طلقت زوجتي حكـايـات أسمـا ×3

الفصل السابع

لكن الحياة لم تكن تنوي أن تمنحهم نهاية هادئة بهذه السهولة.

بعد أسبوعين من الحفل المدرسي.

كانت سارة ترتب بعض الملفات داخل مكتبها الصغير في المؤسسة التعليمية.

بينما كان آدم وياسين في المدرسة.

رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة.

رقم غير مسجل.

كادت تتجاهله.

لكن شيئًا ما دفعها للرد.

قالت:

“ألو؟”

جاءها صوت امرأة مسنة.

مرتبك.

وخافت.

وقالت:

“حضرتك مدام سارة عبدالسلام؟”

عقدت سارة حاجبيها.

“أيوه.”

ساد الصمت للحظة.

ثم قالت المرأة:

“أنا عندي حاجة تخص المرحوم محمود الشاذلي.”

توقفت أنفاس سارة.

والد كريم.

ماذا يمكن أن يربطها به الآن؟

قالت المرأة:

“لازم أشوفك.”

“ولازم يكون بعيد عن أي حد.”

في اليوم التالي.

جلست سارة داخل مقهى هادئ في مصر الجديدة.

وكانت المرأة أمامها.

تبدو في أواخر الستينيات.

وترتدي ملابس بسيطة.

وفي يدها حقيبة جلدية قديمة.

وضعتها فوق الطاولة.

وقالت:

“أنا كنت السكرتيرة الخاصة للحاج محمود أكتر من عشرين سنة.”

شعرت سارة بالدهشة.

ثم فتحت المرأة الحقيبة.

وأخرجت ظرفًا أصفر قديمًا.

وقالت:

“قبل وفاته بست شهور سلمني الظرف ده.”

“وقال لو حصل أي حاجة… أو لو كريم اختار الطريق الغلط… أوصل الظرف لزوجته.”

تجمدت سارة.

“زوجته؟”

هزت المرأة رأسها.

“كان يقصدك إنتِ.”

في تلك اللحظة شعرت سارة بأن قلبها بدأ ينبض بقوة.

نظرت إلى الظرف.

كان مختومًا بالشمع الأحمر.

وعليه توقيع محمود الشاذلي.

لم يُفتح أبدًا.

مدت يدها ببطء.

وفكت الختم.

ثم أخرجت الرسالة.

كانت مكتوبة بخط اليد.

وبدأت بكلمات جعلت الدموع تملأ عينيها فورًا.

إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة يا سارة…

فغالبًا ابني ارتكب أكبر خطأ في حياته.

ارتجفت أصابعها.

وأكملت القراءة.

أعرف ابني أكثر مما يعرف نفسه.

وأعرف أنه قد ينجرف خلف البريق وينسى الجوهر.

لكنني أعرفك أيضًا.

وأعرف أنكِ الإنسان الوحيد الذي أحب كريم لأجله نفسه وليس لأجل اسمه أو ماله.

بدأت الدموع تنزل بصمت.

أما الرسالة فاستمرت.

إذا وصلتك هذه الرسالة بعد أن تبتعدي عنه…

فلا تحملي الكراهية في قلبك.

لأن الزمن سيعلمه ما عجزت أنا عن تعليمه.

ثم توقفت سارة عند السطر الأخير.

السطر الذي سيغير كل شيء.

وفي الخزنة رقم 17 داخل مزرعتي القديمة…

يوجد شيء يخص أحفادي.

احرصي أن يصل إليهم يومًا ما.

في المساء.

كانت سارة تجلس مع كريم داخل مكتبه.

تضع الرسالة أمامه.

بينما يقرأها بصمت.

ومع كل سطر كان وجهه يزداد شحوبًا.

حتى وصل إلى النهاية.

فأغلق عينيه.

وقال بصوت مبحوح:

“كان عارف.”

نظرت إليه.

“عارف إيه؟”

أجاب:

“عارف إني هضيعك.”

ثم ضحك ضحكة قصيرة مليئة بالألم.

“وأنا كنت فاكر نفسي أذكى من الكل.”

في صباح اليوم التالي.

انطلقا معًا إلى المزرعة القديمة التي كان يملكها محمود الشاذلي.

كانت تقع على أطراف طريق القاهرة – الإسماعيلية الصحراوي.

مكان مهجور تقريبًا.

الأشجار القديمة ما زالت قائمة.

لكن الزمن ترك بصماته في كل شيء.

دخل كريم إلى المكتب القديم.

وبحث طويلًا.

حتى وجد الخزنة.

رقم 17.

تمامًا كما كُتب في الرسالة.

أدار المفتاح.

وانفتح الباب المعدني ببطء.

لكن ما كان بداخله لم يكن مالًا.

ولا مجوهرات.

ولا وثائق شركات.

بل صندوق خشبي صغير.

فقط.

نظر كريم وسارة إلى بعضهما.

ثم فتحاه.

وفي الداخل وجدا عشرات الرسائل.

كل رسالة تحمل تاريخًا مختلفًا.

وفوق أول رسالة عبارة واحدة:

إلى حفيدي الأول.

أما الثانية فكانت:

إلى حفيدتي الأولى.

والثالثة:

إلى كل حفيد سيأتي بعدي.

ساد الصمت.

ثم فهم كريم الحقيقة.

والده كتب رسائل لأحفاده قبل أن يولدوا أصلًا.

كان يحلم بهم.

ينتظرهم.

ويؤمن أنهم سيأتون يومًا.

جلس كريم على الكرسي القديم.

ووضع يده على وجهه.

وبكى.

لأول مرة منذ سنوات طويلة.

بكى كرجل.

لا كرئيس شركة.

ولا كملياردير.

ولا كوريث إمبراطورية.

بل كابن أدرك متأخرًا حجم الرجل الذي كان والده.

لكن بينما كانا يغادران المزرعة…

لم يكن أي منهما يعلم أن شخصًا آخر كان يراقبهما.

من سيارة سوداء متوقفة بعيدًا.

رجل مجهول.

يمسك منظارًا صغيرًا.

ويراقب الصندوق الذي خرج من الخزنة.

ثم أمسك هاتفه.

وقال:

“اتأكدت.”

“الصندوق ظهر أخيرًا.”

جاءه صوت على الطرف الآخر:

“والرسائل؟”

أجاب:

“أكيد معاهم.”

ثم ساد الصمت لثوانٍ.

قبل أن يقول الرجل الآخر:

“خطة المرحلة التانية تبدأ الليلة.”

وأغلق الخط.

بينما كانت سيارة كريم تبتعد على الطريق.

غير مدركة أن أسرار محمود الشاذلي لم تنتهِ بعد.

بل بدأت للتو.

يتبع…

الفصل الثامن

في تلك الليلة…

لم يستطع كريم النوم.

كانت الرسائل القديمة موضوعة أمامه فوق المكتب.

مرتبة بعناية.

وكأن والده كتبها بالأمس.

لا قبل سنوات طويلة.

جلس يقلبها واحدة تلو الأخرى.

بينما كانت سارة تجلس على الأريكة المقابلة.

صامتة.

تراقبه.

ثم سألته بهدوء:

“هتعمل إيه بيهم؟”

رفع كريم إحدى الرسائل.

وقال:

“هسيبها للولاد.”

ثم ابتسم لأول مرة منذ ساعات.

وأضاف:

“يمكن يتعلموا من جدوهم أكتر ما اتعلمت أنا.”

في صباح اليوم التالي.

استيقظ آدم وياسين مبكرًا.

وكانا متحمسين لأن كريم وعدهما بقضاء اليوم معًا.

في حديقة الحيوانات.

ثم تناول الغداء.

ثم مشاهدة فيلم جديد.

برنامج كامل أصر الطفلان عليه.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة.

شعر كريم بسعادة حقيقية وهو يقود السيارة.

سعادة بسيطة.

بعيدة عن الاجتماعات والصفقات.

لكنها كانت الأغلى.

في منتصف النهار.

كانوا يجلسون داخل أحد المطاعم العائلية.

يضحكون.

ويتبادلون الحديث.

عندما لاحظ كريم رجلًا يجلس قرب النافذة.

ينظر نحوهما باستمرار.

في البداية ظن أنها مصادفة.

لكن بعد عشر دقائق.

كان الرجل ما يزال يراقبهم.

رفع هاتفه.

والتقط صورة.

ثم غادر بسرعة.

تجمدت ملامح كريم.

وعاد إليه الإحساس نفسه.

الخطر.

في المساء.

وصل تقرير أمني جديد.

وأكد مخاوفه.

الرجل نفسه شوهد بالقرب من المدرسة قبل أيام.

وشوهد أيضًا قرب المزرعة القديمة.

وهنا بدأ القلق يتحول إلى يقين.

أحدهم لا يراقب الطفلين فقط.

بل يراقب الرسائل أيضًا.

اجتمع كريم مع رئيس فريق الأمن.

وقال بحدة:

“عايز أعرف الرسائل دي مهمة لمين.”

رد الرجل:

“إحنا بنحاول.”

“بس في حاجة غريبة.”

رفع كريم حاجبه.

فأكمل:

“في أكتر من شخص بيدور عليها من سنين.”

ساد الصمت.

ثم سأل كريم:

“ليه؟”

أخرج الرجل ملفًا قديمًا.

ووضعه أمامه.

وقال:

“لأن في إشاعة قديمة داخل العيلة.”

“إن الحاج محمود خبّى حاجة أكبر من الشركة نفسها.”

فتح كريم الملف.

وبدأ يقرأ.

كانت مذكرات قديمة.

وشهادات موظفين سابقين.

وأحاديث متفرقة.

لكن كلها تشير إلى شيء واحد.

قبل ثلاثين عامًا.

اشترى محمود الشاذلي مساحة ضخمة من الأراضي الصحراوية.

بأسماء مختلفة.

وبعيدًا عن الأنظار.

ثم اختفت الوثائق.

واختفت معها كل المعلومات.

حتى أقرب الناس إليه لم يعرفوا مكانها.

لكن الجميع كان يعتقد أن التفاصيل موجودة في مكان ما.

مكان لا يعرفه أحد.

رفع كريم رأسه.

وقال:

“وإيه علاقة ده بالرسائل؟”

أجاب الرجل:

“إحنا مش متأكدين.”

“لكن ممكن يكون الحاج محمود خبّى خريطة أو معلومات داخلها.”

في تلك اللحظة.

دخلت سارة المكتب.

وكانت تحمل إحدى الرسائل.

وقالت:

“كريم.”

نظر إليها.

فأضافت:

“في حاجة لازم تشوفها.”

فتحت الرسالة.

وأشارت إلى سطر صغير مكتوب أسفل الصفحة.

كان يبدو كأنه مجرد عبارة عادية.

لكن عند التدقيق…

اتضح أنه مجموعة أرقام.

وأحرف.

ورموز.

تجمد كريم.

ثم فتح الرسائل الأخرى.

فوجد الشيء نفسه.

كل رسالة تحتوي على رموز مختلفة.

مخفية بعناية داخل النص.

نظر إلى سارة.

وقال:

“دي مش رسائل بس.”

أومأت.

وقالت:

“دي شفرة.”

خلال الأيام التالية.

بدأ فريق متخصص في تحليل الرموز.

وكانت النتائج صادمة.

كل رسالة تمثل جزءًا من خريطة.

وكل خريطة تشير إلى موقع مختلف.

وعندما جُمعت الأجزاء كلها معًا…

ظهر موقع واحد فقط.

مكان واحد.

في عمق الصحراء الغربية.

بعيد عن المدن.

وبعيد عن أي طريق رئيسي.

وفي تلك الليلة.

جلس كريم وسارة أمام الشاشة.

ينظران إلى الإحداثيات.

قالت سارة:

“تفتكر هنلاقي إيه؟”

أجاب بصراحة:

“معنديش فكرة.”

ثم أضاف:

“بس أكيد حاجة خلت ناس تفضل تدور عليها عشرات السنين.”

لكن في الوقت نفسه…

وفي فيلا معزولة على أطراف القاهرة.

كان رجل خمسيني يجلس في غرفة مظلمة.

وأمامه صورة قديمة لمحمود الشاذلي.

وصور أحدث لكريم.

وآدم.

وياسين.

أشعل سيجارة ببطء.

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

وقال للرجل الجالس أمامه:

“أخيرًا لقوا الطريق.”

سأله الآخر:

“نتدخل؟”

هز رأسه.

“لسه.”

ثم نظر إلى صورة الطفلين.

وأضاف:

“خليهم يوصلوا للمكان الأول.”

“بعدها… ناخد كل حاجة.”

بعد أسبوع.

كانت طائرة خاصة صغيرة تستعد للإقلاع.

على متنها كريم.

وسارة.

وفريق أمني محدود.

يحملون معهم الخريطة الكاملة.

والرسائل.

وأسئلة أكثر من الإجابات.

أما آدم وياسين…

فبقيا في القاهرة تحت حماية مشددة.

بعد أن وعدهما كريم أنه سيعود خلال يومين فقط.

لكن ما لم يكن يعرفه أحد…

أن الرحلة التي بدأت بحثًا عن سر قديم…

ستكشف حقيقة أخطر بكثير من الميراث.

حقيقة تتعلق بسبب وفاة محمود الشاذلي نفسه.

وحقيقة أخرى…

قد تجعل إمبراطورية الشاذلي كلها مبنية على كذبة عمرها ثلاثون عامًا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *