائلته.
يتبع…
الفصل العاشر
عاد كريم إلى القاهرة رجلًا مختلفًا.
لم يكن السبب الملفات.
ولا الأسرار.
ولا حتى الحقيقة المتعلقة بوالده.
بل الرسالة.
تلك الرسالة القصيرة التي كتبها محمود الشاذلي قبل سنوات طويلة.
منذ قرأها…
وهو يشعر وكأن والده ما زال يتحدث إليه.
في السيارة.
في مكتبه.
في لحظات الصمت.
وفي كل مرة ينظر فيها إلى آدم وياسين.
كان يسمع الجملة نفسها:
“متخسرش ولادك.”
وصلت الطائرة الخاصة إلى القاهرة قبيل الفجر.
وكان أول شيء فعله كريم بعد الهبوط…
أنه طلب التوجه مباشرة إلى منزل سارة.
استغرب الجميع.
لكن لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
بعد نصف ساعة.
كان يقف أمام باب الشقة.
وعندما فتحت سارة.
تفاجأت به.
قالت:
“لسه راجع؟”
أومأ.
ثم سأل:
“الولاد صاحيين؟”
ابتسمت.
وقالت:
“أكيد نايمين.”
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت:
“ادخل.”
دخل بهدوء.
وتوجه مباشرة إلى غرفة الطفلين.
فتح الباب ببطء.
ورآهما نائمين.
آدم يحتضن دبدوبه القديم.
وياسين نائم فوق كتاب مصور كان يقرأه قبل النوم.
ابتسم كريم.
ثم جلس على الأرض قرب سريريهما.
وبقي هناك طويلًا.
دون كلام.
دون حركة.
فقط ينظر إليهما.
وكأنه يحاول تعويض خمس سنوات كاملة في ليلة واحدة.
لكن بينما كان كريم يعيش تلك اللحظة…
كانت أزمة جديدة تتشكل داخل مجموعة الشاذلي.
أزمة أخطر من كل ما سبق.
ففي صباح اليوم التالي.
استيقظت البورصة على خبر مدوٍ.
أحد الصناديق الاستثمارية الأجنبية العملاقة أعلن فجأة نيته شراء نسبة مؤثرة من أسهم المجموعة.
الأمر بدا طبيعيًا في البداية.
لكن بعد ساعات…
اكتشف مجلس الإدارة الحقيقة.
الصندوق مجرد واجهة.
أما المشتري الحقيقي…
فكان رجل أعمال غامضًا يدعى عادل المنصوري.
اسم لم يسمع به كثيرون.
لكنه كان يملك ثروة هائلة.
وشبكة شركات تمتد عبر عدة دول.
وفي الطابق الأربعين.
جلس أعضاء المجلس في حالة ذعر.
قال أحدهم:
“لو اشترى النسبة دي هيبقى ليه نفوذ ضخم.”
وقال آخر:
“وده أول خطوة للاستحواذ الكامل.”
أما كريم فظل صامتًا.
ينظر إلى الملف.
حتى وصل إلى صورة الرجل.
وعندها…
شحب وجهه.
لأن الصورة لم تكن غريبة عليه.
بل رآها داخل الصندوق في الصحراء.
وسط الوثائق القديمة.
كان الاسم مختلفًا قليلًا.
لكن الوجه نفسه.
نفس الرجل الذي ارتبط بالماضي الغامض لعائلته.
في المساء.
بدأ كريم البحث بنفسه.
وبعد ساعات من مراجعة الملفات.
اكتشف شيئًا مرعبًا.
عادل المنصوري لم يظهر فجأة.
بل كان يراقب المجموعة منذ سنوات.
ويشتري حصصًا صغيرة عبر شركات وسيطة.
بهدوء.
وصبر.
ودقة.
كأنه كان ينتظر لحظة معينة.
لحظة بعينها.
وعندما جمع كريم كل الخيوط.
وصل إلى استنتاج واحد فقط.
الرجل لم يكن يريد الشركة.
بل كان يريد شيئًا آخر.
شيئًا شخصيًا.
في اليوم التالي.
وصل ظرف أسود إلى مكتب كريم.
بلا عنوان.
بلا مرسل.
فتح الظرف.
فوجد صورة واحدة.
صورة قديمة جدًا.
يعود عمرها إلى أكثر من ثلاثين عامًا.
ظهر فيها محمود الشاذلي.
وشاب آخر يقف إلى جواره.
وحين قلب الصورة…
وجد عبارة مكتوبة بخط اليد:
“بعض الديون لا تسقط بالتقادم.”
وفي أسفلها توقيع.
عادل المنصوري.
لأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر كريم بالخطر الحقيقي.
الخطر الذي لا يتعلق بالمال.
ولا بالمنافسة.
بل بالماضي.
في تلك الليلة.
كان آدم وياسين يلعبان في غرفة المعيشة.
بينما جلست سارة تساعدهما في الواجب المدرسي.
رن الجرس.
فتحت الباب.
فوجدت رجلًا مسنًا.
يرتدي بدلة أنيقة.
ويمسك ظرفًا صغيرًا.
قال بهدوء:
“حضرتك مدام سارة؟”
أومأت بحذر.
فسلمها الظرف.
وأضاف:
“دي أمانة.”
“وكان لازم توصلك النهارده تحديدًا.”
ثم غادر.
أغلقت الباب بسرعة.
وفتحت الظرف.
فتجمدت.
لأن داخله صورة قديمة أخرى.
لكن هذه المرة…
كانت الصورة لطفل صغير.
لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات.
وبجانبه محمود الشاذلي.
وفي الخلفية كُتب التاريخ.
قبل أكثر من أربعين عامًا.
أما الطفل…
فكان كريم.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقها…
هو الرجل الواقف في الخلف.
رجل يشبه عادل المنصوري بشكل مخيف.
وكأنه أخوه التوأم.
وفي اللحظة نفسها.
وصل كريم إلى المنزل.
ورأى الصورة.
فشحب وجهه فورًا.
نظر إلى الرجل.
ثم إلى التاريخ.
ثم إلى سارة.
وقال بصوت خافت:
“مستحيل…”
سألته:
“تعرفه؟”
أجاب بعد صمت طويل:
“لو أنا صح…”
“يبقى عادل المنصوري مش مجرد رجل أعمال.”
“ولا مجرد منافس.”
“عادل المنصوري ممكن يكون…”
لكن الكلمات توقفت في حلقه.
لأن عقله رفض حتى مجرد التفكير في الاحتمال.
احتمال واحد فقط.
احتمال قادر على نسف كل شيء.
أن يكون الرجل الذي يحاول الاستيلاء على إمبراطورية الشاذلي…
مرتبطًا مباشرة بالحقيقة التي أخفاها محمود الشاذلي طوال حياته.
وربما…
مرتبطًا بكريم نفسه.
وفي مكان آخر من القاهرة.
كان عادل المنصوري يقف أمام نافذة مكتبه.
ينظر إلى أضواء المدينة.
ثم فتح درجًا صغيرًا.
وأخرج منه صورة باهتة.
صورة لطفلين صغيرين.
أحدهما كريم.
والآخر طفل مجهول.
نظر إليهما طويلًا.
ثم همس:
“قربنا جدًا.”
وأغلق الدرج ببطء.
بينما بدأت أكبر مواجهة في تاريخ عائلة الشاذلي تقترب خطوة بعد أخرى.
يتبع…
