انقذت رجل فقير حكايات اسما ×4

الجزء السابع

 

ساد صمت ثقيل.

 

حتى العصافير التي كانت تملأ أشجار القرية اختفى صوتها للحظة.

 

نظر إياد إلى ابنته، ثم إليّ.

 

وتغيرت ملامحه تمامًا.

 

قال بصوت منخفض:

 

“ليلى…”

 

“إنتِ بتقولي إيه؟”

 

مسحت دموعها بسرعة.

 

ثم نظرت إليّ مرة أخرى.

 

وقالت:

 

“مش دي البنت اللي حضرتك قلت إنك فضلت تدور عليها طول السنين دي؟”

 

أجاب إياد بعد تردد:

 

“لا…”

 

“أنا كنت بدور على طفلة تانية.”

 

شعرت بالارتباك.

 

وسألت:

 

“أنا مش فاهمة.”

 

ابتسم إياد ابتسامة باهتة.

 

ثم التفت إلى أهل القرية الذين بدأوا يقتربون أكثر وأكثر.

 

وقال بهدوء:

 

“ممكن نتكلم جوه؟”

 

أدخلته أمي إلى بيتنا المتواضع.

 

كان الأثاث بسيطًا جدًا.

 

كنبة قديمة.

 

مروحة تصدر صوتًا مرتفعًا.

 

وطاولة خشب صغيرة أصلحها أخي عشرات المرات.

 

جلس إياد ينظر إلى المكان طويلًا.

 

ثم قال:

 

“أنا عشت في قصور طول عمري…”

 

“لكن يمكن أول مرة أحس بالراحة في بيت.”

 

ابتسمت أمي بخجل.

 

وقالت:

 

“البيت البسيط بيكبر بأهله.”

 

هز رأسه موافقًا.

 

ثم نظر إليّ مباشرة.

 

“في حاجة لازم تعرفيها.”

 

جلست أمامه.

 

أما ليلى فجلست بجواره وهي تمسك يده وكأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى.

 

قال إياد:

 

“من سبعتاشر سنة…”

 

“كنت راجع من الفيوم بعد افتتاح مصنع جديد.”

 

“وفي الطريق شفت عربية مقلوبة.”

 

توقف قليلًا.

 

وأخذ نفسًا عميقًا.

 

“كان جواها راجل وست.”

 

“والست كانت لسه عايشة.”

 

شعرت بقشعريرة في جسدي.

 

أكمل:

 

“كان معاها طفلة صغيرة.”

 

“عمرها يمكن سنة أو سنتين.”

 

“طلعتها من العربية قبل ما العربية تولع.”

 

نظرت إليه دون أن أتكلم.

 

أما أمي…

 

فبدأ لون وجهها يتغير.

 

قال إياد:

 

“الأم كانت بتنـزف.”

 

“ومسكت إيدي.”

 

“وقالت لي…”

 

توقف صوته.

 

ثم أكمل بصعوبة:

 

“لو بنتي عاشت…”

 

“اعتبرها بنتك.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قال:

 

“وصلت الإسعاف.”

 

“لكن في الزحمة…”

 

“الطفلة اختفت.”

 

اتسعت عينا أمي فجأة.

 

وضعت يدها على فمها.

 

وهمست:

 

“يا ساتر…”

 

التفت إليها إياد.

 

“حضرتك مالك؟”

 

بدأت دموعها تنزل ببطء.

 

ثم قامت من مكانها.

 

واتجهت إلى غرفة النوم.

 

فتحت دولابًا خشبيًا قديمًا.

 

وأخرجت صندوقًا صغيرًا من الصفيح.

 

عادَت وهي ترتجف.

 

فتحته أمام الجميع.

 

كان بداخله…

 

سلسلة فضية صغيرة.

 

وعليها حرف واحد فقط.

 

ن

 

أمسكها إياد بيد مرتجفة.

 

وفجأة اتسعت عيناه.

 

قال بذهول:

 

“دي…”

 

“دي نفس السلسلة.”

 

نظرت إليه أمي.

 

وقالت بصوت مكسور:

 

“إحنا لقينا ندى على طريق الفيوم.”

 

توقفت أنفاسي.

 

شعرت أن الأرض تدور بي.

 

قلت بصعوبة:

 

“إيه؟”

 

بكت أمي وهي تمسك يدي.

 

“أنا مش أمك اللي ولدتك.”

 

“أنا لقيتك بعد حادثة كبيرة.”

 

“بلغنا الشرطة وقتها.”

 

“لكن محدش جه يسأل عنك.”

 

“فربيناكي كأنك بنتنا.”

 

لم أعد أسمع شيئًا.

 

كل الأصوات اختفت.

 

كنت أنظر إلى أمي…

 

المرأة التي سهرت عليّ وربتني وأطعمتني من قوت يومها.

 

ثم نظرت إلى إياد.

 

الذي كان يمسك السلسلة وعيناه تمتلئان بالدموع.

 

لكن قبل أن ينطق بكلمة…

 

رن هاتف يوسف بعنف.

 

رد بسرعة.

 

وفجأة تغير وجهه.

 

نظر إلى إياد وقال بقلق شديد:

 

“باشا…”

 

“في خبر وحش.”

 

وقف إياد فورًا.

 

“إيه اللي حصل؟”

 

ابتلع يوسف ريقه.

 

ثم قال:

 

“في حد اقتحم مقر الشركة.”

 

“وخزنة الملفات السرية اتسرقت.”

 

تجمد إياد في مكانه.

 

وقال بصوت خافت:

 

“عرفوا مكان الملف…”

 

ثم التفت إليّ.

 

ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.

 

وقال:

 

“ندى…”

 

“اللي أنقذك من سبعتاشر سنة…”

 

رجع يقتلك النهارده.”

الجزء الثامن

 

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

 

نظرت إلى إياد غير مصدقة.

 

وقلت بصوت مرتجف:

 

“يقتلني أنا؟ ليه؟”

 

اقترب إياد خطوة.

 

ثم قال بحزم:

 

“لأن اللي خطط لقتلي عرف إنك شفتِ وشوشهم.”

 

“وعرف كمان إنك بقيتي تعرفي اسمي.”

 

“وده معناه إنك بقيتي خطر بالنسبة لهم.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت أمي وهي تقف أمامي كأنها تحاول حمايتي:

 

“بنتي مش هتروح مع حد.”

 

نظر إليها إياد باحترام.

 

وقال:

 

“والله لو فيه أي طريقة أسيبها هنا بأمان كنت عملتها.”

 

“لكن صدقيني…”

 

“وجودها هنا أخطر من وجودها معايا.”

 

في تلك اللحظة…

 

دخل أحد رجال الحراسة مسرعًا.

 

وقال:

 

“يا باشا…”

 

“في عربية نقل صغيرة واقفة من نص ساعة عند أول الشارع.”

 

“وفيها تلاتة رجالة بيراقبوا البيت.”

 

نظر يوسف من النافذة مستخدمًا منظارًا صغيرًا.

 

ثم قال بقلق:

 

“مش من رجالنا.”

 

“ودول نفس المجموعة اللي كانت في الغابة.”

 

أغلق إياد عينيه للحظة.

 

ثم قال:

 

“إذن سبقونا.”

 

—

 

في الخارج…

 

كان ثلاثة رجال يجلسون داخل سيارة نقل قديمة.

 

أحدهم أمسك صورة مطبوعة.

 

وقارنها بباب منزل ندى.

 

ثم ابتسم.

 

وقال:

 

“هي هنا.”

 

رد الآخر:

 

“ننفذ دلوقتي؟”

 

هز رأسه.

 

“لا.”

 

“الريس عايزها عايشة.”

 

“لسه محتاج يسألها.”

 

—

 

داخل المنزل…

 

قال إياد بسرعة:

 

“هنخرج من الباب الخلفي.”

 

اعترضت أمي.

 

“وأسيب البيت؟”

 

ابتسم يوسف.

 

“إحنا مش هنسيبه.”

 

رفع جهاز الاتصال وقال:

 

“الفريق الأول… انتشر.”

 

“الفريق التاني… اقفلوا مداخل الشارع.”

 

خلال أقل من دقيقة…

 

بدأت سيارات سوداء تدخل القرية من كل اتجاه.

 

وقف أهل القرية في الشرفات يراقبون المشهد بدهشة.

 

لم يروا شيئًا كهذا من قبل.

 

—

 

خرجنا من الباب الخلفي.

 

كنت أسير بين يوسف وإياد.

 

وفجأة…

 

سمعنا صوت طلقة.

 

ثم ثانية.

 

ثم ثالثة.

 

صرخ أحد الحراس:

 

“احتموا!”

 

أمسكني يوسف وأسقطني خلف سور منخفض.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

تحطم زجاج السيارة الواقفة بجوارنا.

 

بدأ إطلاق النار من آخر الشارع.

 

رد رجال إياد بسرعة.

 

لكن المهاجمين كانوا قد اختفوا بين الأراضي الزراعية.

 

بعد دقائق…

 

ساد الهدوء من جديد.

 

اقترب أحد الحراس وهو يلهث.

 

وقال:

 

“قدروا يهربوا.”

 

تنهد يوسف بضيق.

 

لكن إياد كان ينظر إلى شيء على الأرض.

 

انحنى والتقط ظرفًا أبيض.

 

لم يكن موجودًا قبل الاشتباك.

 

فتح الظرف بحذر.

 

وجد بداخله ورقة واحدة.

 

مكتوب عليها بخط أسود:

 

“المرة دي كانت رسالة…”

 

“المرة الجاية… هنخلص عليها قدامك.”

 

قبض إياد على الورقة حتى تجعدت بين أصابعه.

 

ولأول مرة منذ عرفته…

 

رأيته يفقد هدوءه.

 

رفع رأسه وقال بصوت مليء بالغضب:

 

“انتهى وقت الدفاع.”

 

“من النهارده…”

 

“أنا اللي هبدأ المطاردة.”

 

لكن يوسف، الذي كان يتفحص الظرف، توقف فجأة.

 

نظر إلى الختم الموجود في أسفله.

 

واتسعت عيناه.

 

همس:

 

“مستحيل…”

 

التفت إليه إياد.

 

“في إيه؟”

 

رفع يوسف الظرف أمامه وقال:

 

“الختم ده…”

 

“مش بتاع أعدائنا.”

 

“ده ختم واحد من أقرب الناس لينا… ومن جوه الشركة.”

 

أدرك إياد في تلك اللحظة أن الخائن الذي حاول قتله…

 

لم يكن خارج إمبراطوريته.

 

بل كان يجلس منذ سنوات إلى جواره على نفس طاولة الاجتماعات.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *