بنت اختي حكـايـات روماني ×2
مع أول ضوء لنهار اليوم التالي، لم يكن هناك حديث في الشارع إلا عن “خناقة السجاد” التي تطورت فجأة لتهدد زواج حسن ونادية. البيتان اللذان تفصل بينهما خطوات معدودة، أصبحت المسافة بينهما كأنها بلاد وهجر.
في منزل أم حسن، كانت الشقيقة الكبرى “مروة” قد جاءت مسرعة بعد أن علمت بما حدث. وقفت في المطبخ مع والدتها وهي تغسل الصحون بعصبية وقالت:
— “يا أمي، إنتِ غلطانة من الأول.. نادية بنت خالتنا أه، بس جيلها غير جيلنا، والبنات اليومين دول بيحسبوها بالمسطرة. وبعدين حسن طبعًا هيثور لكرامتك، بس الخناقة دي شكلها مش هتقف عند حد هنا.”
ردت أم حسن بمرارة وهي تجلس على كرسي خشتي:
— “يا بنتي أنا قولت دي بنت أختي، يعني لحمي ودمي قبل ما تكون خطيبة أخوكي.. مكنتش فاكرة إن الكلمة هتقف في زورها وتعمل الأزمة دي كلها، وتخلي أبوها يطرد ابني ويقول مفيش دهب!”
على الجانب الآخر من الشارع، كانت الأجواء أكثر اشتعالًا.
أم نادية كانت تحاول تهدئة زوجها الذي كان يذرع الصالة ذهابًا وإيابًا وهو يردد:
— “بقى حتة عيل لسه مابداش حياته يدخل عليا البيت بالصوت العالي ويحاسب بنتي؟ البنت عندها حق.. بكره لما تتجوزه يخليها تخدم الشارع كله بناءً على كلامه ده.”
نادية كانت تجلس في غرفتها، ممسكة بهاتفها، تنظر إلى اسم “حسن” وتتمنى لو يتصل ليعتذر، أو يبعث برسالة ينهي بها هذا الكابوس. لم تكن تتوقع أن كلمتها العفوية —والتي رأتها حقًا مشروعًا لها— ستتحول إلى كرة ثلج تكبر وتجر معها العائلتين إلى قطيعة.
فجأة، رن جرس باب منزل نادية.
فتحت الأم الباب لتجد “الحاج فرج”، كبير العائلة وأحد كبار الشارع، وبصحبته اثنان من رجال المنطقة الحكماء. دخلوا وجلسوا في المطبوع الصغير (المندرة) وطلبوا استدعاء أبو نادية.
قال الحاج فرج وهو يعدل عباءته:
— “يا أبو نادية، إحنا أهل وبيت واحد، والشارع كله بيتكلم.. عيب لما كلمتين بين ست كبيرة وبنت أختها يوصلوا للمحاكم وقايمة الذهب وكلمة (فشكلنا). العيد على الأبواب، ومينفعش ندخله والقلوب شايلة.”
رد أبو نادية بعناد:
— “على عيني ورأسي يا حاج فرج، بس حسن دخل بيتي قليل الأدب، وزعق لبنتي وقدامي، وأنا بنتي متتهانش في بيتي.”
في تلك الأثناء، كان حسن يجلس بالأسفل على القهوة مع أصدقائه، وعقله يكاد ينفجر من التفكير. التفت إليه صديقه المقرب وقال:
— “يا حسن، إنت كبرت الموضوع.. البنت مقالتش مش هخدم أمك بعد الجواز، هي اتكلمت في الأصول بتاعة الخطوبة. وإنت دخلت حامي وخسرت حماك.”
وقف حسن وقال بعصبية:
— “أنا مأخطأتش.. أنا دافعت عن أمي اللي كلمتها كسرت بخاطرها. ولو نادية شايفة إن دي كرامة، فأنا كمان عندي كرامة وأمي خط أحمر.”
بينما كانت جلسة الصلح قائمة في بيت نادية، أخرج أبو نادية قايمة المنقولات والذهب ووضعها على الطاولة أمام الحاج فرج وقال:
— “لو حسن راجل وعايز ينهي، يجي ياخد حاجته، وبنتي مابتتشرطش.. يا إما يجي يعتذر هنا قدام المنطقة كلها.”
وصل الخبر إلى حسن عن طريق أحد الشباب، فقام من على القهوة متوجهًا نحو بيت نادية مباشرة، وعيناه تطلق شررًا، والشارع كله تراص على الجانبين يترقب المواجهة التي ستحدث الآن بين الخطيبين وعائلتيهما.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
توقف حسن عند مدخل البيت، والعيون كلها معلقة به. صعد السلالم بخطوات متسارعة ونبضات قلبه تدق في صدره ك الطبول. فتح أبو نادية الباب قبل أن يدق حسن، وكأنه كان ينتظره، ووقف خلفه الحاج فرج ورجال المنطقة.
تنحنح الحاج فرج وقال بصوت جهوري ليحتوي الموقف:
— “ادخل يا حسن، ادخل يا ابني واستهدى بالله.. إحنا قاعدين علشان نصلح النفوس.”
دخل حسن ووقف وسط الصالة، ولم يجلس. خرجت نادية من غرفتها على صوت الخطوات، ووقفت عند طرف الممر تنظر إليه بعينين حمراوين من أثر البكاء، لكن كبرياءها كان يمنعها من التراجع.
نظر حسن إلى عمه (أبو نادية) وقال بنبرة حاول أن يجعلها هادئة لكنها كانت ترتعش من شدة الغضب:
— “أنا جيت يا عمي مش علشان أعتذر عن حاجة أنا شايف إني مغلطتش فيها.. أنا جيت علشان أمي كلمتني وقالت لي يا حسن متخربش بيتك بإيدك. لكن لما يوصلي إنك حاطط القايمة والدهب على الترابيزة وبتقول يجي يعتذر قدام المنطقة، يبقى إنت اللي بتبيعني مش أنا اللي بايع.”
رد أبو نادية وهو يشير بإصبعه بحدة:
— “لما تدخل بيتي وتزعق وتغلط في بنتي، يبقى لازم تتأدب وتعرف إن ليها ضهر ورجالة يملوا العين.. والقايمة والدهب أهم قدام الأستاذ فرج، لو مش عاجبك كلامنا، اتفضل خد حاجتك والكل شاهد.”
انقبض قلب نادية عند سماع هذه الكلمات؛ لم تكن تريد أن تصل الأمور إلى طريق مسدود، لكن لسانها ظل عاجزًا عن النطق وسط صراع الرجال.
تدخل الحاج فرج قائلًا:
— “جرى إيه يا أبو نادية؟ إحنا جايين نصلح ولا جايين نخرب؟ صلي على النبي يا حسن، البنت بنت خالتك، والبيوت مابتتبنيش بالعناد.”
التفت حسن إلى نادية ونظر في عينيها مباشرة، وسألها بسؤال حاسم أمام الجميع:
— “إنتِ راضية بالكلام ده يا نادية؟ راضية إن بيتنا يتهد علشان قولتلك تعالي ساعدي أمي اللي هي خالتك؟”
نادية، وتحت ضغط نظرات والدها الحادة وشعورها بأن حسن يضعها في موقف اختبار أمام الناس، ردت بنبرة متوترة:
— “الوصول للأصول يا حسن.. إنت اللي كبرت الموضوع وخليت الكل يتكلم علينا في الشارع، وأنا قولتلك كلمتي؛ بيتك أشيله فوق راسي، لكن من دلوقتي مش هقبل أتهان.”
هز حسن رأسه بمرارة، وشعر أن كل الجسور قد تحطمت. التفت إلى الحاج فرج وقال:
— “أنا هقفل الموضوع ده خالص يا حاج فرج.. والدهب والحاجة أنا مش هاخدهم دلوقتي، أنا هبعت كبار من عندي يخلصوا كل حاجة بالأصول.”
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، التفت حسن وخرج من الشقة مكسور الخاطر مستهجنًا ما آلت إليه الأمور، ونزل السلالم وسط همسات الجيران الذين كانوا يتابعون المشهد من شرفاتهم.
أغلقت أم نادية الباب وراءه وهي تصرخ في زوجها وابنتها: “خربتوا البيت.. خربتوا البيت وعمرتوا الشماتة فينا!”، بينما دخلت نادية غرفتها وأغلقت الباب، وارتمت على السرير تجهش بالبكاء، بعد أن أدركت أن العناد قد يدفع بهما إلى نقطة اللا عودة.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
لم ينم أحد في الشارع تلك الليلة. الخبر انتشر كالنار في الهشيم، وتحولت “حكاية السجاد” من عتاب عائلي إلى قضية كرامة وعناد بين عائلتين من أكبر عائلات المنطقة.
في صباح اليوم التالي، كانت أم حسن تجلس في صالتها، تبكي بحرقة وهي ترى ابنها حسن يجلس واجمًا، وعيناه غائرتان من قلة النوم. دخلت عليهما الابنة الكبرى “مروة” وزوجها “محمود”، الذي جاء ليتدخل بحكم قرابته للطرفين.
جلس محمود بجانب حسن وقال بهدوء:
— “يا حسن، العناد بيخرب البيوت. أنا قعدت مع ناس من طرف عمك أبو نادية، والراجل مشحون لأنك دخلت بيته وصوتك عالي. نادية غلطت في أسلوبها مع أمك، ده مفيش فيه كلام، بس كمان قطع الحبال مش بالسهولة دي.. دي بنت خالتك قبل ما تكون خطيبتك.”
رفع حسن رأسه وقال بنبرة جافة ومقسمة:
— “يا محمود، أنا مش صغير. نادية وقفت قدام أبوها والحاج فرج وقالت لي (أنا مش هقبل أتهان)، وكأن مساعدة أمي بقت إهانة ليها! أنا لو طاطيت راسي دلوقتي، هعيش طول عمري مكسور في البيت ده. الموضوع مبقاش سجاد.. الموضوع بقى مين اللي هيكسر كلمة التاني.”
على الجانب الآخر من الشارع، كان الصمت في بيت نادية أشد قسوة من الصراخ.
دخلت الأم غرفة ابنتها، ووجدتها تجلس أمام مرآتها تنظر إلى دبلة حسن في يدها والدموع تجري على خديها.
جلست الأم بجوارها وقالت بعتاب مر:
— “ارتحتي كده يا نادية؟ الشارع كله ملوش سيرة غيرنا. خطيبك اللي كان بيموت فيكي، جيتوا على خيط فارغ وقطعتوه. خالتك أم حسن طول عمرها بلقمتها في بقك، لما تطلب منك مساعدة، كان العيب تقولي لها (بناتك عندك)؟”
ردت نادية بصوت مخنوق بالبكاء:
— “يا أمي أنا مكنش قصدي أهين خالتي.. أنا قولت الكلمة عادي والله، بس هي اللي زعلت وبلغت حسن، وحسن جه هجم علينا في البيت وعايز يمشيني على مزاجه من قبل ما نتجوز. لو وافقت دلوقتي، بكره هيلغي شخصيتي خالص.”
دخل أبو نادية فجأة وعلامات الغضب والندم تملأ وجهه، لكن كبرياءه منعه من التراجع، وقال بحدة:
— “خلاص.. الكلام ملوش عازة دلوقتي. حسن قال هيبعت كبار عيلته علشان ينهوا الموضوع وياخدوا حاجتهم، وأنا مش هصغر بنتي قدام حد. اللي عايز يبيع، الباب يفوت جمل.”
مرت ساعات العصر ثقيلة كالجبال. وفي تمام الساعة السادسة، رن جرس باب بيت أبو نادية مجددًا.
فتحت الأم الباب، لتجد “الحاج عبد العظيم”، عم حسن الأكبر، ومعه اثنان من كبار العائلة، لكن حسن لم يكن معهم. دخل الرجال بوجوه عابسة تدل على خطورة الموقف.
جلسوا في الصالة، وخرج أبو نادية ليرحب بهم بجفاء. تنحنح الحاج عبد العظيم وقال:
— “يا أبو نادية، إحنا جينا بالأصول اللي نعرفها.. إحنا ولاد دم واحد ومينفعش الحكاية تخلص في المحاكم. حسن ابننا، ونادية بنتنا، والظاهر إن الشيطان دخل وسطيهم. إحنا جايين نسمع منكم الكلمة الأخيرة؛ هل فيه نية لصفاء النفوس، ولا نتوكل على الله ونفضها سيرة؟”
ساد صمت رهيب في الصالة، وبدأت الأنفاس تتصاعد خلف الأبواب المغلقة، حيث كانت نادية تقف خلف باب غرفتها، تضع يدها على قلبها، وتنتظر الكلمة التي ستحدد إن كانت ستعود لحسن.. أم أن دبلتها ستخلع الليلة وإلى الأبد.