دخلت تولد حكـايـات أسمـا ×5

الفصل التاسع

“فؤاد الشامي؟!”

كررت سلمى الاسم وهي تحدق في ياسين بذهول.

هز رأسه ببطء.

وقال:

“المكالمة جاية من قسم الطوارئ.”

 

“والاسم متسجل بنفس الرقم القومي القديم.”

 

أخذ مفاتيحه بسرعة.

 

لكن سلمى قالت فورًا:

 

“أنا جاية معاك.”

 

نظر إليها مترددًا.

 

ثم وافق.

 

—

 

بعد أقل من نصف ساعة…

 

وصلا إلى مستشفى الشفاء الدولي.

 

كانت حالة من الارتباك تسود قسم الطوارئ.

 

وعندما دخل ياسين وجد مدير المستشفى بنفسه ينتظره.

 

قال الرجل:

 

“لازم تشوف بنفسك.”

 

سار معه بسرعة.

 

حتى وصلا إلى غرفة خاصة.

 

فتح الباب.

 

ودخل.

 

ثم تجمد في مكانه.

 

كان هناك رجل مسن يرقد على السرير.

 

شعره أبيض بالكامل.

 

وجهه نحيل.

 

وآثار المرض واضحة عليه.

 

لكن ملامحه كانت مطابقة تقريبًا للصور القديمة التي رآها ياسين عشرات المرات.

 

همس:

 

“فؤاد الشامي…”

 

فتح الرجل عينيه ببطء.

 

ونظر إليه.

 

ثم ابتسم ابتسامة ضعيفة.

 

وقال:

 

“أخيرًا.”

 

ساد الصمت.

 

أما سلمى فشعرت بقلبها يخفق بقوة.

 

سأل ياسين:

 

“إنت مين؟”

 

ضحك الرجل بخفة.

 

وقال:

 

“سؤال منطقي.”

 

ثم سعل عدة مرات.

 

وأضاف:

 

“أنا فؤاد الشامي فعلًا.”

 

اقترب ياسين خطوة.

 

وقال:

 

“ده مستحيل.”

 

“إنت متوفي رسميًا من عشر سنين.”

 

أغمض الرجل عينيه للحظة.

 

ثم قال:

 

“عارف.”

 

—

 

على مدار الساعة التالية…

 

استمع الجميع إلى قصة لم يكن أحد يتوقعها.

 

قبل عشر سنوات.

 

تعرض فؤاد الشامي لمحاولة قتل أثناء سفره خارج البلاد.

 

والشخص الذي خانه كان أقرب شركائه.

 

نجا بأعجوبة.

 

لكنه اكتشف أن هناك من يلاحقه ليكمل المهمة.

 

فقرر الاختفاء.

 

زور وفاته.

 

وترك كل شيء خلفه.

 

اسمه.

 

شركاته.

 

وأمواله.

 

واختفى في دولة أخرى.

 

قال بصوت متعب:

 

“كنت فاكر إني بحمي نفسي.”

 

“لكن خسرت عمري كله.”

 

ثم التفت نحو سلمى.

 

وسأل:

 

“اسمك إيه؟”

 

أجابت:

 

“سلمى حجازي.”

 

ابتسم بحزن.

 

وقال:

 

“شبهاها.”

 

قطبت حاجبيها.

 

“مين؟”

 

اغرورقت عيناه بالدموع.

 

وقال:

 

“أمك.”

 

تجمدت سلمى.

 

أما ياسين فشعر أن هناك شيئًا أكبر يقترب.

 

قال فؤاد:

 

“أمك اسمها هالة.”

 

شهقت سلمى.

 

لأن هذا صحيح.

 

اسم والدتها بالفعل هالة.

 

ثم أخرج الرجل من جيبه صورة قديمة مهترئة.

 

ناولها لها.

 

وبمجرد أن نظرت إليها شعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها.

 

كانت الصورة لوالدتها وهي شابة.

 

وتقف بجوار فؤاد الشامي.

 

وهما يبتسمان.

 

قال الرجل بصوت مرتجف:

 

“هالة كانت حب عمري.”

 

“واتجوزنا سرًا.”

 

تسارعت أنفاس سلمى.

 

وقالت:

 

“إيه؟”

 

أومأ برأسه.

 

وتابع:

 

“لكن عيلتي رفضتها.”

 

“وفرقونا.”

 

“ولما رجعت أدور عليها بعد سنين…”

 

“عرفت إنها ماتت.”

 

سال الدمع من عيني سلمى.

 

أما فؤاد فأكمل:

 

“وعرفت كمان إنها كانت حامل.”

 

ساد الصمت.

 

وقال أخيرًا:

 

“وأنا متأكد إنك بنتي.”

 

—

 

مرت أيام طويلة من الفحوصات والتحاليل.

 

حتى ظهرت النتيجة النهائية.

 

وكانت قاطعة.

 

فؤاد الشامي هو والد سلمى الحقيقي.

 

أما الرجل الذي ربّاها طوال حياتها فلم يكن يعلم الحقيقة.

 

عندما عرفت سلمى ذلك جلست ساعات طويلة تبكي.

 

لم تكن تعرف هل تفرح لأنها وجدت والدها.

 

أم تحزن على السنوات التي ضاعت.

 

أما فؤاد…

 

فبكى كطفل عندما حمل حفيده آدم لأول مرة.

 

وقال:

 

“كنت فاكر إني خسرت كل حاجة.”

 

“لكن ربنا رجعلي بنتي وحفيدي.”

 

—

 

بدأت حياة الجميع تتغير.

 

أصبح فؤاد جزءًا من حياة سلمى.

 

وأصبح آدم متعلقًا بجده الجديد.

 

أما ياسين…

 

فكان ما يزال يحاول إصلاح ما كسره.

 

شهر بعد شهر.

 

كان يثبت لسلمى أنه تغير فعلًا.

 

حتى جاء مساء هادئ بعد ستة أشهر.

 

كانوا جميعًا في حديقة منزل فؤاد.

 

وآدم يركض أمامهم بخطواته الصغيرة الأولى.

 

فجأة تعثر الطفل وكاد يسقط.

 

لكن ياسين التقطه بسرعة.

 

فضحك آدم بصوت عالٍ.

 

وفي تلك اللحظة نظرت سلمى إلى ياسين.

 

ورأت شيئًا لم تره منذ سنوات.

 

الرجل الذي أحبته.

 

قبل الغرور.

 

قبل الشك.

 

قبل كل شيء.

 

اقترب منها ياسين بهدوء.

 

وقال:

 

“لسه مش مستني تسامحيني.”

 

“لكن عمري كله هفضل أحاول.”

 

ظلت تنظر إليه طويلًا.

 

ثم ابتسمت لأول مرة ابتسامة كاملة.

 

حقيقية.

 

دافئة.

 

وقالـت:

 

“يمكن المحاولة دي تستحق فرصة.”

 

شعر قلبه يقفز من مكانه.

 

لكن قبل أن يتكلم…

 

دوى صوت إطلاق نار من خارج الفيلا.

 

وتحطم أحد النوافذ فجأة.

 

وسقط الجميع أرضًا من الصدمة.

 

أما فؤاد الشامي فشحب وجهه فورًا.

 

وهمس:

 

“لقوني…”

 

نظر إليه ياسين بحدة.

 

وقال:

 

“مين؟”

 

أجاب فؤاد وهو ينظر نحو البوابة:

 

“الناس اللي حاولوا يقتلوني من عشر سنين…”

 

يتبع…

الفصل العاشر

 

تحطم الزجاج في كل اتجاه.

 

واختلطت صرخات الحراس بصوت الرصاص.

 

في لحظة واحدة تحولت الحديقة الهادئة إلى فوضى كاملة.

 

احتضنت سلمى آدم بقوة.

 

بينما اندفع ياسين نحوهما دون تفكير.

 

وألقاهما خلف الجدار الحجري القريب.

 

صرخ:

 

“انزلوا!”

 

تسارعت أنفاس الجميع.

 

أما فؤاد الشامي فكان وجهه شاحبًا بصورة مخيفة.

 

وكأنه عاد فجأة عشر سنوات إلى الوراء.

 

عاد إلى الليلة التي هرب فيها من الموت.

 

قال بصوت مرتجف:

 

“عرفت إن اليوم ده هييجي.”

 

نظر إليه ياسين بسرعة.

 

“مين اللي بيعمل كده؟”

 

أجاب فؤاد:

 

“شخص اسمه عاصم الكيلاني.”

 

تجمد ياسين.

 

كان يعرف الاسم.

 

كل رجال الأعمال في المدينة يعرفونه.

 

رجل ظهر من العدم قبل سنوات.

 

وبنى إمبراطورية مالية ضخمة.

 

لكن لم يعرف أحد أبدًا من أين جاءت ثروته الحقيقية.

 

قال فؤاد:

 

“كان شريكي.”

 

“وأكتر شخص وثقت فيه.”

 

ثم أغمض عينيه.

 

وأضاف:

 

“وهو اللي حاول يقتلني.”

 

—

 

بعد دقائق وصلت قوات الشرطة.

 

وتوقفت سيارة الإسعاف.

 

وتم تأمين الفيلا بالكامل.

 

لكن المهاجمين كانوا قد اختفوا.

 

وكأنهم أرادوا إرسال رسالة فقط.

 

لا أكثر.

 

ولا أقل.

 

رسالة تقول:

 

نحن نعرف أين أنت.

 

—

 

في تلك الليلة لم ينم أحد.

 

تم نقل فؤاد إلى مكان آمن تحت حراسة مشددة.

 

وأصرت الشرطة على فتح تحقيق جديد.

 

أما ياسين فجلس داخل مكتب فؤاد الخاص.

 

يقلب في عشرات الملفات القديمة.

 

كان يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.

 

شيئًا لم يخبرهم به فؤاد بعد.

 

وبالفعل…

 

في الثالثة صباحًا.

 

دخل فؤاد الغرفة.

 

وأغلق الباب خلفه.

 

ثم وضع أمام ياسين مفتاحًا صغيرًا من الفضة.

 

قال ياسين باستغراب:

 

“إيه ده؟”

 

تنهد فؤاد طويلًا.

 

وقال:

 

“السبب الحقيقي لكل اللي بيحصل.”

 

نظر ياسين إلى المفتاح.

 

ثم إلى الرجل.

 

فأكمل فؤاد:

 

“قبل ما أختفي.”

 

“سحبت جزءًا من ثروتي.”

 

“وحولتها لحسابات سرية.”

 

“وفي مستندات تثبت جرائم عاصم الكيلاني كلها.”

 

اتسعت عينا ياسين.

 

فأضاف فؤاد:

 

“المفتاح ده يفتح خزنة.”

 

“والخزنة فيها كل حاجة.”

 

ساد الصمت.

 

ثم سأل ياسين:

 

“طيب ليه مخبيها لحد دلوقتي؟”

 

أجاب فؤاد بحزن:

 

“لأن أي حد يقرب منها كان بيموت.”

 

شعر ياسين بقشعريرة تسري في جسده.

 

لكن فؤاد لم يكن قد انتهى.

 

نظر مباشرة في عينيه.

 

وقال:

 

“وأنا خلاص مش ضامن عمري.”

 

“عشان كده لازم تعرف مكانها.”

 

—

 

في صباح اليوم التالي…

 

تحرك ياسين وفؤاد سرًا.

 

دون إبلاغ أحد.

 

حتى الشرطة.

 

توجها إلى منطقة قديمة على أطراف المدينة.

 

مكان مهجور منذ سنوات.

 

وفي نهاية طريق ترابي ضيق…

 

ظهر مبنى حجري قديم.

 

كان أشبه بمخزن منسي.

 

دخل الاثنان بحذر.

 

حتى وصلا إلى غرفة صغيرة في الخلف.

 

وهناك.

 

أزاح فؤاد لوحة خشبية قديمة من الحائط.

 

لتظهر خزنة حديدية ضخمة.

 

أخرج المفتاح.

 

وأدخله في القفل.

 

ثم أدار المقبض ببطء.

 

صدر صوت معدني ثقيل.

 

وانفتح الباب.

 

نظر ياسين إلى الداخل.

 

فتجمد في مكانه.

 

لم تكن الخزنة مليئة بالمال فقط.

 

ولا بالمجوهرات.

 

بل بعشرات الملفات.

 

وأقراص تخزين.

 

وصور.

 

وعقود.

 

وأدلة تكفي لإسقاط إمبراطورية كاملة.

 

لكن شيئًا آخر لفت انتباهه.

 

شيء لم يتوقع رؤيته أبدًا.

 

صورة قديمة موضوعة وحدها داخل إطار صغير.

 

التقطها.

 

ونظر إليها.

 

ثم شعر بأن قلبه توقف.

 

لأن الصورة كانت تجمع…

 

والده الراحل سامح العطار.

 

وفؤاد الشامي.

 

ورجلًا ثالثًا.

 

شابًا في الثلاثينيات من عمره.

 

يبتسم بجوارهما.

 

سأل ياسين ببطء:

 

“مين الراجل ده؟”

 

نظر فؤاد إلى الصورة.

 

وفجأة اختفى اللون من وجهه.

 

وقال بصوت مخنوق:

 

“لا…”

 

قطب ياسين حاجبيه.

 

“في إيه؟”

 

رفع فؤاد الصورة بيد مرتجفة.

 

ثم همس:

 

“ده مستحيل.”

 

“هو مات.”

 

اقترب ياسين أكثر.

 

وقال:

 

“مين هو؟”

 

رفع فؤاد رأسه.

 

وكان الرعب ظاهرًا في عينيه لأول مرة.

 

ثم قال:

 

“ده عاصم الكيلاني.”

 

تجمد ياسين.

 

أما فؤاد فأكمل بصوت مرتعش:

 

“لكن المشكلة مش هنا…”

 

“المشكلة إن الصورة دي اتصورت بعد التاريخ اللي المفروض عاصم مات فيه رسميًا بخمس سنين.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

شعر ياسين أن اللغز كله أصبح أكثر تعقيدًا.

 

لأن ذلك يعني شيئًا واحدًا فقط.

 

أن شخصًا ما زوّر موت عاصم قديمًا…

 

تمامًا كما زُوّرت وفاة فؤاد لاحقًا.

 

وأن اللعبة بدأت قبل عقود طويلة جدًا.

 

أطول بكثير مما تخيل أي منهم.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

كان شخص مجهول يراقبهما من منظار بعيد فوق تلة صخرية.

 

ثم ابتسم.

 

وأغلق جهاز الاتصال.

 

وقال:

 

“أخيرًا فتحوا الخزنة.”

 

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *