اخت جوزي حكـايـات أسمـا ×4
في البداية…
افتكرت إن دنيا متحمسة يومين وهترجع لطبيعتها.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أغير فكرتي تمامًا.
كل يوم تقريبًا كانت تخرج من البيت ومعاها الورقة اللي فيها الأسماء.
وترجع بالليل مرهقة.
أوقات كانت ترجع وهي بتعيط.
وأوقات ترجع ساكتة.
وفي مرة سألتها:
“عملتِ إيه النهارده؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت:
“روحت اعتذر لمدرسة العربي بتاعتي.”
استغربت.
“مدرسة العربي؟”
هزت رأسها.
وقالت:
“وأنا في أولى ثانوي… كنت بقود البنات عليها.”
“كنا نقلد طريقة كلامها ونضحك.”
“لدرجة إنها قدمت نقل من المدرسة.”
اتصدمت.
قالت:
“روحتلها النهارده.”
“افتكرت إنها هتقفل الباب في وشي.”
“لكن أول ما قلت لها أنا دنيا…”
عرفتني.”
سكتت لحظة.
وأضافت:
“أول كلمة قالتها…”
“أنا سامحتك من زمان… بس عمري ما نسيت.”
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول اليوم.
—
بعدها بكام يوم…
وصلتنا دعوة فرح جديدة.
استغربت.
لأننا كنا فاكرين إن الفرح اتلغى.
لكن دنيا قالت بابتسامة:
“المرة دي… كل حاجة هتبقى مختلفة.”
وبالفعل…
هي اللي أصرت تقلل مصاريف الفرح.
وباعت نص الكماليات اللي كانت مصممة عليها.
وقالت لخطيبها:
“أنا مش محتاجة فرح الناس تتكلم عنه.”
“أنا محتاجة جواز أكون أستحقه.”
حتى شهر العسل…
غيروه لمكان أبسط.
وسددوا جزءًا كبيرًا من الفلوس اللي كان كريم دفعها.
لأول مرة…
شفت كريم فخور بأخته من غير ما يدللها.
—
يوم الفرح…
كنت مترددة أروح.
مش بسبب اللي حصل.
لكن لأني من وقت فقدان طفلي…
بقيت أخاف من الزحمة.
ومن الأغاني.
ومن أي مكان فيه فرحة كبيرة.
لأن كل فرحة كانت بتفكرني بالفرحة اللي ما اكتملتش.
كريم مسك إيدي.
وقال:
“لو حسيتي إنك تعبانة… نمشي في أي لحظة.”
وافقت.
ولما دخلنا القاعة…
اتفاجأت بدنيا واقفة على الباب.
مش مستنية العريس…
ولا الضيوف المهمين.
كانت مستنياني أنا.
جريت عليا.
وحضنتني.
وهمست في ودني:
“شكراً.”
قلت باستغراب:
“على إيه؟”
قالت:
“لأنك رغم اللي عملته… ادتيني فرصة أبقى إنسانة أحسن.”
ماقدرتش أرد.
حضنتها بس.
—
وسط الفرح…
المذيع مسك الميكروفون.
وقال:
“العروسة طلبت خمس دقايق قبل الزفة.”
الناس استغربت.
دنيا طلعت على المسرح.
وقالت:
“أنا عارفة إن المفروض النهارده يكون أسعد يوم في حياتي.”
“لكن قبل ما أبدأ حياتي الجديدة…”
“لازم أصلح آخر حاجة ناقصة.”
بعدين بصت عليا.
وقالت قدام أكتر من ثلاثمائة شخص:
“مرات أخويا…”
“أنا جرحتك.”
“وسخرت من شكلك.”
“واستهنت بوجعك.”
“ولو أخويا ما وقفش وقفة الراجل…”
“يمكن كنت هفضل فاكرة إن ده هزار.”
القاعة كلها سكتت.
وقالت وهي بتمسح دموعها:
“أي بنت هنا…”
“لو في يوم حد سخر من جسمها…”
“أو شكلها…”
“أو وزنها…”
“اعرفي إن المشكلة مش فيكي.”
“المشكلة في اللي ربّى نفسه على إنه يجرح الناس علشان يضحك.”
في اللحظة دي…
كل الموجودين وقفوا يصفقوا.
لكن أنا…
ماكانش همني التصفيق.
كان همني إني لأول مرة أحس إن حملي اللي فقدته…
ما بقاش سبب بخجل منه.
ولا جسمي بقى حاجة لازم أخبيها.
كريم بصلي.
وابتسم.
وقال:
“شايفة؟”
“الكرامة لما حد يدافع عنها…”
“بتعلم ناس كتير.”
وفي اللحظة دي…
حطيت إيدي في إيده.
وحسيت إن ربنا عوضني بحاجة كنت محتاجاها أكتر من أي اعتذار…
حسيت إني مش لوحدي.
وإن الراجل الحقيقي…
مش اللي يقول لمراته إنها جميلة وهي لوحدها…
الراجل الحقيقي هو اللي يحافظ على كرامتها قدام الدنيا كلها.
قبل شهرين من عيد جوازنا…
كنت أخيرًا بدأت أرجع لنفسي.
رجعت أخرج.
أضحك.
وألبس ألوان كنت بطلت ألمسها من يوم ما فقدت طفلي.
حتى كريم…
بقى يبتسم أكتر.
وفي ليلة كنا قاعدين فيها في البلكونة…
قال لي:
“حاسس إن ربنا بيعوضنا واحدة واحدة.”
ابتسمت.
وقلت:
“يمكن.”
لكنه سكت لحظة.
وبعدين قال:
“في حاجة لازم أقولها.”
بصيت له باستغراب.
قال:
“فاكرة اليوم اللي سمعنا فيه كلام دنيا عند باب شقتها؟”
هزيت رأسي.
قال:
“أنا ما حكيتلكيش كل اللي حصل.”
اتوترت.
“إزاي يعني؟”
تنهد.
وقال:
“بعد ما رجعنا للعربية…”
“أنا ما روحتش البيت على طول.”
“رجعت لها.”
اتصدمت.
“رجعت؟”
قال:
“أيوه.”
“طلعت شقتها.”
“وكانت لسه ريم قاعدة.”
سكت لحظة.
وقال:
“وقفت قدامهم.”
“وقلت لدنيا…”
‘لو كنتي بتكرهي مراتي… ده اختيارك.’
‘لكن لو فكرتي تهينيها مرة تانية… هتخسري أخوكي قبل ما تخسري أي فلوس.’
قلت له:
“وليه ما قلتليش؟”
ابتسم بحزن.
وقال:
“لأنك وقتها كنتي مكسورة.”
“وكنت محتاجة حد يطبطب عليكي… مش يزيد وجعك.”
سكتنا.
ولأول مرة…
عرفت إن المواجهة اللي شفتها في مدينة الألعاب المائية…
ما كانتش أول مواجهة.
كانت الأخيرة.
بعد أيام قليلة…
كانت دنيا هي اللي اتصلت بيا.
قالت:
“ممكن أشوفك لوحدنا؟”
وافقت.
قابلتها في كافيه صغير.
أول ما قعدنا…
طلعت ظرف قديم.
وقالت:
“ده ليكي.”
فتحته.
كان فيه صورة.
أنا وكريم.
في أول سنة جواز.
كنت وقتها أنحف بكتير.
وبضحك من قلبي.
استغربت.
قلت:
“الصورة دي عندك ليه؟”
قالت وهي مطأطية رأسها:
“لأنها السبب.”
ما فهمتش.
قالت:
“أنا كنت بغير منك.”
اتجمدت.
“بتغيري مني؟”
هزت رأسها.
“كل مرة كريم يتكلم عنك.”
“كل مرة يقول مراتي عملت… مراتي قالت…”
“كنت بحس إنه بقى عنده حد أهم مني.”
“ولأنني كنت أنانية…”
“بدأت أدور على أي عيب فيكي.”
“مرة في وزنك.”
“مرة في لبسك.”
“مرة في شكلك.”
“كنت باقنع نفسي إنك أقل.”
“علشان أحس إني لسه الأولى.”
فضلت ساكتة.
قالت وهي تبكي:
“بس الحقيقة…”
“أنا ما كنتش بكرهك.”
“أنا كنت خايفة أفقد مكانتي عند أخويا.”
مديت إيدي.
ومسكت إيدها.
وقلت:
“الحب مش بيتقسم.”
“كريم لما اتجوزني…”
“ما بطلش يحبك.”
“هو بس بقى عنده أسرة أكبر.”
فضلت تبكي.
وقالت:
“نفسي أرجع الزمن.”
ابتسمت.
وقلت:
“الزمن ما بيرجعش.”
“لكن الإنسان يقدر يبني مستقبل غير اللي فات.”
في طريق رجوعنا…
رن هاتفي.
كان كريم.
قال بصوت مليان فرحة:
“فينك؟”
قلت:
“راجعة.”
قال:
“استني…”
“عندي خبر.”
ضحكت.
“خير؟”
سكت ثانيتين.
وقال:
“الدكتور اتصل.”
قلبي دق بسرعة.
“دكتور إيه؟”
قال وهو صوته بيترعش من الفرحة:
“نتائج التحاليل الأخيرة.”
“وقال إن كل حاجة مطمنة…”
“وإن مفيش أي مانع إننا نحاول من جديد لما تكوني مستعدة.”
وقفت في مكاني.
وحسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
مش لأن الخبر معناه إن كل حاجة هتبقى سهلة…
لكن لأنه لأول مرة من شهور…
المستقبل ما بقاش شكله كله وجع.
ولما رجعت البيت…
لقيت كريم واقف عند الباب…
فاتح دراعاته…
وقال بابتسامته اللي كنت مفتقداها:
“المرة دي…”
“هنبدأ من أول السطر…”
“بس وإحنا أقوى من أي وقت فات.”
قبلت عليه وأنا بعيط.
مش عياط الحزن اللي عرفته الشهور اللي فاتت.
كان عياط ارتياح.
كأن حد شال حجر كبير من فوق قلبي.
حضني طويل.
وأول مرة من وقت فقدان طفلنا…
حسيت إننا بنحضن بعض من غير خوف.
دخلنا البيت.
وقعدنا في الصالة.
كريم مسك إيدي وقال:
“بس عندي شرط.”
ابتسمت وسط دموعي.
“إيه هو؟”
قال:
“من النهارده… مفيش ضغط.”
“لا حمل.”
“ولا كلام الناس.”
“ولا سؤال إمتى هتخلفوا.”
“إحنا هنعيش.”
“ولو ربنا كتب لنا طفل… الحمد لله.”
“ولو ما كتبش…”
“برضه الحمد لله.”
بصيت له.
وقلت:
“هو ده اللي كنت محتاجة أسمعه.”
مرت ستة شهور.
بدأت أرجع لشغلي.
واهتم بنفسي.
مش علشان أخس.
ولا علشان أرضي حد.
علشان أنا.
بدأت أمشي كل يوم.
وأكل بهدوء.
وأزور دكتورة نفسية تساعدني أتجاوز صدمة فقدان طفلي.
وفي كل جلسة…
كنت بحس إني بتخلص من جزء صغير من الوجع.
أما دنيا…
فكانت اتغيرت فعلًا.
مش بالكلام.
بالتصرفات.
كانت بتشارك في حملات ضد التنمر.
وتروح مدارس تتكلم مع البنات عن أثر السخرية.
وفي كل مرة…
كانت تبدأ جملتها بنفس الكلمات:
“أنا جيت النهارده مش علشان أنصحكم.”
“أنا جيت أحكيلكم عن أكبر غلطة عملتها في حياتي.”
وكانت تحكي قصتها.
من غير ما تبرر.
ولا تدافع عن نفسها.
وفي صباح هادئ من شهر أبريل…
صحيت على ريحة القهوة.
كريم كان واقف في المطبخ.
ولما شافني…
ابتسم.
وقال:
“أنا عملت اختبار.”
ضحكت.
“اختبار إيه؟”
قال:
“مش أنا…”
“إنتِ.”
حط علبة صغيرة على الترابيزة.
اختبار حمل.
بصيت له باستغراب.
قال:
“اتأخرت الدورة.”
إيديا كانت بتترعش.
دخلت الحمام.
ودقايق مرت كأنها ساعات.
ولما بصيت على الاختبار…
وقفت مكاني.
خطين.
طلعت أجري.
وأنا مش قادرة أتكلم.
كريم أول ما شاف وشي…
فهم.
عيونه دمعت.
وقال بصوت مخنوق:
“بجد؟”
هزيت رأسي.
وقع على ركبته.
وحمد ربنا.
وأنا أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.
لما عرفنا العيلة…
أول واحدة وصلت كانت دنيا.
دخلت الشقة وهي شايلة بوكيه ورد أبيض.
لكنها ما قربتش مني.
وقفت بعيد.
وقالت:
“ينفع أحضنك؟”
ضحكت وسط دموعي.
وجريت عليها.
حضنتني وهي بتبكي.
وقالت:
“ربنا عوضك.”
قلت:
“وربنا عوضني بأخت.”
فضلت تبكي أكتر.
بعد تسعة شهور…
امتلأت غرفة الولادة بصوت أول صرخة.
ولد.
سليم.
أول ما كريم شاله…
افتكرنا الطفل اللي فقدناه.
وقرأنا الفاتحة في سرنا.
وعرفنا إن الإنسان عمره ما بينسى أحبابه.
لكن ربنا قادر يرزقه أمل جديد يعيش به.
بعد سنة…
عملنا عيد ميلاد سليم الأول.
في نفس مدينة الألعاب المائية.
المكان اللي بدأت فيه أكبر أزمة في حياتنا.
لكن المرة دي…
كان مكان مليان ضحك الأطفال.
ودنيا هي اللي كانت تجري ورا سليم من لعبة للتانية.
وفي لحظة…
بنت صغيرة كانت مستخبية ورا أمها لأنها كانت ممتلئة شوية.
سمعت ولدين بيضحكوا عليها.
قبل ما أتحرك…
لقيت دنيا راحت لهم.
نزلت لمستوى البنت.
وقالت بابتسامة:
“تعرفي أجمل حاجة في الإنسان؟”
البنت هزت رأسها.
قالت:
“قلبه.”
وبعدين بصت للولدين.
وقالت بحزم:
“وأي حد يضحك على شكل غيره… يبقى محتاج يربي قلبه قبل لسانه.”
الأولاد اعتذروا.
والبنت ابتسمت.
وقتها كريم بص لي.
وقال:
“فاكرة اليوم اللي قلتلك فيه إنها هتتعلم درس عمرها ما هتنساه؟”
ابتسمت.
وقلت:
“افتكره.”
قال:
“واضح إن الدرس ما غيّرش دنيا بس.”
“غيّر العيلة كلها.”
لفيت أبص حواليا.
حماتي كانت شايلة حفيدها وهي بتضحك.
حمايا بيصور.
دنيا وخطيبها، الذي أصبح زوجها، بيلعبوا مع الأطفال.
وكريم ماسك إيدي بنفس الحنان.
وقتها فهمت إن الكرامة لما تتحفظ…
بتداوي جروحًا كتير.
وإن الاعتذار الحقيقي ليس كلمة تُقال، بل حياة كاملة تثبت أن الإنسان تغيّر.
تمت.
